Skip to main content

Tabrea_boraq.org_ek-ls.info

Item Preview

There Is No Preview Available For This Item

This item does not appear to have any files that can be experienced on Archive.org.

Show all files

texts
Tabrea_boraq.org_ek-ls.info


SHOW MORE


التبرئة
رسالة في
تبرئة أمة القلم والسيف من منقصة تهمة الخور والضعف

بقلم
الشيخ المجاهد د.أيمن الظواهري










مقدمة
---
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾.
أما بعد
1- خرجت إلى العلن ما سميت (بوثيقة ترشيد العمل الجهادي في مصر والعالم)، وصاحبها الإعلام بضجة واهتمام، ولما تأملتها وجدتها -وللأسف كما توقعت- تخدم مصالح التحالف الصليبي اليهودي مع حكامنا الخارجين على الشريعة أيما خدمة، فهي محاولة لتخدير أعدائهم المجاهدين وتشكيكهم في منهجهم وإخراجهم من ميدان المواجهة بحجة العجز والضعف وبحجة عدم توفر مقومات الجهاد، وبحجة اليأس من إمكان الحركات الإسلامية أن تحدث أي تغيير في مصر.
ووجدت الرسالة قد ركزت علي شخصياً بالإشارة وبالتعيين، بالإضافة للشيخ أسامة بن لادن حفظه الله ونصره على أعدائه، ثم أضاف الكاتب فيما صرح به من أحاديث أسماء أخرى.
فوجدت نفسي في موقف في غاية الحرج؛ إن أنا سكت زعم المستفيدون من كتابة الوثيقة أنهم قد نجحوا في تشكيك المجاهدين في منهجهم، وكيف أسكت وأنا أرى الوثيقة تنصر الباطل على الحق بوضوح وجلاء، وإن أنا رددت فربما يكون ردي انتصاراً لنفسي، ويخرجني من موقفي الذي ارتضيته من زمن، وتتحول الوثيقة والرد عليها وما قد يتبعهما من ردود أفعال ترامياً بالنقد والاتهام على مرأى ومسمع من العالم مع إخوة تشرفت في يوم من الأيام بأن أبادلهم المودة الصادقة والإخوة الصافية على درب التضحية والجهاد في سبيل الله، والأمرُّ والأسوأ من تبادل النقد والاتهام أن أولئك الإخوة قد ارتضوا أن يقفوا في هذا النزاع في صف أعداء الإسلام الذين يشجعونهم ويهللون لهم، ويحرشون بينهم وبين إخوانهم، ويدفعونهم لمزيد من الرد والاتهام.
ولذلك فإن هذه الرسالة التي أقدمها للقارئ اليوم هي من أصعب إن لم تكن أصعب ما كتبت في حياتي. وقد كنت أحسب أن ردي على الإخوة في حماس هو أصعب ما كتبت في حياتي، حتى جاءت هذه الرسالة.
ثم بعد الاستخارة والاستشارة قررت أن أكتب هذه الرسالة متحرياً الإنصاف قدر الإمكان، وملتزماً بعدم التجريح قدر الطاقة. وحريصاً على توصيل الحق الذي أعتقده للقارئ في أفضل صورة.
ولذلك أود تنبيه القارئ ومن أرد عليهم أني لا أقصد تجريح شخص ولا النيل من قدره، وأن ردي ونقدي موجه للمعاني والأفكار وليس للأشخاص. فكاتب وثيقة الترشيد ومن يوافقه أو يزعم موافقته لهم في نفسي كل احترام وتقدير وإعزاز، وهم يعلمون هذا ويوقنون به، ثم إنهم الآن قيد الأسر، وقد ذقت مرارته مرتين، والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، فكيف أنال منهم وهم في هذا البلاء العسير؟
كما أود من القراء الكرام وممن ترد عليهم رسالتي أن ينبهوني لأي إسراف أو تجريج يتصورونه موجهاً لأي أخ من إخواني الأعزاء، أو أي خروج عن الحق والحيدة العلمية.
وأن يدرك من أرد عليهم أنهم هم الذين دفعوني وغيري للرد غيرة على الإسلام والجهاد من أعدائهما المتربصين بهما.
2- أنتقل الآن لوثيقة الترشيد المشار إليها، فأطرح ثلاثة أسئلة:
أ- لماذا خرجت الآن هذه الوثيقة؟
ب- ولصالح من نشرت ووزعت هذه الوثيقة؟
ج- وكيف كتبت هذه الوثيقة؟
***
أ- أما لماذا خرجت الآن هذه الوثيقة؟
(1) فقد خرجت هذه الوثيقة في محاولة يائسة أو -على أكثر التقديرات تفاؤلاً- شبه يائسة للتصدي للموجة العاتية من الصحوة الجهادية التي تهز كيان العالم الإسلامي هزاً بفضل الله، وتنذر أعداءه الصليبين واليهود بما يكرهون وما يحذرون.
(2) وواضح أن الهدف من الرسالة هو كف جهاد المسلمين ومقاومتهم للصليبيين واليهود وأجهزة الحكم العميلة في بلادنا، سواء باليد أو اللسان أو حتى الاحتجاج السلمي كالتظاهر والإضراب والاعتصام والمؤتمرات والاجتماعات. أي أن الرسالة تحرص -بلغة وزارة الداخلية- على عدم تعكير صفو الأمن.
(3) وتخرج هذه الوثيقة الآن في وقت قررت أمريكا فيه -نظراً للضربات التي تترنح تحت وطأتها- أن تنصرف عن خطها السابق بالسماح الجزئي ببعض من الحرية لتيار المعارضة عبر الانتخابات، فواجهته بالمنع والتقييد كما حدث في انتخابات مجلس الشورى في مصر والمغرب والأردن، وكما حدث مع حكومة حماس من حصار، ومن اعتبارهم إياها حكومة غير شرعية، وكما حدث في مؤتمر أنابولس، وما يتوقع منه من خيانات وعدوان. وفي وقت قررت فيه أمريكا عياناً بياناً تمويل الخونة في مجالس الصحوة الصريحة في عمالتها. في هذا الوقت تظهر هذه المراجعات. لتشجع بها أمريكا تياراً أكثر تماوتاً وانهزاماً من تيار المعارضة عبر الانتخابات.
ب- أما لصالح من نشرت ووزعت هذه الوثيقة؟
(1) فالمستفيدة الأولى من هذه التراجعات هي أمريكا.
(أ) فالمجاهدون يدعون الأمة للقيام والنهوض والتصدي والجهاد والاستشهاد، والمتراجعون يدعونها للتخاذل والاستسلام، فيفتحون الباب واسعاً أمام استشراء المخطط الصهيوني الأمريكي.
(ب) والمجاهدون هم الذين أفشلوا المخطط الأمريكي في المنطقة، وهم أيضاً من تنتقدهم تلك التراجعات.
(ج) وأمريكا تعرف خطورة التيار الجهادي والقاعدة عليها وعلى مستقبلها ومكانتها في العالم، فالقاعدة لا تطالب فقط بطرد المحتلين الصليبيين واليهود من بلاد المسلمين، بل تطالب أيضاً بأن يباع البترول بسعره الحقيقي، بكل ما تمثل هذه الدعوة من آثار مدمرة على السيطرة الأمريكية على العالم، التي انبنت بدرجة كبيرة على سرقتها لثروات المسلمين.
(د) وكل جريمة القاعدة والمجاهدين؛ أنهم تصدوا للأمريكان واليهود وعملائهم، ولذلك أخرجت لهم آلة الدعاية الأمريكية أمثال هذه الوثائق، لتتناسى وتتغافل عن المجرمين الحقيقيين؛ الأمريكان وأعوانهم، الذين يسوقون الأمة من كارثة لأختها منذ نكبة عام 1948 حتى مؤتمر أنابولس، ولتصيح تلك الوثيقة وأخواتها في وجه المجاهدين: "أنتم سبب البلاء ودعاة الخراب وجالبو المصائب"!!
نعم. هم سبب خراب مصالح أهل الانتفاع والاستكانة والرضا بفتات الدنيا في ظل الطواغيت، يثمرون مصالحهم، ويربون أبناءهم، ويزيدون من أموالهم، وأعداء الأمة ينهشون فيها نهشاً.
نعم هم سبب خراب أولئك، ولكنهم المدافعون الحقيقيون عن عقيدة الأمة ومكانتها وأرضها وثرواتها.
(2) وأنا أدعو القارئ أن يبحث عن العامل الأمريكي في التراجعات:
(أ) فمراجعات الجماعة الإسلامية بدأت من 1997، وركدت، إلى أن جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فبدأت موجة أخرى من المراجعات، استنكرها العديد من أعضاء الجماعة الإسلامية، الذين وافقوا على مبادرة وقف العنف، هذه الموجة وصلت بهم لاعتبار السادات شهيداً، والأهم أنها تركزت في معظمها على الهجوم على القاعدة، وبدأت المزايا الحقيقية الدنيوية تتحقق للمتراجعين.
(ب) أما كاتب هذه الوثيقة فقد أعلن عن تراجعه في كتابه (الجامع) منذ عام 1994، وانصرف لحياته الخاصة باسمه الحقيقي في اليمن في تعايش غريب مع أجهزة أمنها، ثم بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001 اعتقلته السلطات اليمنية بأوامر أمريكية، ورحل لمصر، وتصور الأمريكان أنه قد يكون مفيداً في حملتهم الصليبية الجديدة. فبعد فترة من التكتم على اعتقاله بلغت حوالي ثلاث سنوات، لا أشك أنه قد مورس عليه فيها ألوان من الضغط والتقييد والقهر مقرونة بأساليب الترغيب والترهيب، بدأ إبرازه وإحاطته بكل هذه الهالة الإعلامية.
(3) هل هذه الوثيقة تحقق مصلحة لمصر ولغيرها من بلدان العالم الإسلامي؟
لقد اطلعت على بعض التفاعلات مع الوثيقة في الإعلام الرسمي وشبه الرسمي، وكان التركيز على المؤيدين للوثيقة، الذين اعتبروها في صالح مصر وأثنوا عليها ورحبوا بها، أما المعارضون للوثيقة معارضة حقيقية فيكاد لا يسمع لهم صوت في مصر ولا العالم العربي، لأنهم إما في السجن، أو مهددون بالترحيل لجوانتانامو إن قالوا لا، باستثناء من أسماهم الكاتب بالحمقى والعملاء وأبطال الميكروفونات والإنترنت، فهؤلاء يعارضونها بقوة لأنهم يتمثلون بقول المتنبي:
رماني الدهر بالأرزاء حتى فؤادي في غشاء من نبال
فكنت إذا أصابتني سهام تكسرت النصال على النصال
وهان فما أبالي بالرزايا لأني ما انتفعت بأن أبالي
إلا أني أود أن أسأل الذين رحبوا بها واعتبروها في صالح مصر والعالم الإسلامي سؤالين أحدهما عام، والآخر أخص:
السؤال الأول: لو أخذنا مصر كنموذج لدول العالم العربي والإسلامي، فهل هناك أمل في التغيير السلمي في مصر؟ بل هل هناك أمل في مجرد التظاهر السلمي في مصر؟ والحكومة تعد قانوناً لتمريره في مجلس الشعب بمنع التظاهر في دور العبادة، وتقصد به منع التظاهر في الأزهر، وهو المكان الذي كان المصريون يحتجون فيه على الظلم لمئات السنين.
بل لأضع السؤال بصورة أكثر صراحة؛ هل الوضع في مصر يتحسن أم يتدهور؟ فلنتأمل السياسة الخارجية، والفساد والاقتصاد والزراعة، وموقع ليس الشريعة والدين بل الأخلاق المتعارف عليها في الإعلام والسلوك العام، وحقوق الإنسان والفقر والمرض والتعليم. إلى أين تسير مصر؟ إلى قيادة وريادة العالم العربي والإسلامي أم إلى التبعية والدونية، وهل يدافع حاكمها عن حقوقها؟ أم أن جل ما يقدمه هو القيام بدور السمسار لأمريكا، أو النمام الذي يرفع لها التقارير عن غيره من الحكام.
السؤال الثاني: بالنظر لذلك الواقع الذي أشرت إليه في السؤال الأول، فهل هذه الوثيقة تقدم برنامج عمل للتغيير في بلادنا العربية والإسلامية؟ أم أن خياراتها الست (1- الهجرة. 2- العزلة. 3- العفو. 4- الإعراض. 5- الصبر. 6- كتمان الإيمان) تقدم وصفة للهروب من الواقع؟
قد يكون الهروب من الواقع حلاً شرعياً في مواجهة الواقع الفاسد الذي لا يمكن تغييره. أخرج الإمام البخاري -رحمه الله- عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:
"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ" .
فهل هذا هو الوضع في نظر المرحبين بالوثيقة؟
وقد يكون الهروب من الواقع حلاً غير شرعي يندفع له الإنسان، أو يدفع إليه بدوافع شتى.
ولكنه في كل الأحوال يبقى حلاً لشخص أو لمجموعة أشخاص، ولكنه ليس حلاً لمجتمع ولا لشعب ولا لأمة. وإذا لم يكن حلاً لمجتمع ولا لشعب ولا لأمة فمن الأولى والأحرى والآكد أنه ليس حلاً لأمة معتدى عليها محتلة أرضها مسروقة ثرواتها معتداً على حرماتها وعقيدتها وقيمها.
ثم إن كاتب الوثيقة لا يعرض هذا لشخصه، ولا حتى للموقعين معه لدى الجهات المختصة، ولا لبقية المعتقلين، ولا لبقية الجماعات الإسلامية، بل هو يطرحه كحل للأمة كلها!!
ومن المثير للتعجب أنه حين كان يطرح حله للأمة كلها أو حتى للجماعات الإسلامية أو حتى للمعتقلين، كان يطرح الهجرة كحل، ودفعني هذا للتساؤل؛ إلى أين؟ إن أفضل مكان يمكن أن يعيش فيه المسلم اليوم عزيزاً هو هناك لدى المجاهدين، الذين وصفهم الكاتب بأنهم يعيشون في الكهوف وفي حماية القبائل والاستخبارات!!
ويقول المرحبون بالوثيقة يكفي أنها خطوة على الطريق، وأنا أتساءل؛ أي طريق؟ وإلى أين يؤدي؟
وهذا يدعوني لأن أحذر كاتب الوثيقة والموقعين معه، أن ينظروا؛ في أي طريق يدفعونهم؟ وإلى أية غاية يسوقونهم؟ لكي يعلنوا ندمهم ويعتبروا لسادات شهيداً وحسني مبارك وولده وولد ولده أسرة حاكمة لمصر؟
ثم هذا يدفعني إلى أن أطرح نفس السؤال على الذين رحبوا بالوثيقة؛ إلى أين؟ سؤال بسيط ولكنه في غاية الإحراج.
ففئة من هؤلاء لا يؤمنون بالإسلام ولا يريدونه، وفئة أخرى تزعم أنها تريد الإسلام بشرط ألا يمس بعلاقاتها الرسمية وغير الرسمية بالمراكز ووسائل الإعلام الرسمية غير الرسمية، وفئة أخرى تريد الإسلام ولكن دون تكاليف تهدد الراتب والمنصب وما أشبه، وفئة مستعدة أن تقدم بعض التكاليف ولكن بعضاً من قادتها لا يمانعون من قيام دولة ثنائية علمانية في فلسطين في الطريق للوصول لدولتين على أرض فلسطين، فإلى أين؟
أليس من حق الأمة أن تسأل؟ وأليس واجباً عليهم أن يجيبوا؟
ثم أليس هؤلاء أولى بالمراجعة من غيرهم؟
ويقولون إنهم يرحبون بها لأنها تدعو لوقف الاقتتال الداخلي، وأسألهم؛ ومتى توقف الاقتتال الداخلي؟ الحكومة تمارس الاقتتال الداخلي ضد شعبها كل يوم، وفي كل مجال.
ثم الوثيقة لا تدعو لوقف الاقتتال الداخلي، الوثيقة ذهبت لأبعد من ذلك بمراحل شاسعة، الوثيقة تدعو لعدم الاعتراض على الظلم، وعدم الانشغال بالهم العام ولا بأمور المسلمين. الوثيقة تحل مشكلة أسير اكتفى بما قدم، أو ندم عليه، ويريد أن ينصرف للنظر في شأنه الخاص، وهذا هو موقف كاتبها من قرابة أربعة عشر عاماً، ولكنها لا تحل مشكلة مجتمع ولا شعب ولا أمة.
وقد أتفهم أن يتخذ أسير مثل هذا القرار في مثل هذه الأحوال، وقد كنت أسيراً مرتين، والحمد لله على كل حال، وأعرف الأسر. ولكن الأمة المسلمة في مصر وغيرها في غنى تام عن هذا القرار في هذه الظروف العاصفة من تاريخها.
ثم لنفترض أن الاقتتال الداخلي قد توقف، ولم يعد هناك ما يعكر صفو الأمن، فهل وصل المرحبون لما يريدون؟ هل انصلحت الأحوال أم تدهورت؟
ثم لماذا تطالبون المعتقلين المقهورين في السجون المصرية وجماعة قاعدة الجهاد بالتوقيع على الوثيقة لكي يقف الاقتتال الداخلي، ولا تطالبون حركة حماس مثلاً؟ ألم تقم حركة حماس ولازالت تقوم بالاقتتال الداخلي، تناقض واضح، أليس كذلك؟
هل يعقل أن يقوم شخص على مذهب كاتب الوثيقة، فيصنف وثيقة للفلسطينيين يدعوهم فيها لترك الجهاد لأنه أدى لسفك دماء المسلمين، وعليهم أن يختاروا خياراً من الخيارات الست؟
فإن قيل هناك فارق كبير بين مصر وفلسطين ففي فلسطين يوجد احتلال يهودي، فالجواب أن الاحتلال اليهودي لا يبرر سفك الدم المسلم. ثم في مصر أيضاً احتلال أمريكي، وقتلى المسلمين الذين قتلتهم الطائرات الأمريكية التي أقلعت من مصر والسفن الأمريكية التي مرت في قناة السويس وتمونت من موانئ مصر، وشحنت بالعتاد من مخازن الأمريكان في مصر، يفوق عدد الفلسطينيين الذين يقتلهم اليهود في غزة. لقد قتل في العراق من الحصار فقط -وليس من الحرب- مليون طفل.
وإن قيل؛ ولكن مصلحة طرد العدو الصهيوني من فلسطين أعظم من مفسدة سقوط قتلى بين الفلسطينيين، فالجواب وكذلك مصلحة قيام الدولة الإسلامية المجاهدة في مصر، التي تسعى لتحرير فلسطين وكل أرض مسلمة، وتقضى على الفساد وتبسط الشورى وتقيم العدل، وتعيد لمصر دورها التاريخي في الدفاع عن الإسلام والمسلمين، لا شك أنها أعظم من مفسدة سفك دماء بعض الأبرياء.
فإن قيل ولكن الجهاد في مصر لم يؤد لقيام الدولة المسلمة ولا لطرد الأمريكان من مصر، فالجواب؛ وكذلك الجهاد في فلسطين منذ ثمانين سنة لم يؤد لطرد المحتل من فلسطين، التي احتلها البريطانيون ثم سلموها لليهود.
فإن قيل؛ ولكن الجهاد في مصر أدى لتوقف السياحة وتضرر الاقتصاد، فالجواب والجهاد في فلسطين أدى لحصار غزة وقطع المؤن والوقود والرواتب عنها.
فإن قيل؛ ولكن الجهاد في مصر أدى لقتل الأطفال، فالجواب وكذلك الجهاد في فلسطين أدى لقتل أطفال يهود، والأطفال مسلمون أو غير مسلمين يحرم تقصدهم بالقتل في الشريعة، بل وصواريخ حزب الله التي أطلقت على شمال فلسطين قتلت عرباً. وصواريخ القسام عشوائية لا يعلم من تقتل مسناً أو طفلاً أو غيرهما.
فإن قيل؛ هل أنت تبرر قتل الأبرياء؟ أم تزعم أن الجهاد لم تشبه أخطاء؟ فالجواب؛ لا هذا ولا ذاك، ولكن يحاسب المخطئ على خطئه، ويعوض المتضرر حسب الشريعة، ويستمر الجهاد، والجهاد كأي عمل يمارسه البشر حدثت وتحدث وستحدث فيه أخطاء، ولكل خطأ تبعته الشرعية، وهذه الشريعة لم تتنزل للملائكة، ولكنها تنزلت للبشر الذين يصيبون ويخطئون.
وفي عصر النبوة حدثت أخطاء من القادة المسلمين ولم يتوقف الجهاد. أخطأ سيدنا خالد بن الوليد رضي الله عنه، فقتل أسرى بني جذيمة المسلمين، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد" ، وأدى الدية لقوم الأسرى، ولم يتوقف الجهاد، وأخطأ سيدنا أسامة بن زيد رضي الله عنهما، فقتل المحارب بعد أن شهد بشهادة الإسلام، وغضب عليه النبي صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً، أخرج البخاري رحمه الله عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما- قال:
"بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة فصبحنا القوم فهزمناهم ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله. فكف الأنصاري عنه فطعنته برمحي حتى قتلته فلما قدمنا بلغ النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله"؟ قلت: كان متعوذا. فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم" . ولم يتوقف الجهاد.
ثم هذه الجيوش بما فيها الجيش المصري مملوءة بالجرائم. أليس لها قانون عسكري وقضاء عسكري؟ يحاكم الجنود بدءاً من التقصير في نوبة الحراسة إلى الخيانة العظمى. وهذه السجون العسكرية ممتلئة، فهل يقبل الموافقون على الوثيقة، أن يخرج مفكر فيصنف وثيقة يطالب فيها بإلغاء الجيش المصري لما ارتكب فيه من جرائم، وعلى المصريين أن يختاروا أحد الخيارات الست؟
والأمة المسلمة المعتدى عليها اليوم لا جيش لها يدافع عنها، والمجاهدون هم جيشها، لا جيش لها سواهم، فهم الذين يدافعون اليوم عنها، أم يرى الموافقون على الوثيقة أن حسني مبارك وعبد الله بن العزيز هما المدافعان عن حقوق الأمة المسلمة؟
ثم إذا كان هناك من يجب أن توقف الاقتتال الداخلي فهي الحكومة، وهي الحملة على الإسلام باسم الإرهاب التي تتسابق فيها حكومة مصر مع غيرها من حكومات المنطقة تنافساً على رضا البيت الأبيض لكي يضمن الرئيس بلا نائب أن ولده المحروس سيرث عرش مصر المحروسة.
إن الذي يحرم الاقتتال الداخلي في هذه الحالة كمن يحرم على العرب امتلاك سلاح ذري في الوقت الذي يمد فيه إسرائيل بمئات القنابل الذرية وغيرها من وسائل التدمير الشامل. إنه نفس المنطق. منطق منع المظلوم من رد الظلم لأنه الطرف الأضعف.
ثم لنتكلم بصراحة، هذه الحملة والضجة الإعلامية موجهة أساساً وبالتركيز ضد جماعة قاعدة الجهاد؛ لأنها في نظر أمريكا الخصم الأخطر على مصالحها وأمنها القومي. ولأن ما تدعو إليه وتحرض الأمة عليه كفيل بأن يزلزل كيان أمريكا. وإلا فإن الاقتتال الداخلي موجود في الصحراء المغربية وفي السودان وفي لبنان وفي اليمن، ومن عقود، ولم يثر كل هذه الضجة.
ونحن في جماعة قاعدة الجهاد لا نهدف للاقتتال الداخلي. نحن نهدف لطرد الغزاة من بلاد المسلمين وإقامة الدولة المسلمة، وخطتنا العملية -حسب ما أدانا إليه اجتهادنا-قد أعلنا عنها مراراً وتكراراً:
(أ) ضرب الأهداف الصليبية والصهيونية.
(ب) السعي الجاد لتغيير هذه الأنظمة الفاسدة وإقامة النظام الإسلامي.
وأكرر السعي الجاد، وليس حضور مؤتمر ولا مظاهرة لمدة ساعة، ولا حضور درس لمدة ساعتين. قد تكون هذه من الوسائل، ولكن السعي الجاد للتغيير أكبر منها بكثير. السعي الجاد للتغيير أكبر من تصور البعض أنه ممكن أن ينصر الأمة المسلمة وهو جالس في مكتبه وسط أوراقه وكتبه، ينقد هذا، ويصوب ذاك، دون أن يخوض غمار المعارك، ويقدم التضحيات من نفسه وماله وولده وفراقه للوطن والوظائف والرواتب وسفاسف الدنيا، السعي الجاد للتغيير يتطلب:
[1] الإخلاص في سبيل تحقيق الهدف، ابتغاء مرضات الله.
[2] ويتطلب المواصلة والمثابرة والمدوامة والإصرار على السعي في الوصول للهدف، وحشد الطاقات وتنظيمها ودراسة الخطوات وانتهاز الفرص....
يقول شاعر الإسلام العظيم العلامة محمد إقبال رحمه الله:
اٹھ کہ خورشيد کا سامانِ سفر تازہ کريں
نفسِ سوختہ شام وسحر تازہ کريں
وترجمته:
إلى الشمس جدد متاع السفر وحر الحشا بالدجى والسحر
[3] ويتطلب الاستعداد للتضحية بأغلى ما يملك الإنسان في سبيل ذلك الهدف، من قتل أو مطاردة أو تشريد أو فقر أو تمضية زهرة العمر في السجن.
حينئذ نكون قد استنفذنا وسعنا ونرجو النصر من الله.
وهذا الأمر لم نوجهه لفئة المجاهدين ولا الملتزمين، بل دعونا كل المسلمين له. لأنه فريضة عليهم جميعاً مثل الصلاة والصيام.
أرجو من المرحبين بالوثيقة أن يجيبوا على أسئلتي، حتى يكونوا أقدر على وضع الوثيقة في موضعها الصحيح.
ثم إني أحذر المهللين لهذه الوثيقة وخاصة من التيارات الإسلامية، أنهم قد قدموا للحكومة السكين التي يمكن أن تذبحهم بها، فترحيبهم بسياسة الحكومة في ابتزاز المعتقلين من تيارات الجهاد لكي يتنازلوا أو يتظاهروا بالتنازل عن مبادئهم عبر اصطياد بعض القيادات بالترغيب والترهيب، يمكن أن يرتد عليهم، فقد أجازوا بتهليلهم وتصفيقهم للحكومة أن تمارس نفس السياسة التي هللوا لها معهم!
ثم إن هذا التهليل والتصفيق لسياسة أمن الدولة قصير النظر جداً لأمرين:
أولهما: ما أشرت له من أن هذه السياسة يمكن أن ترتد إلى المهللين.
وثانيهما: أن المجاهدين -بفضل الله- لا تؤثر فيهم هذه التمثيليات، وكم تراجع من الزعامات والقيادات وأصدروا الفتاوى والبيانات لخنق الروح الجهادية في الأمة المسلمة، وذهب المتراجعون إلى حيث ذهبوا، وبقي الجهاد وانتصر الإسلام. ﴿وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.
ج- أما كيف كتبت هذه الوثيقة؟
(1) فهذه التراجعات لم تكتب في ظروف القهر والسجن والخوف فقط، ولكنها كتبت بإشراف وتوجيه وتدبير وتمويل وإمكانات الحملة الصليبية اليهودية، ولم يبذلوا فيها هذه الأموال والجهود إلا لأنها تصب في مصلحتهم، ولو كانوا لا يحققون بها مصالحهم لما سمحوا لصاحبها أن ينطق أصلاً.
(2) ولذلك فإني أعلن لجميع المسلمين أنه لو –لا قدر الله- أسرت أو غيري من الإخوة، نسأل الله لنا ولجميع المسلمين الأمن والعافية، ثم خالفنا ما كتبناه وقلناه قبل الأسر، فلا تقبلوا منا إلا ما كتبناه وقلناه قبل الأسر لا بعده.
(3) وتزعم الحكومة المصرية أن هذه التراجعات كتبت بإرادة واختيار أصحابها، فأسألهم:
(أ) لو كانت هذه التراجعات حرة وتلقائية فلماذا لم نسمع عنها إلا بعد أن وقع أصحابها في أسر عملاء الصليبيين، بل إن منهم من كان رافضاً لها في الأسر ثم استسلم أخيراً.
(ب) وإذا كانت هذه التراجعات حواراً حراً فلماذا تديره أجهزة الأمن؟ وهي المجرمة الممارسة للقهر والتعذيب والكذب والغش والتزوير. وهل يصلح من هذه مواصفاته ليدير حواراً حراً.
(ج) وإذا كانت هذه التراجعات حرة وتلقائية، فأين أصوات المعارضين لها؟ وهم الأكثرية المكممة الأفواه، والمقهورة، والمعاقبة على ثباتها.
(د) وإذا كانت هذه التراجعات حرة وتلقائية، فلماذا لم نسمع من أصحابها نقداً للنظام الحاكم في مصر؟ وهو أفسد نظام رأته مصر في تاريخها المعاصر، وهو الذي ارتكب من التعذيب والقتل والإجرام -باعتراف الجميع الموافق له والمخالف- ما لم يرتكبه غيره، يكفي أنه النظام الذي أصدر قرابة مائة وثلاثين حكماً بالإعدام، نفذ منها قرابة مائة حكم في عهده، وهو ما لم تعرفه مصر في تاريخها، ناهيك عن القتل غير المسجل.
وهو النظام الذي باع مصر للحملة الصليبية الصهيونية الأمريكية الإسرائيلية، وحول مصرمن قائدة للعالم العربي والإسلامي إلى مؤسسة خدمات تابعة للقوات الأمريكية.
(هـ) ولماذا لا نسمع من أصحابها إلا نقداً للمجاهدين فقط وللقاعدة على الخصوص، مثلما حدث مع متراجعي الجماعة الإسلامية بعد عام ألفين وواحد ميلادي.
(و) ثم لماذا لا يكون مسار هذه التراجعات ووقائعها شفافاً وواضحاً؟ ولماذا تكون أسراراً وطلاسم؟ نفاجأ بعد فترات طويلة من الصمت بمن يطل علينا فجأة، وسط تهليل الإعلام وتصفيقه الحاد المفاجئ، ليعلن التراجع والتنازل والانهزام.
(ز) لماذا لا يطلعون الناس عمن أشرف على تلك التراجعات من أجهزة الأمن وما أسماؤهم وما دورهم؟ ومن شاركهم من المحامين والعلماء الرسميين وغير الرسميين؟ والكتاب والصحافيين والسياسيين؟ وما هي العروض التي قدمت في مقابل التراجعات؟ وما هي الميزات التي حصل عليها المتراجعون؟ وفي المقابل ما هو التنكيل والعقاب والتضييق الذي مورس على الرافضين للتراجع والتنازل؟
(ح) وما هي طبيعة المفاوضات التي دارت بين المتراجعين والحكومة؟ وما هو سياقها وفي أي ظروف تمت؟ وما هي المواضيع التي طرحت فيها؟ وما هي وجهة نظر كل طرف؟
لماذا لا يكون الأمر شفافاً وواضحاً، حتى يمكن إدراك حقيقة أبعاده وإخضاعه للدراسة والفحص المحايدين.
3- ثم بعد أن أشرت إلى من كتب هذه الوثيقة ومن وافقه أو زعم أنه وافقه عليها، وبعد أن أشرت للأسئلة حول الوثيقة، وكيف كتبت، أنتقل لما زعموه من أثر الوثيقة على المجاهدين، ومع احترامي وتقديري لكل إخواني، فأود أن أوضح بعض النقاط:
أ- المجاهدون -بفضل الله- لا يعرفون الحق بالرجال، ولكنهم يعرفون الحق فيعرفون رجاله.
ب- وكاتب هذه الوثيقة قد نفض يده من العمل الجهادي وانتقد أصحابه منذ أربعة عشر عاماً، فكيف كان حال الجهاد فيها؟ هل تراجع أم تصاعد حتى صار أقوى خطر يهدد أمريكا زعيمة الغرب الصليبي؟
ج- ثم أيضاً مع احترامي لجيمع إخواني، أسأل سؤالاً، وأرجو ألا يعتبره أحد إنقاصاً من قدره، لقد كال كاتب الوثيقة أوصافاً ونعوتاً للشيخ أسامة بن لادن حفظه الله، فأيهما -في تحليل الواقع ورصده- أكثر تأثيراً في الشباب المسلم وفي الجماهير المسلمة وفي السياسة الدولية؟
د- والذين يناصرون ويؤيدون الشيخ أسامة أو الملا محمد عمر حفظهما الله، لا يؤيدونهما عصبية وهوى، ولكنهم يؤيدونهما لما رأوه من نصرتهما للحق وبذلهما وتضحياتهما في سبيله، نسأل الله لهما ولجميع المسلمين القبول.
4- ثم أنتقل لطرف آخر مسحوق مقموع مقهور معزول. أنتقل للأغلبية المسحوقة داخل السجون. التي لا يسمع أحد صوتها، ولا يسمح لها بأن تكشف الجرائم الرهيبة التي تتعرض لها، ولا المؤامرات الخسيسة التي تمارس عليها، ليلحقوا بالمتراجعين. هذه الفئة الثابتة الصامدة القابضة على الجمر، فمثلاً نقل موقع (العربية نت) عن مراسله في القاهرة ممدوح الشيخ مايلي:
" وأكد القيادي الاسلامي محفوظ عزام (نائب رئيس حزب العمل المجمد) وهو أيضا محامي الظواهري في مصر، أن 30 من قيادات تنظيم الجهاد بينهم المهندس محمد ربيع الظواهري، شقيق أيمن، رفضوا هذه المراجعات.وقال لـ"العربية.نت" إنهم محبوسون في سجن شديد الحراسة، وقد عوقبوا بسبب هذا الرفض، بمنع الزيارات عنهم تماما، حتى أن المحامين لا يستطيعون زيارتهم، وذلك منذ بدأ نشر المراجعات.
ولم يستبعد عزام أن يكون هناك رد فقهي على المراجعات يتم الإعداد له، متمنيا أن تكون فرصته في الاهتمام الإعلامي مثل فرصة المراجعات. وقال "إن ما يدعو للريبة ليس فقط الملابسات وبعض الأسماء التي يتم "تسويقها"، بل الطبيعة العالمية التي يحاول البعض إضفاءها عليها، متسائلا عن مغزى اعتقال الشيخ عبدالله السماوي - أحد قيادات الجماعة الاسلامية- بعد نشر المراجعات بيومين وعقب إدلائه بحديثين صحفيين" .
فإلى هذه الفئة الصامدة الصابرة أهدي هذا العمل المتواضع راجياً أن يقبلوه مشكورين.
5- وختاماً أكرر التأكيد على تقديري وجميع إخواني لإخواننا الأسرى، وللظروف التي يمرون بها. وأني قد اضطررت اضطراراً للرد على بعضهم، فأرجو أن يسامحني إخواني الأسرى الذين أرد عليهم، فما كنت في يوم من الأيام أود أن أختلف مع إخواني الأعزاء على العلن، ولكنه الحق الذي هو أحب إلينا من الخلق، والذي تركنا من أجله أعز الأهل وأحب الأوطان طمعاً في رضا الله سبحانه، نسأله القبول.
أسأل الله أن ينصر دينه وكتابه وأولياءه الصالحين، وأن يفرج عن أسرى المسلمين في كل مكان فرجاً عاجلاً قريباً، وأن يجمع بيننا وبين جميع المسلمين على ما يحب ويرضى من عز الدنيا وفوز الآخرة، وأن يجمع شملنا ويؤلف بين قلوبنا ويصلح ما بيننا ويغفر لنا ما أسرفنا على أنفسنا.
6- وبعد فقد كتبت هذه الوريقات ابتغاء رضوان الله، فما كان فيها من خير وصواب فهو من توفيق الله وحده، وما كان فيها من غير ذلك فهو من نفسي والشيطان. وقد كتبتها على عجل وكنت أتمنى أن تكون أفضل من ذلك تأصيلاً ومادة وإخراجاً، ولكن هذا ما سمحت به الظروف، فليكمل إخواني نقصها ويصححوا خطأها، ويسامحوا كاتبها.
7- وقد أجزت كل أحد أن ينشرها أو يختصرها أو يقتبس منها ما لم يخل بمقصدها. والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محم وآله وصحبه وسلم.

كتبها احتساباً لأجر الله ورضوانه
أيمن الظواهري
محرم 1429هـ- يناير 2008م












الباب الأول:
تعليقات إجمالية على منهج الوثيقة
يلاحظ القارئ المتمعن للوثيقة عدة ملاحظات على منهجها حرفته عن الحياد والموضوعية، نذكر منها:
1- الملاحظة الأولى: مخالفة عنوان الرسالة لموضوعها.
فعنوانها (ترشيد العمل الجهادي) يدعو للتساؤل العمل الجهادي مع من؟ وضد من؟ فإذا بحثنا في الموضوع وجدنا أن صاحبها –كما سنرى خلال الرسالة وفي آخرها- يقيد فعلياً كل عمل جهادي داخل مصر وخارجها وضد الحكام الخارجين عن الشريعة وضد الأمريكان واليهود، لأننا –كما يزعم- مشلولون عجزة كسيحون مساكين مستضعفون..إلخ. فأي عمل جهادي يريد أن يرشده؟ إذن فكان عليه لكي يكون العنوان صادقاً ومعبراً عن موضوع الكتاب أن يسميه إلغاء أو تعجيز أو إيقاف العمل الجهادي. فالكتاب أُعطي له عنوان مخالف لموضوعه، لكي يخفف من وقع العنوان على السامع. وإلا فالكتاب في الحقيقة مكتوب بروح وزارة الداخلية، ويهدف بوضوح -بلغة الداخلية- إلى عدم (تعكير صفو الأمن).
2- الملاحظة الثانية: الرسالة قفزت مباشرة لما تزعمه من أخطاء في العمل الجهادي، دون أن تشرح الواقع الذي انطلق العمل الجهادي لتغييره.
فقفزت للأخطاء المزعومة للعلاج، دون أن تمر على الأسباب ثم تشخيص الواقع ثم العلاج، وكان يجب على الكاتب أن يتعرض لكل ذلك، ثم بعد ذلك يمكنه أن يتحدث عن الأخطاء المزعومة أثناء العلاج.
ولهذا فإن منهج الرسالة غير متكامل ومبتسر.
ولو ضربنا مثالاً من الطب لذلك لقلنا، لو افترضنا أن كاتباً أراد أن يكتب عن تخصص في الطب كالأمراض الباطنة أو الجراحة، فلا بد له عند التعرض لكل مرض معين مثل الملاريا أو التهاب الزائدة الدودية، أن يذكر أولاً نسب انتشاره في الأمكنة وبين الأعمار المختلفة والذكور والإناث، ثم سبب المرض، ثم يتطرق للتغيرات التي يحدثها المرض على أجهزة الجسم، ثم بعد هذه المقدمة النظرية، يتطرق للجانب العملي أو السريري فيكتب عن التشخيص بعناصره المختلفة ثم العلاج بخطوطه المختلفة من عقاقير وعمليات ووقاية، ثم يجوز له بعد ذلك أن يتحدث عن أخطاء الأطباء في تقديم العلاج أو إجراء الجراحات.
أما أن يقفز مباشرة بعد ذكر العنوان بأسطر –دون التطرق لشيء مما ذكرناه- إلى ما ينسبه -بزعمه- للأطباء من أخطاء، فهذا كاتب لا تقبل كتابته عند أهل الطب.
3- الملاحظة الثالثة: أن الرسالة تركت الأهم وانشغلت -بما تظنه- المهم. فتركت جرائم الصليبيين وعملائهم، وتركت تحريض الأمة على قتالهم والتصدي لهم، وانشغلت بما تزعمه أخطاء المجاهدين.
وهذا أشبه بوباء نزل بمدينة يختطف أرواح أبنائها في سرعة كالعاصفة، فبدلاً من أن يهب العقلاء وأهل الحكمة لتوعية الناس ضد الوباء ودعوتهم للعلاج وحشد الأطباء وجمع الأدوية وتجهيز المشافي وجمع الأموال واتخاذ إجراءات الوقاية. إذا برجل متجاهل للواقع يقوم وسط الناس يحذرهم من أخطاء الأطباء، ويدعوهم للصبر وترك العلاج لأنهم عاجزون عنه. لأن هناك أخطاء يقع فيها الأطباء قليلة أو كثيرة، كبيرة أو صغيرة!
4- الملاحظة الرابعة: أنها لم تتجاهل وصف الواقع وتشخيصه فقط، بل تجاهلت أيضاً علاجه، فلم تقدم بديلاً معقولاً للعلاج، فالخيارات الست التي قدمتها (1- الهجرة. 2- العزلة. 3- العفو. 4- الإعراض. 5- الصبر. 6- كتمان الإيمان) -مع ما فيها من كلام سيأتي بعضُه- لا تقدم حلاً عملياً، فملايين الشباب الملتزمين بالإسلام والمتحرقين لخدمته كيف يمكن أن يهاجروا وإلى أين؟ وكيف يمكن أن يعتزلوا؟ وكيف يمكن أن يكتموا إيمانهم؟ كل هذا في مواجهة أحداث عظام تعصف بالعالم الإسلامي عصفاً، وفي مواجهة موجة من الفساد العارم المركب، ثم يزيد الكاتب من تعقيد الحل فيضيف إليه اليأس من نجاح أي حركة إسلامية أو شعبية في مصر، لأن "الحركات الشعبية ومنها الإسلامية لم تغير النظام في مصر على مدى التاريخ" كما يقول. أي أن الحل الذي يطرحه الكاتب حل عاجز عن تغيير الواقع بل ويعسر تطبيقه، ثم في النهاية يبشر الكاتب الجميع باليأس من نجاح أي حل!
فإذا أضفت لهذا أن الكاتب قد وضع شروطاً للقيام بالجهاد لو طبقناها على أي ميدان من ميادين الجهاد لأجهزت على جهاده، كما سأبين، ثم لم يقترح الكاتب أي صورة من صورة المعارضة والمدافعة ولو سلميةً. إذن إلى أين تقودنا الوثيقة؟ ولصالح من؟
5- الملاحظة الخامسة: أنها ألقت باتهامات على المجاهدين دون دليل ولا برهان، ولم تذكر ما هي مصادرها فيما نسبته للمجاهدين، بل تجاهلت شهادات المجاهدين، وأغلبهم عدول بفضل الله، بشهادة الرسالة نفسها. حيث يقول كاتبها أو كاتبوها: "وهذا كله مع تقديرنا وإقرارنا بأن الإخوة المجاهدين في كل مكان هم في الجملة أصحاب قضية نبيلة وحملة رسالة سامية، وليس صحيحًا أنهم طلاب منافع دنيوية بل أن كثيرًا منهم يضحون بالنفس والنفيس من أجل إعزاز الإسلام والمسلمين".
6- الملاحظة السادسة: أنها لم تلتزم المنهج العلمي ولا الأمانة العلمية في عرض الآراء الفقهية. ففي مسألة الأمان لم تنقل مثلاً قول الشوكاني، وفي التترس نقلت قول الغزالي وتركت قول الجمهور. وقال كاتبها بأنه سيسمي غير المقاتلين مدنيين جرياً على العرف. وطبعاً كانت الطامة في عدم إسقاطه لشرط إذن الوالدين والدائن في الجهاد العيني. والأطم -وهو طابَعُ الوثيقة بشكل عام- هو الحيدة عن التفصيل واعتماد أسلوب الإطلاق والتعميم أو الإيهام بهما.
7- الملاحظة السابعة: الرسالة غير متوازنة. ففي الوقت الذي ترمي المجاهدين بأخطاء دون دليل، تتغاضى تماماً وتتعامى عن الجرائم البشعة التي ارتكبها الصليبيون وعملاؤهم من الحكومات الخارجة عن الشريعة ضد الإسلام والمسلمين.
8- الملاحظة الثامنة: لم تلتزم الوثيقة بالأمانة في السرد التاريخي في سردها لعمليات جماعة الجهاد. وإنما قدمت الرواية الأمنية لما حدث.
9- الملاحظة التاسعة: الرسالة متناقضة. صاحبها يقول أنا لست عالماً ولا مفتياً، ولكنه ملأها بقوله إن هذا جائز وهذا غير جائز وهذا واجب وهذا حرام، وتقرير أحكام شرعية في نوازل عظيمة، قل أن يستقل بها أحدٌ من أهل العلم!
10- الملاحظة العاشرة: الرسالة امتلأت بالمسلمات غير المسلمة، التي انطلق منها الكاتب، ولم يكلف نفسه عبء إثباتها. مثل إن الصدام مع الحكومات أتى بضرر عظيم، ومثل إن حال الجماعات الإسلامية يدور بين العجز والاستضعاف.
11- الملاحظة الحادية عشرة. الرسالة حوت إطلاقات دون تقييدها بقيودها الشرعية المعروفة عند أهل العلم. مثل قاعدة (المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً).
12- الملاحظة الثانية عشرة. كاتب الرسالة تعمد إخفاء مسائل مهمة تتعلق تعلقاً لا ينفك بموضوع الرسالة ذكرها من قبل في كتابيه العمدة والجامع، دون أن يذكر هل غيرها أو لم يغيرها. بل لم يكلف نفسه حتى توضيح الآراء التي في العمدة التي تراجع عنها في الجامع. مع أنه أقر بأن كتابيه قد فهما خطأ، وأنه يكتب رسالته هذه لينفي عنهما الفهم الخطأ، ثم لم يذكر لنا هل لا زال متمسكاً بكل ما قاله فيهما أم تراجع عن بعضها؟
أ- فمثلاً الكاتب في كتاب الجامع يعتبر أن حكام بلاد المسلمين معظمهم مرتدون خارجون عن الشريعة، ويعتبر أن أعوانهم كالشرطة والجيش والأمن والقضاة والصحفيين الرسميين والعلماء الرسميين كفار على التعيين، بل يعتبر أن من لم يكفرهم فرداً فرداً كافر، لأنه خالف إجماع الصحابة القطعي في زعمه. فكفر حتى إخوانه المجاهدين المقاتلين لتلك الحكومات، إذ لم يلتزموا برأيه فيها.
قال صاحب كتاب (الجامع):
"والخلاصة: أن الحكم بكفر أنصار الطواغيت الممتنعين على التعيين قد ثبت بإجماع الصحابة إجماعا قطعيا ليس فيه منازع، ومثل هذا الإجماع يكفر مخالفُهُ، فمن خالف في هذا الحكم فقد كَفَر واتبع غير سبيل المؤمنين وفارق جماعتهم" .
فهل لا زال الكاتب على هذا الرأي؟
وهذا القول قد رد عليه بقوة فضيلة الشيخ أبي يحيى الليبي حفظه الله، في كتابه الأصولي القيم (نظرات في الإجماع القطعي).
ب- ومثلاً يعتبر الكاتب أن كل من دخل البرلمان أو أدلى بصوته في الانتخابات كافر، ولا يشفع له حسن نيته في أنه أراد بذلك نصرة الإسلام، فهل لا زال على هذا الرأي؟
ج- ومثلاً يعتبر الكاتب في كتابه (الجامع) أن كل من حمل السلاح ضد الحكومات المرتدة قبل نشر الدعوة لا بر عنده ولا تقوى. حيث يقول:
"فهذه بعض صور التعجل، الذي هو سبب الحرمان، وقال عمر بن الخطاب (إن الحرب لايُصلحها إلا الرجل المكيث) أي المتأني. وقال تعالى (وليس البرُّ بأن تأتوا البيوت من ظهورها، ولكن البر من اتقى، وأتوا البيوت من أبوابها) البقرة 189، فكل شيء -ومنه التغيير الإسلامي- له بابه الذي يجب أن يُؤتى منه، أما تسلّق الأسوار -بانتهاج الديمقراطية أو بالاجتماع على غير منهج أو بالتعجل في التأليف أو بتعجل الصدام- فليس من البر وليس من التقوى ولايثمر إلا الحرمان والندم" .
فحكم على كل من قتلته الحكومات المحاربة للإسلام وكل من اعتقلته وعذبته من المجاهدين في مصر وفي غيرها في وقت كتابة كتابه ذاك، بأنه لا بر عنده ولا تقوى.
وللأسف فإن كثيراً ممن وصفهم الكاتب بأنهم لا بر عندهم ولا تقوى كانوا يعملون تحت إمرته وبأوامره، فهل ينسحب هذا الحكم عليه أيضاً؟
وهل لا زال الكاتب على هذا الرأي؟
د- ومثلاً يعتبر الكاتب أن الجماعة الإسلامية المصرية من غلاة المرجئة. فهل لا زال الكاتب على هذا الرأي؟
13- الملاحظة الثالثة عشرة. الكاتب تعمد إخفاء بعض الأحكام الشرعية والسكوت عنها، فعندما زعم عجز المسلمين والجماعات عن الجهاد. لم يذكر من البدائل التي يطرحها؛ الإعداد للجهاد، رغم إنه قد بينه في كتابه (العمدة)، وكذلك لم يذكر الصدع بالحق في وجه الظالم. مع أنها من واجبات الأنبياء وأتباعهم.
14- الملاحظة الرابعة عشرة. أن كاتب الرسالة يستخدم أسلوب التحذير المتكرر دون أن ينصف المجاهدين، فيتوهم القارئ أن هذه الأخطاء أكيدة فيهم. فيحذر ممن يفتي في الدماء وهو لا يفقه مسألة في الطهارة، وممن يرتكب حماقة ثم يبحث لها عن تبرير، وممن يأخذ العلم من كتب السلف وهو غير مؤهل. ثم يسكت عن النشاط العلمي للمجاهدين. فيتصور السامع أنهم مجموعة من الجهلة الحمقى المبررين.
وهذا مثال من ينصح غيره، فيقول له: لا تسرق، ولاتزن، ولا تكذب، ولا تخُن، فيقول له: أنا لا أسرق، ولا أزني، ولا أكذب، ولستُ بخائنٍ . فيرد عليه: أنا أحذرك فلماذا تغضب؟ فربما يظن السامع أن المنصوح قد تلبس بسرقة أو زني أو أو كذب أو خيانة. وهذا أمر تكرر من الكاتب مرات عديدة.
15- الملاحظة الخامسة عشرة: أن الكاتب نزل في أسلوب كتابته إلى مستوى السب والشتم والتجريح الشخصي بالزور والافتراء. فمثلاً يتكلم عن الذين فروا عن نسائهم وعيالهم، وعن الجهلة الأغبياء، وعن الذين أرسلوا أبناءهم لملاذ آمن وتركوا غيرهم للسجن والقتل، وعن العملاء والمرتزقة. وهذا مستوىً لا نستطيع أن نجاريه فيه.
هذا مستوىً يُعرف عن ضباط المباحث، ولا يُعرف عن العلماء المحققين، ناهيك أن يعرف عمن يزعمون أنهم يسعون في الترشيد. فما بالك إذا كان المراد ترشيدهم هم المجاهدين؟ الذين أثنى عليهم الكاتبون للوثيقة المذكورة. فهل انتقل له هذا الأسلوب من العلاقة التي نشأت بين الكاتب وأولئك الضباط، والذي كان هذا الكتاب هو أحد ثمراتها؟ فلا شك أنهم أسعد الناس بهذا الكتاب، ولا شك أن كتابة هذا الكتاب ونشره وتوزيعه وإكراه الناس على قبوله بالترغيب والترهيب، ثم الدوران بصاحبه على السجون ليروج له، والإفساح له في كل ما يتصل بهذه الخدمة. فلا شك أن كل ذلك قد أوجد نوعاً من العلاقة الودية بين الطرفين. وقد قيل:
واحذر مصاحبة اللئيم فإنه يعدي كما يعدي الصحيحَ الأجربُ
16- الملاحظة السادسة عشرة: يلاحظ من هذا الكتاب ومن كتاب (الجامع) من قبله أن الكاتب يعاني من تناقض شديد. وإن كان ذلك التناقض قد بدأ في كتاب الجامع، لكنه بلغ ذروته في هذه الوثيقة، فتجد الكاتب شديد الوطأة على المجاهدين بينما تجده متسامحاً جداً مع المجرمين يدعو للتعامل معهم بالحسنى والصبر والعفو والتقية. وتجد الكاتب يحمل المجاهدين كل الأوزار ويعتبرهم سبب المصائب، بينما لا ينطق بكلمة عن أكابر المجرمين الذين يحيطون به.
ومن الأمثلة الصارخة على ذلك موقفه من شهيد الإسلام -كما نحسبه- الشيخ عبد الله عزام رحمه الله، فالكاتب في كتابه (الجامع) يعتبر أن الكثير من علماء الجماعات الإسلامية أولى بالجهاد من حكامهم، وذلك لأنهم لا يقبلون بحكم الشرع إذا خرج عليهم وليس لهم،
ولم يذكر طبعاً أن هذا العالم هو شهيد الإسلام الشيخ عبد الله عزام رحمه الله. ثم كرر الكاتب نفس الرأي تقريباً في هذه الوثيقة، وأضاف في وصف أولئك العلماء بعض الآيات التي ذكرت صفات اليهود!! وسأشير لهذا الأمر تفصيلاً في موضعه إن شاء الله.
17- الملاحطة السابعة عشرة: وهي انفصال الكاتب عن الواقع، عندما يتكلم الكاتب عن المعاملة بالمثل مع الغرب. قال: "واليوم يوجد في بلاد الكفار الأصليين ملايين المسلمين يقيمون ويعملون بأمان". هل تناسى الكاتب ما يفعله الغرب بنا من قرون؟ من القوقاز حتى سبتة ومليلية. إن المرء ليتعجب من هذا التغافل عن الواقع. أهو عزلة عن الواقع؟ أم مكابرة في إثبات صحة الرأي؟ أم الأدهى؟ محاولة إرضاء آسريه بأية حجة، حتى ولو بدت متهافتة.
وبهذا كتبت الوثيقة بمنهج مبتسر غير متوازن غير متكامل يحاول أن يوهم السامع بإدانة المجاهدين دون أن تكلف الوثيقة نفسها عبء تقديم دليل الإدانة، بل وانحدر كاتبها لأسلوب لا يليق بالبحث العلمي.








الباب الثاني
مناقشة موضوعات الوثيقة








الفصل الأول
مناقشة ما ورد في الحلقة الأولى من تنبيهات
يقول كاتب الرسالة في التنبيهات:
" 2) فأنا لست عالمًا ولا مفتياً، وكل ما في كتبي هو نقل للعلم إلى الناس، وليس من باب الفتوى، والفرق بينهما أن العلم يُكتب لكل الناس في كل زمان ومكان كما كتب أسلافنا العظام رحمهم الله ومازلنا نتتلمذ على كتبهم، أما الفتوى فهي اختيار ما يناسب من هذا العلم العام لواقع معين، أي لأناس معينين في مكان معين وزمان معين، فالفتوى هي معرفة الواجب في الواقع.
وما يظهر في كتبي أنه من باب الفتوى فهو من آرائي الخاصة التي لا ألزم بها أحدًا، وهي ما رأيته الحق إلى وقت كتابتها".
أقول:
أ- فهذا الكلام فيه عدة تناقضات:
أولها أنه يقول إن كلامي عام وليس متعلقاً بواقع ولا زمان معين، ثم يقول إن ما يظهر في كتبي أنه من باب الفتوى فهو من آرائي الخاصة. إذن له آراء خاصة تتعلق بوقائع معينة وأزمنة معينة، لا كما ذكر في صدر كلامه من أن كلامه عام.
ثانيها: أنه يقول عن آرائه التي تشبه الفتوى أنه لا يلزم بها أحداً، وكذلك الفتوى لا يلزم بها المفتي المستفتي، ولهذا كان الفرق بين القضاء والإفتاء هو في إلزام الأول وعدم إلزام الثاني.
ثالثها: أنه يقول إنه ينشر كلامه العام من باب نشر العلم لا الفتوى، فإذا سلمنا له بذلك في الكلام العام الذي لا يتعلق بزمان ولا واقع معين، فما الفائدة من نشر آرائه التي تشبه الفتوى في الأزمنة والوقائع المعينة؟ الفائدة حاصلة للأمريكان والمباحث بالتأكيد من أجل عدم (تعكير صفو الأمن).
ب- ثم إذا طبقنا هذا الكلام على الكتاب لوجدناه مخالفاً لما قرره الكاتب من أنه يكتب كلاماً عاماً لا يراد تنزيله على واقع. فما من فصل في الكتاب، إلا وفيه يحرم كذا ويجوز كذا ويجب كذا، في مسائل من واقعنا وما نمارسه أو يظننا نمارسه.
ج- ثم إن كلام الكاتب أنه لا يلزم بكلامه أحداً غير صحيح بالمرة، فأجهزة الأمن تفرض كلامه على المعتقلين بالرغبة والرهبة. فمن أجابهم وأظهر الموافقة على ما في الوثيقة المذكورة، فرجوا عنه ويسروا وسمحوا له بالتسهيلات والزيارات، ومن لم يقبلها ضيقوا عليه وأساءوا له بوسائل التضييق والإساءة المختلفة.
فإن قال كاتب الوثيقة إني لم آمر بذلك ولم أدع له، بل أجهزة الأمن هي التي تفعل ذلك، فالرد عليه بأنك كنت تعلم مسبقاً بعواقب ذلك، ثم إن التواطؤ بينك وبين أجهزة الأمن ظاهر واضح فمن ناحيتك كلت السباب والشتائم والافتراء لإخوانك المجاهدين، بينما لم تذكر المجرمين الحقيقيين بما فيهم أجهزة الأمن بكلمة واحدة، ومن ناحيتهم وزعوا ونشروا وهللوا وأجبروا المعتقلين على قبول وثيقتك، ونكلوا بمن رفضها.

الفصل الثاني
مناقشة ما ورد في الحلقة الأولى عن دوافع الوثيقة
1- تعرض الكاتب أو الكاتبون عند كلامهم عن دوافع الوثيقة إلى ما حل بالعالم الإسلامي بعد سقوط الخلافة، فذكروه باختصار مخل جداً من استيلاء الكفار على بلاد المسلمين ثم إنشاء إسرائيل وانحطاط الأخلاق وعدم تحكيم الشريعة، ثم فجأة قفزوا للصدامات التي حدثت، وحدثت -لأسف الكاتبين- في تلك الصدامات أخطاء لابد من تصحيحها.
وهو ما أشرنا إليه في الملاحظتين الثانية والثالثة على منهج الوثيقة.
ونحن هنا لا يمكن أن نمر على هذا التناول مرور الكرام. لأن الكاتب أو الكاتبين لو كانوا حقاً مرشدين للمجاهدين، فلا بد أن نناقش معهم واقع العالم الإسلامي بتفصيل، حتى نصل لنتيجة؛ أهو واقع واجب التغيير أم لا؟ وهل التغيير لا بد أن يتم بالجهاد أم بطرق أخرى؟ وبالتالي نصل لترشيد حقيقي للعمل الجهادي، وليس فقط ما ذكره الكاتب أو الكاتبون من رمي المجاهدين بالنقائص، والسكوت عن الجرائم العظمى التاريخية التي يمارسها الصليبيون وعملاؤهم ضد المسلمين.
ولذلك فإن لدي أسئلة في غاية الأهمية أطرحها على الكاتب، وأرى أن لزاماً عليه أن يجيب عنها إن كان يريد أن يرشد العمل الجهادي. فإن لم يجب الكاتب أو الكاتبون على تلك الأسئلة، فهم إما عاجزون بسبب الخوف والإكراه عن الإجابة، فكان أولى بهم ألا يتعرضوا للمجاهدين إذا كانوا غير قادرين على الحديث عن جرائم أكابر المجرمين، وإما أنهم يكتمون الحقائق، فأولئك نسأل الله أن يهديهم، وندعو الأمة للحذر منهم.
وأشرع في طرح الأسئلة فأقول:
(1) ما هو رأي كاتب الوثيقة في الأنظمة العلمانية التي تحكم العالم الإسلامي عموماً ومصر خصوصاً؟ أهي أنظمة مسلمة شرعية؟ أم هي أنظمة مرتدة خارجة عن الإسلام؟
(2) وهل هي أنظمة مدافعة عن أراضي المسلمين وثرواتهم وحرماتهم؟ أم هي أنظمة موالية للأمريكان واليهود، تسلم أراضي المسلمين لأعدائهم في سبيل البقاء في الحكم والمحافظة على الرياسة والكرسيّ، وتعترف بشرعية استيلاء اليهود على فلسطين والهند على كشمير وروسيا على الشيشان وأسبانيا على سبتة ومليلة؟
(3) وهل حكام هذه الأنظمة من أولياء الله الصالحين، الذين يتعففون عن أموال المسلمين، ويحافظون على كرامتهم وحرماتهم، ويحكمون بالشرع، ويبسطون العدل، وينشرون الشورى، ويزهدون في السلطة فلا يوروثونها لأبنائهم؟ أم هم خونة فاسدون مفسدون ظلمة، يستأثرون بالحكم بالقوة والتزوير والكذب، ويورثونه لأبنائهم بنفس الوسائل القذرة؟
(4) وهل هم يحافظون على حقوق المسلمين وكرامتهم؟ أم هم يسلطون عليهم جلادي التعذيب وأجهزة القهر؟ يعذبونهم ويذلونهم ويقهرونهم ويكممون أفواههم؟ خدمة لمصالحهم المتوافقة والمتبادلة المتقايضة مع مصالح الحملة الصهيونية الصليبية؟
(5) وأزيد في التحديد، فأسألكم عن حسني مبارك وابنه تحديداً، أهما من أولياء الله الصالحين الساهرين على مصالح أمتهم والمضحين في سبيلها بالنفس والنفيس والجهد والمال والصحة؟ أم هما من أفسد من مر على تاريخ مصر من الحكام؟ خارجان عن الشريعة سارقان لأموال المسلمين، مستسلمان لأمريكا وإسرائيل، منكلان بالشعب المسكين بالتعذيب والقهر والسجن؟
وهل هما مسلمان أو كافران مرتدان؟
(6) وما هو رأيكم في توريث حسني مبارك الحكم لولده؟ وهل هذا يخدم مصلحة مصر؟ أم مصلحة المشروع الصليبي الصهيوني المعتدي على الأمة المسلمة؟ ومصلحة الطبقة الفاسدة المحيطة بالحكم والمنتفعة منه؟ أرجو الإجابة تحديداً.
(7) وما هو رأيكم في السفارة الإسرائيلية والعاملين فيها أمستأمنون هم؟
(8) وما رأيكم في السفارة الأمريكية، وفي مكتب الإف بي آي والسي آي إيه في مصر؟ وهي بالمناسبة من الجهات التي تشرف على تراجعاتكم. وهل تمثل السفارة الأمريكية دولة معادية للإسلام والمسلمين في عقيدتهم وأرضهم وثرواتهم ونظمهم؟ أم هي نقيض ذلك؟
وهل الملحق العسكري في السفارة الإسرائيلية أو العميل في مكتب الإف بي آي في القاهرة يعد مستأمناً؟
(9) وما هو رأيكم في القوات الأمريكية الموجودة في راس بناس ومطار غرب القاهرة وغيرها، وما رأيكم في التسهيلات التموينية والتذخيرية والتخزينية التي تتمتع بها القوات الأمريكية في مصر بل وفي معظم بلاد المسلمين؟
(10) وما رأيكم في سماح الحكومة المصرية للقوات الأمريكية الجوية والبحرية بالانطلاق من مصر والمرور عبر أجوائها ومياهها والتمون في مطارتها وموانيها لضرب المسلمين في العراق وأفغانستان؟
(11) وهل إذا قام شاب مسلم بالهجوم على أي من الأهداف المذكورة أعلاه يكون مجرماً أم مجاهداً؟
(12) وبالمناسبة ما هو قولكم في معاهدة السلام مع إسرائيل؟ وما هو قولكم في مثيلاتها كاتفاقية أوسلو مثلاً ووادي عربة وغيرها؟ وما حكم الشرع في تلك المعاهدات؟ وبالمناسبة ما هو قولكم في مؤتمر أنابولس؟ هل تستطيعون أن تبدوا رأيكم فيه؟ أم أن هذا خارج نطاق ترشيد العمل الجهادي؟
(13) وما حكم الشرع فيمن وقع عليها؟ أهم حكام شرعيون تجب طاعتهم، ويلزمنا الالتزام بما اتفقوا عليه مع إسرائيل؟ أم هم حكام خارجون عن الشريعة خونة لدينهم وأمتهم، لا يلزمنا ما اتفقوا عليه مع إسرائيل، بل يجب علينا مقاومته وفضحه وكشفه؟
(14) وما هو قولكم في الحكومات التي تبادلت السفراء مع إسرائيل، وطبقت معها سياسة التطبيع؟
(15) وما هو قولكم في تجارة الفاحشة الإسرائيلية باسم السياحة في مصر وفي سيناء بالذات؟
ويتفرع عن ذلك أسئلة مثل:
(16) ما حكم الشرع في دولة إسرائيل؟ أهي دولة شرعية يجب علينا احترام سيادتها وعدم المساس بسلامة أراضيها؟ أم هي دولة غير شرعية، يجب على كل مسلم السعي في إزالتها، وإقامة الدولة الإسلامية مكانها؟
(17) وما حكم الشرع فيمن يعترف بشرعية دولة إسرائيل مثل السادات وحسني مبارك؟
(18) وما حكم الشرع في المبادرة العربية التي اتفق عليها الحكام العرب؟
(19) وما حكم الشرع في الحكام أمثال حسني مبارك، الذين يمنعون المسلمين من جهاد إسرائيل، بل وينعون المسلمين في مصر من مساعدة إخوانهم المجاهدين في فلسطين؟
وهل المسلم مأمورٌ شرعاً بطاعة حاكم كافر مرتدٍ أو على الأقل فاسق فاجر ظالمٌ معطل للجهاد موالٍ للأعداء -إن قلتَ إن موالاته ليست مكفرة، هل المسلم مأمورٌ شرعا بطاعته في نهيه ومنعه عن مقاتلة دولة إسرائيل...؟!
وبالمناسبة ما رأيكم في الموالاة والمعاداة أهي من أركان الدين؟ وهل حسني مبارك تجب موالاته؟ أم التبرؤ منه ومعاداته؟
(20) ثم ما هو حكم الشرع في القرارات الدولية التي أنشأت إسرائيل، واعترفت بوجودها كقرار التقسيم لسنة 1947، وقرار 242؟
(21) ثم ما هو حكم الشرع في الأمم المتحدة التي أنشأت إسرائيل بقرارتها؟ والتي ينص ميثاقها على احترام سيادة وسلامة أراضي كل الدول الأعضاء فيها بما فيها إسرائيل؟
وهل يقال في هذا ومثله : "المعروفُ عرفاً كالمشروط شرطاً"؟!
(22) وما حكم من يقر بهذا الميثاق؟ هل تنطبق عليه الآية التي ذكرتموها في بداية وثيقتكم، وهي قول الحق تبارك وتعالى﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾.
(23) بل ما هو قولكم في العمليات الاستشهادية التي تحدث في فلسطين، وتستهدف الإسرائيليين عموماً بنسائهم وأطفالهم وعجزتهم وشيوخهم، بل ومن يختلط بهم من الفلسطينيين؟
(24) وما قولكم في الصواريخ التي أطلقها حزب الله على إسرائيل، وسقط من جرائها ضحايا من الفلسطينيين. وكانت تلقى على المدن الإسرائيلية، بما فيها من أطفال ونساء وعجزة وشيوخ ومسنين؟
(25) بل ما قولكم في صواريخ القسام وأمثالها وقذائف الهاون التي يطلقها المجاهدون في فلسطين على المستوطنات اليهودية، وفيها النساء والأطفال والمسنون والمرضى؟
(26) بل ما قولكم في جهاد الدفع القائم حالياً في الشيشان والعراق وكشمير وأفغانستان وفلسطين والصومال؟ وهل يجب على المسلمين النفير إليهم وإعانتهم بالنفس والمال والرأي وكل ما يستطيعون؟
وما قولكم في الحكومات التي تحارب من ينفر أو يعين المسلمين في تلك البلاد وعلى رأسها الحكومة المصرية؟ أفيدونا برأيكم في تلك الحكومات وفي الحكومة المصرية تحديداً؟
ويقودني هذا لمجموعة أخرى من الأسئلة حول الأجهزة الأمنية التي تحمي الأنظمة الفاسدة بالحديد والنار والقهر، واستشرى فسادها حتى للناس العاديين. فانتهكت الأعراض وأتلفت الأعضاء وأزهقت الأنفس للآلاف.
(27) ما قولكم فيهم وما حكمهم؟ أهم أعوان الطواغيت المرتدون، الذين يقهرون المسلمين، ويدافعون عن حكم علماني فاسد مستسلم للصليبيين واليهود؟ أم هم المحافظون على حدود الشرع وحماة الإسلام وحرمات المسلمين؟
(28) هل لو وقع على مسلم منهم جريمة كأن انتهكوا عرضه أو عرض أحد أقاربه أو قريباته، أو قتلوا أحداً من أسرته، أو أتلفوا له عضواً، ثم ظفر بواحد منهم، هل يجوز له أن يقتص منه؟ أم يلجأ للقضاء العلماني الفاسد الخادم للحكومة؟
(29) وما قولكم فيمن قتلهم النظام؟ ما قولكم في شهداء المسلمين -كما نحسبهم ولا نزكيهم على الله- في عهد حسني مبارك بدءاً من محمد عبد السلام فرج وخالد الإسلامبولي إلى أحمد النجار وعادل السوداني رحمة الله عليهم أجمعين؟ الذين يزيد عددهم على مئة شهيد. قتلوا بأمرحسني مبارك المباشر وبتوقيعه.
(30) وهل قتلوا ظلماً وعدواناً ومحاربة للإسلام ودفاعاً عن مصالح أمريكا وإسرائيل؟ أم قتلوا حقاً وعدلاً وقصاصاً؟
(31) ومن المذنب شرعاً في قتلهم؟ وهل يحق لأولياء المقتولين أن يطالبوا بالقصاص ممن قتلهم، وممن أمر بقتلهم أي من حسني مبارك؟ وهل يحق لأولياء المقتولين أن يستوفوا الحق بأيديهم من حسني مبارك وأعوانه قتلة المسلمين؟
(32) وما قولكم في المحاكم العسكرية التي أمرت بقتلهم؟ أهي محاكم شرعية تحكم بما أنزل الله؟ أم هي محاكم طاغوتية مرتدة محاربة للإسلام تحمي نظاماً فاسداً مرتداً عميلاً لأمريكا وإسرائيل؟
(33) وما حكم قضاة تلك المحاكم في الشريعة؟ وهل يحق للمسلمين إنزال العقوبة الشرعية بهم؟
(34) وما قولكم في زملائكم في السجن الذين ينتظرون حكم الإعدام؟ ما قولكم في أحكام الإعدام الصادرة في حقهم؟ أظلم هي أم عدل؟ وما قولكم في التضييق على من رفض منهم تراجعاتكم، ومنع أهله من زيارته وعزله؟ هل توافقون على ما يقع عليه؟
(35) وما حكم الضباط والجنود الذين يعتدون عليه وعلى إخوانه الذين يرفضون تراجعاتكم؟ أهم أولياء أمر شرعيون؟ أم مجرمون معادون للإسلام والمسلمين، تجب مقاومتهم وجهادهم باليد واللسان والقلب؟
أجيبونا عن هذه الأسئلة قبل أن نتطرق للحديث عن واجب المسلمين تجاه ما يجري. وإن كنتم لا تستطيعون أن تجيبونا على هذه الأسئلة، فأولى بكم ألا تتكلموا في شؤون المسلمين العامة أصلاً، فضلا عن الكلام في أمور الجهاد والقتال خاصةً.
2- ويقول الكاتب أو الكاتبون في كلامهم عن (دوافع الوثيقة):
"وانتشرت الصدامات في مختلف البلدان من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، وقد خالطت هذه الصدامات كثير من المخالفات الشرعية مثل القتل على الجنسية والقتل بسبب لون البشرة أو الشعر والقتل على المذهب، وقتل من لا يجوز قتله من المسلمين ومن غير المسلمين، والإسراف في الاحتجاج بمسألة التترس لتوسيع دائرة القتل، واستحلال أموال المعصومين وتخريب الممتلكات".
أقول سمعنا من علماء السلطان كثيراً اتهامهم للمجاهدين بقتل الأبرياء وتكفيرهم وتخريب الأموال...إلخ. أما القتل على لون البشرة ولون الشعر. فلم يسبقكم إليها أحد.
وهذا مثال لما أشرت له في الملاحظة الخامسة من الملاحظات على منهج الوثيقة؛ من إطلاق التهم بلا دليل.
ولذلك فإني أطالب الكاتب أو الكاتبين بذكر وقائع محددة بتواريخ محددة، حتى يمكن التعامل معها ومناقشتها. أما إطلاق التهم بلا دليل فهو من منهج المباحث وأجهزة الأمن، وليس من منهج من يريد ترشيد العمل الجهادي.























الفصل الثالث:
مناقشة ما ورد في الحلقة الثانية عن الأهلية وولاية الأسير

1- تكلم كاتب الوثيقة في الحلقة الثانية عن الاحتياط في تنزيل ما في كتب العلم على الواقع. فقال:
"وقد كتب علماء السلف كتبهم لزمان غير زماننا، كان للمسلمين فيه دار إسلام وخلافة وخليفة وتميز بين الصفوف وبين الناس بعضهم بعضا، المسلمون في دار الإسلام والكفار في دار الحرب، وفي دار الإسلام يتميز الذمي عن المسلم في المظهر، كل هذا لا وجود له الآن واختلط الناس، وهذا من الواقع المتغير المختلف الذي يوجب الاحتياط عند الاطلاع على كتب السلف وعند الحكم على الناس".
أقول: هذا الكلام فيه تلبيس من وجوه منها:
أ- أن السلف -رحمهم الله- كتبوا وألفوا في الأحوال المختلفة، ومنها الأحوال التي يختفي فيها الإمام ودولة الإسلام، وهي أحوال قد لا يكون بعضها في زمانهم مثل:
(1) حكم الحاكم المرتد، وموقف الأمة منه:
روى الإمامان البخاري ومسلم –رحمهما الله- في صحيحيهما عن جنادة بن أبي أمية قال: "دخلنا على عبادة بن الصامت وهو مريض. قلنا: أصلحك الله. حدث بحديث ينفعك الله به، سمعته من النبي r قال: دعانا النبي r فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان" .
قال ابن حجر العسقلاني -رحمه الله- في شرح هذا الحديث:
"ونقل ابن التين عن الداودي قال: الذي عليه العلماء في أمراء الجور أنه إن قدر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وجب، والا فالواجب الصبر، وعن بعضهم لا يجوز عقد الولاية لفاسق ابتداءً، فان أحدث جوراً بعد أن كان عدلاً فاختلفوا في جواز الخروج عليه، والصحيح المنع إلا أن يكفر فيجب الخروج عليه" .
وقال أيضاً رحمه الله:
"وقد تقدم البحث في هذا الكلام على حديث عبادة في الأمر بالسمع والطاعة إلا أن تروا كفراً بواحاً بما يغني عن إعادته وهو في كتاب الفتن، وملخصه أنه ينعزل بالكفر إجماعاً، فيجب على كل مسلم القيام في ذلك، فمن قوي على ذلك فله الثواب، ومن داهن فعليه الإثم، ومن عجز وجبت عليه الهجرة من تلك الأرض" .
وقال النووي رحمه الله:
"قال القاضي: فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية، وسقطت طاعته، ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل، إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر، ولا يجب في المبتدع، إلا إذا ظنوا القدرة عليه، فإن تحققوا العجز لم يجب القيام، وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها ويفر بدينه" .
وقال ابن حجر العسقلاني في شرحه لحديث النبي r: (من فارق الجماعة شبراً فكأنما خلع ربقة الإسلام من عنقه):
"وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه، لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء. وحجتهم هذا الخبر وغيره مما يساعده، ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح، فلا تجوز طاعته في ذلك، بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها" .
(2) ومثل الكلام على اختفاء الخلافة والدولة المسلمة، بل حتى الإمارات المسلمة، ومن الكتب التي تناولت ذلك كتاب (الغياثي) للإمام الجويني رحمه الله.
(3) كما أنه قد مرت بالمسلمين أحوال شديدة اختفت فيها الخلافة لسنين. ومن ذلك ما حدث للمسلمين بعد سقوط بغداد في يد التتار عام 656هـ، ولم تعد الخلافة إلا في مصر عام 659هـ، وقد أفتى العلماء في تلك الفترة بوجوب جهاد العدو المعتدي على ديار المسلمين، وشاركوا في حشد الأمة للجهاد، وشاركوا فيه، بل وشاركوا في بيعة الخليفة العباسي وإعادة الخلافة العباسية عام 659هـ.
فلم تكن كل فترات التاريخ الإسلامي ذات خلافة مستقرة، ودار الكفر بائنة عن دار الإسلام. ففي الفترة المشار إليها اختلط التتار بالمسلمين اختلاطاً شديداً. واختلط أمرهم على الناس أمسلمون هم أم كفار؟ وصنف العلماء ومنهم ابن تيمية -رحمه الله- في ذلك، ومن أراد التفصيل فليراجعها في مصادرها من كتب التاريخ والفقه.
(4) وكذلك لعلماء المالكية المتأخرين في المغرب الإسلامي مباحث مطولة عن أحوال المسلمين بعد سقوط الأندلس واحتلال أجزاء من المغرب الإسلامي. وما صاحب ذلك من فتن واضطراب. ومن أمثلة تلك المباحث؛ الفتوى المسماة (بأسنى المتاجر في بيان أحكام
من غلب على وطنه النصارى ولم يهاجر، وما يترتب عليه من العقوبات والزواجر) من كتاب (المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوي علماء إفريقية والأندلس والمغرب) للإمام أحمد بن يحيى الونشريسي رحمه الله، وكذلك كتاب (أجوبة التسولي على مسائل عبد القادر الجزائري). وفي ذلك الكتاب منع الإمام التسولي الصلح مع العدو الفرنسي الكافر، حيث قال في أجوبة أسئلة الأمير عبد القادر الجزائري بعد أن تكلم عن جواز الصلح إذا كان العدو مطلوباً في أرضه: "وأما إن كان العدو طالباً -كما في تلك الناحية وغيرها من الأقطار- فقال في (المعيار) :"لا يجوز الصلح والهدنة بحال، وإن وقع وجب نقضه، لأن العدو حيث نزل أو قارب النزول فالجهاد متعين، وترك المتعين ممتنع، فالصلح المذكور ممتنع، لأنه تعود على العدو أهلكه الله مصلحته وعلى المسلمين مفسدته" .
فهذه أحوال مضطربة وغير مستقرة، وقد انتزع فيها العدو الكافر دياراً من ديار المسلمين، فبحثها العلماء، وأفتوا فيها، ولم تكن الأحوال كما ذكر كاتب الوثيقة دائماً مستقرة، والخلافة قائمة، والمسلمون في دار، والكفار في دار.
ب- كما أنهم -رحمهم الله- كتبوا أيضاً لأحوال تتشابه مع أحوالنا مثل:
كلامهم عن إبطال الصلح الذي يوقعه ولي الأمر المسلم إذا جلب ضرراً على المسلمين.
يقول ابن قدامة عن هذا:
"فصل: والشروط في عقد الهدنة نتقسم إلى قسمين:
صحيح......................
الثاني: شرط فاسد. مثل أن يشترط رد النساء أو مهورهن، أو رد سلاحهم، أو إعطائهم شيئاً من سلاحنا أو من آلات الحرب، أو يشترط لهم مالاً في موضع لا يجوز بذله، أو يشترط نقضها متى شاء، أو كان لكل طائفة منهم نقضها، أو يشترط رد الصبيان أو رد الرجال مع عدم الحاجة إليه. فهذه كلها شروط فاسدة لا يجب الوفاء بها، وهل يفسد العقد بها؟ على وجهين" .
وقال الرملي رحمه الله: "(وكذا شرط فاسد) اقترن بالعقد فيفسده أيضا (على الصحيح بأن) أي كان (شرط) فيه (منع فك أسرانا) منهم (أو ترك ما) استولوا عليه (لنا) " .
وقال الغزالي -رحمه الله- في الوجيز عن شروط الهدنة: "الثالث -يعني من الشروط- أن يخلو من شرط فاسد كشرط ترك مسلم في أيديهم أو مال مسلم في أيديهم" .
وقد بحثت معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، وبينت بطلانها بناء على أحكام الفقه الإسلامي من أوجه عديدة في كتابي (فرسان تحت راية النبي صلى الله عليه وسلم).
وقد ضربت الأمثلة الآنفة لأبين أن علماء الفقه السابقين لم يكونوا يفتون أو يتدارسون الفقه فقط في الظروف المستقرة، التي ذكرها كاتب الرسالة، وبالتالي فهي لم تكتب لزماننا. بل كانوا يتعرضون لأحوال من الاضطراب والمشاكل والفتن. شابهت ما يحدث في زماننا.
يضاف إليه أن الفقهاء كانوا يفرضون المسائل، وفي أبواب الجهاد والسير والتعامل مع دور الحرب وأهلها قد وقع منهم ذلك كثيراً، ولا سيما فقهاء الحنفية رحم الله الجميع، ومَن طالع السير الكبير لمحمد بن الحسن الشيباني وشرحه للسرخسي –رحمهما الله- وبعض الكتب الأخرى التي بنت عليه ونسجت على منواله عرفَ ذلك، وكذا في المذاهب الأخرى شيءٌ كثيرٌ من ذلك.
ج- ثم هذا الكلام يرتد على كاتب الرسالة، فهو يستخدم كلام السلف في زمانهم على وقائع في زماننا، مثل كلامه عن أن التأشيرة أمان، واستدلاله بكلام محمد بن الحسن الشيباني والشافعي -رحمهما الله- في الأمان على ذلك، مع أن الشافعي ومحمد بن الحسن الشيباني لم تكن في زمانهما تأشيرات. وهو ما سنتعرض له لاحقاً إن شاء الله.
2- ثم كرر الكاتب أكثر من مرة أنه لا يجوز أن يقدم غير المتخصصين على تنزيل الأحكام من الكتب على الواقع.
وهذا أسلوب يراد به تشويه المجاهدين، وقد أشرت لذلك في الملاحظة السادسة عشرة على منهج الوثيقة.
وأنا هنا أود أن أفصل قليلاً في استعانة المجاهدين بالعلماء وفي نشاط طائفة من العلماء المعاصرين في الجهر بالحق وتأييد المجاهدين وكذلك في نشاط المجاهدين العلمي، حتى يتضح مدى الظلم الذي أنزله الكاتب بالمجاهدين. فأقول مستعيناً بالله:
أ- فمن علماء العصر المتوفين إلى رحمة الله، الذين استفاد منهم المجاهدون على سبيل المثال لا الحصر:
- الشيخ أحمد شاكر رحمه الله. وقد أفتى بردة الحكومات الحاكمة بغير الشريعة، وأفتى بكفر القضاء الوضعي، وكفر القضاة الوضعيين في كتابه (عمدة التفسير) وفي تعليقاته على تفسير الطبري، وكذلك له فتوى شهيرة ضد الإنجليز في بداية الخمسينيات عند مقاومة المصريين لهم في منطقة القناة. جاء فيها:
"إن الإنجليز أعلنوها على المسلمين في مصر حرباً سافرةً غادرةً، حرب عدوان واستعلاء، وأعلنوها على المسلمين في السودان حرباً مقنعةً مغلفة بغلاف المصلحة للسودان وأهله، مزوقة بحلية الحكم الذاتي الذي خدع به المصريون من قبل.
وقد رأينا ما يصنع الإنجليز في منطقة قناة السويس وما يقاربها من البلاد، من قتل المدنيين الآمنين، والغدر بالنساء والأطفال، والعدوان على رجال الأمن ورجال القضاء، حتى لا يكاد ينجو من عدوانهم صغير أو كبير.
فأعلنوا بذلك عداءهم صريحاًَ واضحاً، لا لبس فيه ولا مجاملة ولا مداورة. فصارت بذلك دماؤهم وأموالهم حلالاً للمسلمين. يجب على كل مسلم في أي بقعة من بقاع الأرض أن يحاربهم وأن يقتلهم حيثما وُجدوا - مدنيين كانوا أو عسكريين - فكلهم عدو، وكلهم محارب مقاتل
...................
وقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء في الحرب وهو نهي معلل بعلة واضحة صريحة: أنهن غير مقاتلات. فقد مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته على امرأة مقتولة، فقال: (ما كانت هذه لتقاتل) ثم نهى عن قتل النساء.
أما الآن، ونساؤهم مجندات، يحاربن مع الرجال جنباً إلى جنب، وغير المجندات منهن مسترجلات، يطلقن النار على المسلمين دون زاجر أو رادع، فإن قتلهن حلال، بل واجب للدفاع عن الدين والنفس والبلد. إلا أن تكون امرأة ضعيفة لا تستطيع شيئاً.
وكذلك الحال مع الصبيان دون البلوغ، والشيوخ الهالكين الضعفاء، من قاتل منهم أو اعتدى قتل، ومن لم يفعل فلا يعرضن أحد له بسوء، إلا أن يؤخذوا هم والنساء أسرى. وسنذكر حكم الأسرى إن شاء الله.
وقد قلنا: (يجب على كل مسلم في أي بقعة من بقاع الأرض أن يحاربهم وأن يقتلهم حيثما وجدوا، مدنيين أو عسكريين)، ونحن نقصد إلى كل حرف من معنى هذه الجملة. فأينما كان المسلم، ومن أي جنس كان من الأجناس والأمم، وجب عليه ما يجب علينا في مصر والسودان. حتى المسلمين من الإنجليز في بلادهم - إن كانوا مسلمين حقاًً - يجب عليهم ما يجب على المسلمين من غيرهم ما استطاعوا. فإن لم يستطيعوا وجبت عليهم الهجرة من بلاد الأعداء، أو من البلاد التي لا يستطيعون فيها حرب العدو بما أمرهم الله.
فإن الإسلام جنسية واحدة -بتعبير هذا العصر- وهو يلغي الفوارق الجنسية والقومية بين متبعيه، كما قال الله تعالى: (وإن هذه أمتكم أمة واحدة) ، والأدلة على ذلك متواترة متضافرة، وهو شيء معلوم من الدين بالضرورة.
.........................
فليسمع هذا وليضعه نصب عينيه كل مسلم في مصر والسودان، والهند والباكستان، وكل بلد يحكمه الإنجليز الأعداء، أو يدخل في نطاق نفوذهم، من سائر أقطار الأرض، ومن أي جنس أو لون كانوا.
أما التعاون مع الإنجليز، بأي نوع من أنواع التعاون، قل أو كثر فهو الردة الجامحة، والكفر الصراح. لا يقبل فيه اعتذار، ولا ينفع معه تأول.
....................................
وأظن أن كل قاريء لا يشك الآن في أنه من البديهي الذي لا يحتاج إلى بيان أو دليل: أن شأن الفرنسيين في هذا المعنى شأن الإنجليز، بالنسبة لكل مسلم على وجه الأرض. فإن عداء الفرنسيين للمسلمين وعصبيتهم الجامحة في العمل على محو الإسلام وعلى حرب الإسلام أضعاف عصبية الإنجليز وعدائهم. بل هم حمقى في العصبية والعداء، وهم يقتلون إخواننا المسلمين في كل بلد إسلامي لهم فيه حكم أو نفوذ، ويرتكبون من الجرائم والفظائع ما تصغر معه جرائم الإنجليز ووحشيتهم وتتضاءل. فهم والإنجليز في الحكم سواء: دماؤهم وأموالهم حلال في كل مكان، ولا يجوز لمسلم في أي بقعة من بقاع الأرض أن يتعاون معهم بأي نوع من أنواع التعاون، وإن التعاون معهم حكمه حكم التعاون مع الإنجليز: الردة والخروج من الإسلام جملة، أياً كان لون المتعاون معهم أو نوعه أو جنسه.
.............................
ألا فليعلم كل مسلم: أنه إذا ركب هذا المركب الدنيء فقد حبط عمله من كل عبادة تعبد بها لربه قبل أن يرتكس في حمأة هذه الردة التي رضي لنفسه، ومعاذ الله أن يرضى بها مسلم حقيق بهذا الوصف العظيم يؤمن بالله ورسوله. ذلك بأن الإيمان شرط في صحة كل عبادة وفي قبولها كما هو بديهي معلوم من الدين بالضرورة لا يخالف فيه أحد من المسلمين.
وذلك بأن الله سبحانه يقول: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
وذلك بأن الله سبحانه يقول: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
وذلك بأن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ {51} فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ {52} وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهَـؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ﴾.
وذلك بأن الله سبحانه يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ {25} ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ {26} فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ
وَأَدْبَارَهُمْ {27} ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ {28} أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ {29} وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ {30} وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ {31} إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ {32}
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ {33} إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ {34} فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾" .
- الشيخ محمود شاكر رحمه الله، وقد شارك أخاه أحمد شاكر في التعليقات المذكورة على تفسير الطبري.
- الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -رحمه الله- مفتي المملكة السعودية السابق، وله فتاوى متعددة في وجوب التحاكم للشريعة، ومنها رسالته المشهورة (تحكيم القوانين) التي أفتى فيها بكفر المحاكم الوضعية.
- الأستاذ الشهيد -كما نحسبه- عبد القادر عودة رحمه الله، وهو صاحب الموسوعة العظيمة (التشريع الجنائي في الإسلام) و(الإسلام وأوضاعنا القانونية).
- الأستاذ الشهيد -كما نحسبه- سيد قطب رحمه الله، وهو رمز الثبات والنقاء في هذا العصر، ومن صموده تعلمت الأجيال الصمود.
- الشيخ محمد حامد الفقي رحمه الله، حيث أفتى في تعليقه على كتاب التوحيد بكفر من يتحاكم للقوانين الوضعية.
- الشيخ العلامة المحقق محمد خليل هراس رحمه الله، وقد استفتيته في بيته بطنطا في حدود عام 1974م تقريباً، ولا أذكر تحديداً، فأفتاني بردة النظام المصري ووجوب خلعه لمن يقدر على ذلك. وتباحثت معه في ما ذكرت ومسائل أخرى منها حكم قتال اليهود في الجيش المصري للمكره على ذلك، وعرضت عليه ما توصلت إليه من أدلة من كلام الإمام الشافعي وشيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله، فأقرني على ما توصلت إليه، وسر بوجود شباب في مقتبل العمر يصلون لهذه الأدلة ويطالعون هذه المباحث.
- الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله عضو هيئة كبار العلماء بالسعودية. حدثني من أثق بنقله أنه قد استفتاه في نظام حسني مبارك، فأفتاه بأنه أكفر من فرعون، وقال له ما معناه: إنه لا يجب فقط الخروج عليه، ولكن يأثم من لم يدع للخروج عليه.
- الشيخ صلاح أبو إسماعيل رحمه الله. وقد شهد في قضية الجهاد شهادة عظيمة، قال فيها إن السادات بقوله: لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين قد نفض يده من الإسلام، وتحدث عن فشل كل محاولاته لتطبيق الشريعة من خلال عضويته في مجلس الشعب، وأنه قد يأس من هذا الطريق، وقد سجل هذه الشهادة العظيمة في كتابه (الشهادة).
- الشيخ الشهيد -كما نحسبه- عبد الله عزام رحمه الله، وهو أستاذ الجيل في العلم والعمل، وكان يرى ردة الحكومات الحاكمة بالقوانين الوضعية، وله في ذلك رسالة (العقيدة وأثرها في بناء الجيل)، وقد خلف تراثاً علمياً ودعوياً ضخماً، جمعه تلاميذه في أربعة مجلدات كبيرة، مملوءة بالتحريض على الجهاد ضد الأمريكان واليهود والمحتلين لبلاد المسلمين.
وأنا أورد هنا طائفة من أقواله العظيمة -رحمه الله- في تحريض الأمة على الجهاد والتضحية. يقول رحمه الله:
"إني أرى أنه لا يعفي عن مسئولية ترك الجهاد شيء سواء كان ذلك دعوة أو تأليفاً أو تربية، إني أرى أن كل مسلم في الأرض اليوم منوط في عنقه تبعة ترك الجهاد؛ القتال في سبيل الله، وكل مسلم يحمل وزر ترك البندقية، وكل من لقي الله-غير أولي الضرر- دون أن تكون البندقية في يده فإنه يلقى الله آثماً، لأنه تارك للقتال، والقتال الآن فرض عين على كل مسلم في الأرض" .
ويقول أيضاً رحمه الله:
"يجب أن نعرف الحكم؛ أن الذي يوالي الأمريكان كافر، والذي يوالي اليهود يهودي، والذي يوالي النصراني نصراني ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾. وبعدها بآيتين قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه﴾. أي أن ولاية اليهود والنصارى كفر يخرج من الملة وردة عن هذا الدين" .
ويقول أيضاً رحمه الله:
"وكانوا يقولون لسيد : يا سيد لو قدمت استرحاماً. قال: "إن إصبع السبابة التي تشهد لله بالوحدانية في الصلاة لترفض أن تكتب حرفاً واحداً تقر به حكم طاغية، فلماذا أسترحم? إن كنت محكوماً بحق فأنا أرتضي حكم الحق، وإن كنت محكوماً بالباطل فأنا أكبر من أن أسترحم الباطل".
بمثل هذه النماذج تتأثر الجماهير، وتتبع الأجيال، ويقلد الشباب، أما واحد لا تعرف رأسه من رجليه، ولا ظهره من بطنه، ولا تعرف إلى أي شيء يدعو الناس، كيف تقلده؟ كل يوم بلون، وكل يوم مع هذا الحاكم ومع هذا الأمير، ومع هذا المسؤول، كيف يمكن أن يقلده الناس؟ كيف؟ ولو كان عنده علم الأولين والآخرين، ويحفظ الحواشي والمتون والشروح والمعلقات والمسانيد، كيف يقلده الناس؟
يعني بالله عليكم من منكم سمع مرافعة كارم الأناضولي في المحكمة؟ سمعتموها؟ هذه المرافعة الصغيره تترك آثاراً في الأجيال لمدة عشرة قرون أو أكثر، أكثر من مؤلفات شيوخ الأزهر لمدة عشرة قرون.
أنا الحقيقة عندما أسمعها أهتز، شاب يقف أمام المحكمة، ويواجهها بهذه المواجهة، إن القضية ليست قضية الفنية العسكرية، وليست قضية صالح سرية، ولا كارم الأناضولي، إنها قضية الإسلام، الذي يذبح في مصر. إنها قضية أحمد بن حنبل والعز بن عبد السلام وحسن البنا وسيد قطب... إلخ.
مرافعة ما سمعت أقوى منها أبدا، شاب!! شاب!! وقتل كارم الأناضولي، ولكن بقيت كلماته تتردد في مسامعنا، أنا أثر في كارم الأناضولي أكثر من كل شيوخ الأزهر -مع أنني شيخ أزهري- أكثر بكثير.
من منكم تأثر أكثر؟ بكل مشايخ الأرض أم بخالد الإسلامبولي؟ خالد، لأن الإسلام لا ينتصر إلا بهذه النماذج، يا إخواني لا ينتصر إلا بالتضحيات، لا ينتصر بالفلسفة واللف والدوران والتضليل والتورية، وضحكت على المخابرات" .
ويقول أيضاً رحمه الله:
"إن هذا الدين جاء إعلاناً عاماً للبشرية كافة. يؤذن أن مجال عمله هو الإنسان -كل إنسان- في الأرض كل الأرض، ومن ثم فإن الجهاد ضرورة حتمية تلازمه، كلما أردنا أن نبلغه للناس، أو ننشره في ربوع العالمين، لأنه سيقف في وجهه العقبات الكبرى التي يقوم عليها كيان الجاهلية.
سيقف في وجهه عقبات كأداء: سياسية واجتماعية واقتصادية وعرقية وجغرافية، ولا يمكن لدين جاء لينقذ البشرية أن يقف مكتوف اليدين يبلغ باللسان، ويدع للجاهلية السلاح والسنان، لأن الجاهلية نفسها ستتحرك، لتحمي كيانها وتجتث الإسلام من الجذور.. ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾.
وسواء تحركت الجاهلية أم لم تتحرك، فلا بد للإسلام أن ينطلق بحركته الذاتية، التي لا بد منها لقانون التدافع ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
إن قانون التدافع بين الحق والباطل هو الذي يحفظ الحياة صالحة، وإلا أسنت الحياة وتعفنت، وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ﴿إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾، يعني إن لم تحصل الموالاة بين المؤمنين والجهاد والهجرة في سبيل الله يعم الشرك الأرض" .
ويقول عن مروان حديد وإبراهيم اليوسف ورفاقهما يرحمهم الله:
"إن الدعوات لا تنتصر إلا بأمثال هذه النماذج، ولا يمكن أن تعيش إلا على محك المحنة، هذه النماذج التي تصطلي بنار المحنة، هي التي تكو ن القاعدة الصلبة، التي ينتصر بها هذا الدين، وتصبح قطب الرحى في توجيه الأمم الكبيرة" .
ويقول أيضاً رحمه الله:
"فهذا الدين جاء بالسيف، وقام بالسيف، ويبقى بالسيف، ويضيع إذا ضاع السيف، وهذا الدين دين هيبة.. دين رهبة، دين قوة، دين صولة، دين عزة، والضعف فيه جريمة يستحق صاحبها جهنم. ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾" .
ويقول أيضاً رحمه الله:
"والحركة الشعبية الجهادية -مع طول الطريق ومرارة المعاناة وضخامة التضحيات وفداحة الأرزاء- تصفي النفوس، فتعلو على واقع الأرض الهابط، وترتفع الاهتمامات عن الخصومات الصغيرة على دراهم، وعن الأغراض القريبة، وسفاف المتاع، وتزول الأحقاد، وتصقل الأرواح، وتسير القافلة صعداً من السفح الهابط إلى القمة السامقة بعيداً عن نتن الطين وصراع الغايات.
وعلى طول طريق الجهاد تفرز القيادات ، وتظهر الكفاءات من خلال العطاء والتضحية، ويبرز الرجال شجاعتهم وبذلهم.
.......................
فأبو بكر وعمر وعثمان وعلي -رضي الله عنهم- ما برزوا إلا من خلال الأعمال الجليلة والتضحيات الباهظة، ولذا لم يكن أبو بكر بحاجة إلى دعاية انتخابية عندما أجمعت الأمة على انتخابه، فما أن فاضت روح رسول الله T إلى الرفيق الأعلى في الجنة تطلعت العيون إلى الساحة، فلم تجد أفضل من أبي بكر رضي الله عنه.
والأمة التي تجاهد، تبذل الثمن غالياً، فتجني الثمرة الناضجة، ليس من السهل أن تفرط فيما جنته بالعرق والدم، وأما الذين يتربعون على صدور الناس من خلال البيان الأول في انقلاب عسكري، صنع وراء الكواليس في السفارات، يسهل عليهم التفريط بكل شيء.
ومن أخذ البلاد بغير حرب يهون عليه تسليم البلاد
والأمة الجهادية -التي يقودها أفذاذ بروزا من خلال الحركة الجهادية الطويلة- ليس من السهل أن تفرط بقياداتها، أو تخطط للإطاحة بها، وليس من اليسير على أعدائها أن يشككوها بمسيرة أبطالها، والحركة الجهادية الطويلة تشعر الأمة بأفرادها جميعا أنهم قد دفعوا الثمن، وشاركوا في التضحية من أجل قيام المجتمع الإسلامي، فيكونون حراساً أمناء لهذا المجتمع الوليد، الذي عانت الأمة جميعها من آلام مخاضه.
لا بد للمجتمع الإسلامي من ميلاد ، ولا بد للميلاد من مخاض ، ولا بد للمخاض من آلام" .
وكان -رحمه الله- يدعو الشباب لعدم الاستسلام لسلطات الأمن ولمقاومتهم، حتى لو أدى ذلك لاستشهاد المطلوبين.
يقول رحمه الله:
"(من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد).
صحيح رواه أبو داوود والترمذي والنسائي وأحمد عن سعيد بن زيد، وهو في صحيح الجامع برقم (6321).
وهذا يسمى في الفقه : دفع الصائل، والصائل هو الذي يسطو بالقوة على الأعراض والنفوس والأموال.
وقد اتفق الفقهاء الأربعة على وجوب دفع الصائل على الأعراض، أما الصائل على النفس أو المال فيجب دفعه عند جمهور العلماء، ويتفق مع الرأي الراجح في مذهبي مالك والشافعي، ولو أدى إلى قتل الصائل المسلم.
قال الجصاص: "لا نعلم خلافا أن رجلاً لو شهر سيفاً على رجل ليقتله بغير حق أن على المسلمين قتله". وقال ابن تيمية: "فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه".
وكم كلف جهل هذا الحكم الشرعي المسلمين من ضحايا، لأن المخبر كان يأخذ زوجته في منتصف الليل، ولا يقتله خوفا من سفك دم امرئ مسلم" .
ويقول رحمه الله:
"قد يسأل سائل: أو يجوز لنا أن نقتل شرطيا يصلي ويصوم، من أجل أنه يريد أن يأخذني إلى قسم البوليس؟
أما رأي الفقهاء بالإجماع على أنه لا يجوز لأحد أن يستسلم لإنسان يريد أن ينتهك عرضه، فإذا كان عبد الناصر يأخذ الأخ المسلم مدة عشرين عاماً في السجن، ويأتي بزوجته، وينتهك الشرطة عرضها أمامه، فالإجماع منعقد على أنه لا يجوز أبداً أن يستسلم حتى الموت.
اتفق الفقهاء جميعاً على أن دفع الصائل عن العرض واجب بالإجماع. فإذا أنت تركت الشرطة يقتحمون بيتك فى وهن من الليل، وزوجتك عارية فى ثياب النوم، يكشفون عنها غطاءها، ليبحثوا أنك نائم عندها، فعرضك منتهك، وأنت آثم عند رب العالمين، فهنا الظلم. والصلاة والصوم من قبل الشرطي هذه لا تمنع عنه قضية القتل" .
وكان رحمه الله يدعو المسلمين وخاصة العلماء للجهر بالحق في وجه الطغاة الظالمين، حتى ولو أدى لاستشهاد الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر.
يقول رحمه الله:
"(إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه).
صحيح رواه أحمد والطبراني عن كعب بن مالك ، وهو في صحيح الجامع برقم/1930 .
ومن الجهاد باللسان فتوى العلماء في وجوب الجهاد خاصة عندما تخالف هوى السلطان، فهنا تكون الفتوى شديدة على النفس، لأنها قد تكلف العالم وظيفته أو سجنه أو عنقه، ولذا لا يستفتى في أمور الجهاد إلا الصادقون العالمون العاملون.
قال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى 4/185: "والواجب أن يعتبر في أمور الجهاد برأي أهل الدين الصحيح، الذين لهم خبرة بما عليه أهل الدنيا، دون الذين يغلب عليهم النظر في ظاهر الدين فلا يؤخذ برأيهم، ولا برأي أهل الدين الذين لا خبرة لهم في الدنيا".
أي يشترط في الذي يفتي في أمور الجهاد : أن يكون قادرا على الاستنباط مخلصاً، وأن يعرف طبيعة المعركة وأحوال أهلها" .
ويقول رحمه الله:
"عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله). رواه الترمذي.
وهذا يدل على منزلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الإسلام .. وإنكار المنكر والظلم في المجتمع واجب، ولو في وجه الحاكم المسلم إذا كان ظالماً أو فاسقاً، أما الحاكم الكافر فلا يجوز السكوت عليه بحال، ولا تجوز ولايته، والخروج عليه فرض من قبل الأمة جميعاً" .
وقال رحمه الله:
"أيها المسلمون:حياتكم الجهاد، وعزكم الجهاد، ووجودكم مرتبط ارتباطا مصيريا بالجهاد، أيها الدعاة: لا قيمة لكم تحت الشمس، إلا إذا امتشقتم أسلحتكم، وأبدتم خضراء الطواغيت والكفار والظالمين.
إن الذين يظنون أن دين الله يمكن أن ينتصر بدون جهاد وقتال ودماء وأشلاء، هؤلاء واهمون لا يدركون طبيعة هذا الدين".
هذا هو أستاذ الجيل العالم العامل المجاهد الشهيد -كما نحسبه- الشيخ عبد الله عزام، الذي قال عنه كاتب الرسالة في كتابه (الجامع):
"وقد رأيت جماعات إسلامية ترفض أن تحتكم في خلافاتها إلى الشرع، مع أنهم يدعون إلى تحكيم الشرع وأن جماعاتهم ماقامت إلا لمحاربة من يحكم بغير ما أنزل الله، فإذا ما دُعوا إلى حكم الله أعرضوا، فهُم أولى بالجهاد من حكامهم، وهذا صريح النفاق كما قال تعالى (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ماأنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً) النساء 61. وقد شاء الله أن أكون حَكَماً في خصومات بعض أطرافها من الدعاة المشهورين وحين وجب الحق عليه تملّص منه وأبى أن يؤدي ماوجب عليه، فقلت: والله لايَمُنّ الله علينا بحكم إسلامي حتى نرضى بحكم الله فيما بيننا، فقد قال تعالى (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا مابأنفسهم)" .
إلا أنه من الأنصاف أن أذكر أن هذا لم يكن رأيه في الشيخ عبد الله عزام أولاً، فقد ألف رسالته (تعقيب على تعقيب) في الدفاع عن كتاب الشيخ عبد الله عزام رحمه الله (الدفاع عن أراضي المسلمين أهم فروض الأعيان) لما انتقدها الشيخ سفر الحوالي. ثم مرت على الرسم أحداث وأزمان. والحادثة معروضة بشيء من التفصيل في الفصل السابع عشر.
- الشيخ أبو يوسف الموريتاني -رحمه الله- شهيد قندهار، درس العلم على أيدي علماء موريتانيا ثم على علماء الجزيرة العربية، ثم هاجر لأفغانستان، وعمل بالتدريس في معهد اللغة العربية في قندهار، وكان للشيخ تمكن ورسوخ في العلوم العربية، وقد شرعت في القراءة عليه من مذكرة أصول الفقه للشيخ الشنقيطي رحمه الله، ولكن تقلب الأحوال لم ييسر لي الإتمام، وللشيخ تواضع وسماحة ودعابة وحسن خلق. وقد قتل شهيداً في القصف الصليبي على قندهار، نسأل الله أن يجمعنا به في الفردوس الأعلى.
- الشيخ حمود العقلا الشعيبي رحمه الله، وهو من أكابر العلماء الصادعين بالحق في هذا العصر، وقد وصفه أخونا الشيخ أبو قتادة -فك الله أسره- بثوري هذا العصر، وله تراث حافل في تأييد الجهاد والمجاهدين، والحض على جهاد الأمريكان والروس، وتأييد حكومة طالبان ومناصرتها قبل الغزو الأمريكي وبعده. ومن مؤلفاته -رحمه الله- كتابه (القول المختار في حكم الاستعانة بالكفار)، وقد طبع مع مقدمة للشيخ أسامة بن لادن حفظه الله. وقد رد الشيخ فيه على مواقف حكومات الخليج التي استعانت بالأمريكان، وأدخلت جيوشهم لجزيرة العرب، وبين خطورتهم، وأهدافهم للاستيلاء على ديار المسلمين.
وله تراث فقهي وافر من الفتاوى الجريئة الشجاعة، منها فتوى عما جرى في أمريكا من أحداث في الحادي عشر من سبتمبر جاء فيها:
"قبل الإجابة على السؤال لابد أن نعرف أن أي قرار يصدر من الدولة الأمريكية الكافرة خاصة القرارات الحربية والمصيرية لا تقوم إلا عن طريق استطلاع الرأي العام أو عن طريق التصويت من قبل النواب في مجالسهم الكفرية والتي تمثل تلك المجالس بالدرجة الأولى رأي الشعب عن طريق وكلائهم البرلمانيين ، وعلى ذلك فإن أي أمريكي صوت على القتال فهو محارب ، وعلى أقل تقدير فهو معين ومساعد".
ثم بعد أن سرد الأدلة من القرآن على وجوب معاداة الكفار قال رحمه الله:
"وإذا تقرر هذا فاعلم أن أمريكا دولة كافرة معادية للإسلام والمسلمين، وقد بلغت الغاية والاستكبار وشن الهجمات على كثير من الشعوب الإسلامية كما فعلت ذلك في السودان والعراق والأفغان وفلسطين وليبيا وغيرها ، حيث تعاونت أمريكا مع قوى الكفر كبريطانيا وروسيا وغيرها في مهاجمتها ومحاولة القضاء عليها.
كما قامت أمريكا بتشريد الفلسطينيين من ديارهم وتركيز إخوان القردة والخنازير في فلسطين، والوقوف إلى جانب دولة اليهود الفاجرة بكل ما لديها من دعم وتأييد بالمال والسلاح والخبرات. فكيف تقوم أمريكا بهذه الأفعال ولا تعتبر عدوة للشعوب الإسلامية ومحاربة لها؟
.............
وإن مما يؤسف له أن كثيرا من إخواننا العلماء غلبوا جانب الرحمة والعطف ونسوا أو تناسوا ما تقوم به هذه الدولة الكافرة من تقتيل وتدمير وفساد في كثير من الأقطار الإسلامية فلم تأخذها في ذلك رحمة ولا شفقة .
وإنني أرى لزاما علي أن أجيب عن شبه يعتمد عليها بعض إخواننا من العلماء ويبررون بها مواقفهم .
الشبهة الأولى :
منها ما سمعته من بعضهم أن بيننا وبين أمريكا عهود ومواثيق فيجب علينا الوفاء بها و جوابي عن هذه الشبهة من وجهين :
الوجه الأول : أن المتكلم جازف باتهام المسلمين بالأحداث ولم يثبت شرعا حتى الآن أن المسلمين وراء الأحداث ، أو أنهم شاركوا فيها حتى يقال إنهم نقضوا العهد ، فإذا لم يثبت أننا قمنا بالتفجير ولم نشارك فيه فكيف نكون قد نقضنا العهود ، وإعلاننا لمعاداة هؤلاء الكفار وبغضهم والتبرئ منهم لا علاقة له بنقض العهود والمواثيق ، وإنما هو أمر أوجبه الله علينا بنص كتابه العزيز .
الوجه الثاني : وإذا سلمنا أن بين المسلمين وبين دولة أمريكا عهود ومواثيق فلماذا لم تف أمريكا بهذه المواثيق والعهود، وتوقف اعتداءاتها وأذاها الكثير على الشعوب المسلمة ، لأن المعروف أن العهود والمواثيق تلزم المتعاهدين بالوفاء بالعهد وإذا لم يفوا انتقض عهدهم، يقول الله تبارك وتعالى ﴿وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾.
الشبهة الثانية :
يقولون إن في القتلى أبرياء لا ذنب لهم، والجواب عن هذه الشبهة من عدة أوجه :
الوجه الأول : روى الصعب بن جثامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن أهل الديار من المشركين يبيّتون فيصاب من نسائهم وذرياتهم ، قال : "هم منهم".
فإن هذا الحديث يدل على أن النساء والصبيان ومن لا يجوز قتله منفردا يجوز قتلهم إذا كانوا مختلطين بغيرهم ولم يمكن التمييز، لأنهم سألوا الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن البيات وهو الهجوم ليلا، و البيات لا يمكن فيه التمييز، فأذن بذلك لأنه يجوز تبعا ما لا يجوز استقلالا.
الوجه الثاني : أن القادة المسلمين كانوا يستعملون في حروبهم مع الكفار ضربهم بالمنجنيق. ومعلوم أن المنجنيق إذا ضرب لا يفرق بين مقاتل وغيره، وقد يصيب من يسميهم هؤلاء بالأبرياء ، ومع ذلك جرت سنة المسلمين في الحروب عليه ، قال ابن قدامة رحمه الله : ويجوز نصب المنجنيق لأن النبي صلى الله عليه وسلم نصب المنجنيق على أهل الطائف ، وعمرو بن العاص نصب المنجنيق على أهل الإسكندرية. (المغني والشرح 10 / 503 ) . وقال ابن قاسم رحمه الله في الحاشية : ويجوز رمي الكفار بالمنجنيق ولو قتل بلا قصد صبيانا و نساءا وشيوخا ورهبانا لجواز النكاية بالإجماع ، قال ابن رشد رحمه الله : النكاية جائزة بطريق الإجماع بجميع أنواع المشركين. ( الحاشية على الروض 4 / 270 )
الوجه الثالث : أن فقهاء المسلمين أجازوا قتل ( الترس ) من المسلمين إذا كانوا أسرى في يد الكفار وجعل الكفار هؤلاء المسلمين ترسا يقيهم نبال المسلمين مع أنه لا ذنب لهؤلاء المسلمين المتترس بهم وعلى اصطلاحهم فإن هؤلاء أبرياء لا يجوز قتلهم وقد قال ابن تيمية رحمه الله : وقد اتفق العلماء على أن جيش الكفار إذا تترسوا بمن عندهم من أسرى المسلمين وخيف على المسلمين الضرر إذا لم يقاتلوا فإنهم يقاتلون وإن أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم. (الفتاوى 28 / 546 – 537 ، جـ 20 / 52 ) ، وقال ابن قاسم رحمه الله في الحاشية : قال في الإنصاف : وإن تترسوا بمسلم لم يجز رميهم إلا أن نخاف على المسلمين فيرميهم ويقصد الكفار ، وهذا بلا نزاع ( الحاشية على الروض 4 / 271)
وهنا سؤال نوجهه للاخوة الذين يطلقون كلمة ( الإرهاب ) على ما حصل في أمريكا أريد منهم الجواب ، والسؤال هو :
عندما أغارت أمريكا بطائراتها وصواريخها على مصنع الأدوية في السودان فدمرته على من في داخله من موظفين وعمال فماتوا فماذا يسمى هذا ؟ فهل ما فعلته أمريكا في مصنع السودان لا يعتبر إرهابا ؟ وما فعله هؤلاء الرجال في مباني أمريكا يعتبر إرهابا ؟ لماذا شجبوا ونددوا لما حصل في أمريكا ولم نسمع أحدا ندد أو شجب تدمير أمريكا لمصنع السودان على من فيه ؟
إنني لا أرى فرقا بين العمليتين إلا أن الأموال التي أقيم بها المصنع وموّل بها أموال مسلمين ، والعمال والموظفون الذين هدم عليهم المصنع وماتوا فيه مسلمون ، والأموال التي أنفقت على المباني التي دمرها هؤلاء المختطفون أموال كفار ، والناس الذين هلكوا في هذا التفجير كفار ، فهل هذا الفرق هو الذي جعل بعض إخواننا يسمون ما حصل في أمريكا إرهابا !! ولا يشجبون ما حصل في السودان !! ومع ذلك لا يسمونه إرهابا !! وأيضا ما حصل للشعب الليبي من تجويع ؟ وما حصل للشعب العراقي من تجويع وضرب شبه يومي ؟ وما حصل لدولة أفغانستان المسلمة من حصار وضرب ؟ فماذا يسمى كل ذلك ؟ هل هو إرهاب أم لا ؟
ثم نقول لهؤلاء
ماذا تقصدون بالأبرياء ؟
وهؤلاء لا يخلو جوابهم عن ثلاث حالات :
الحالة الأولى :
أن يكونوا من الذين لم يقاتلوا مع دولهم ولم يعينوهم لا بالبدن ولا بالمال ولا بالرأي والمشورة ولا غير ذلك ، فهذا الصنف لا يجوز قتله بشرط أن يكون متميزا عن غيره ، غير مختلط به ، أما إذا اختلط بغيره ولم يمكن تميزه فيجوز قتله تبعا وإلحاقا مثل كبار السن والنساء والصبيان والمرضى والعاجزين والرهبان المنقطعين ، قال ابن قدامة : ويجوز قتل النساء والصبيان في البيات ( الهجوم ليلا ) وفي المطمورة إذا لم يتعمد قتلهم منفردين ، ويجوز قتل بهائمهم يتوصل به إلى قتلهم وهزيمتهم ، وليس في هذا خلاف . ( المغني والشرح 10/ 503) وقال: ويجوز تبييت العدو ، قال احمد بن حنبل لا بأس بالبيات ، وهل غزو الروم إلا البيات ، قال ولا نعلم أحدا كره البيات. ( المغني والشرح 10 / 503 ).
الحالة الثانية :
أو هم من الذين لم يباشروا القتال مع دولهم المحاربة لكنهم معينون لها بالمال أو الرأي ، فهؤلاء لا يسمون أبرياء بل محاربين ومن أهل الردء ( أي المعين والمساعد ) . قال ابن عبد البر رحمه الله في الاستذكار : لم يختلف العلماء فيمن قاتل من النساء والشيوخ أنه مباح قتله ، ومن قدر على القتال من الصبيان وقاتل قتل . الاستذكار ( 14 / 74 ) . ونقل الإجماع أيضا ابن قدامة رحمه الله في إباحة قتل النساء والصبيان وكبار السن إذا أعانوا أقوامهم ، وقال ابن عبد البر رحمه الله : وأجمعوا على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل دريد بن الصمة يوم حنين لأنه كان ذا رأي ومكيدة في الحرب ، فمن كان هكذا من الشيوخ قتل عند الجميع . التمهيد ( 16 / 142 ) . ونقل النووي رحمه الله في شرح مسلم في كتاب الجهاد الإجماع على أن شيوخ الكفار إن كان فيهم رأي قتلوا . ونقل ابن قاسم رحمه الله في الحاشية ، قال : وأجمعوا على أن حكم الردء حكم المباشر في الجهاد ، ونقل عن ابن تيمية رحمه الله هذا الإجماع ، ونقل عن ابن تيمية أيضا أن أعوان الطائفة الممتنعة وأنصارها منها فيما لهم وعليهم.
الحالة الثالثة :
أن يكونوا من المسلمين ، فهؤلاء لا يجوز قتلهم ما داموا مستقلين ، أما إذا اختلطوا بغيرهم ولم يمكن إلا قتلهم مع غيرهم جاز ، ويدل عليه مسألة التترس وسبق الكلام عنها .
وما يدندن حوله البعض عن الاعتذار للأبرياء دون معرفة من هم هؤلاء الأبرياء فإنما ذلك من آثار التأثر بالمصطلحات الغربية ووسائل الإعلام ، حتى أصبح من لم يُظن فيهم ذلك يرددون مصطلحات وعبارات غيرنا المخالفة للألفاظ الشرعية .
علما بأنه يجوز لنا أن نفعل بالكفار بمثل ما فعلوا بنا ، وهذا فيه رد وتبيين لمن ردد كلمة الأبرياء ، فإن الله سبحانه وتعالى أباح لنا ذلك ، ومن النصوص التي تدل على ذلك قوله تعالى ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ ) وقال تعالى ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ {39} وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ﴾.
ومن كلام أهل العلم في جواز الانتقام بالمثل :
قال ابن تيمية : إن المثلة حق لهم ، فلهم فعلها للاستيفاء وأخذ الثأر ، ولهم تركها ، والصبر أفضل ، وهذا حيث لا يكون في التمثيل بهم زيادة في الجهاد ، ولا يكون نكالا لهم عن نظيرها ، فأما إذا كان في التمثيل الشائع دعاء لهم إلى الإيمان أو زجر لهم عن العدوان ، فإنه هنا من باب إقامة الحدود والجهاد المشروع ، نقله ابن مفلح عنه في الفروع ( 6 / 218 ).
ويلزم لمن قال بمسألة قتل الأبرياء من دون تقييد ولا تخصيص أن يتهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- والصحابة ومن بعدهم بأنهم من قتلة الأبرياء على اصطلاح هؤلاء القائلين ، لأن الرسول نصب المنجنيق في قتال الطائف ، ومن طبيعة المنجنيق عدم التمييز ، وقتل النبي -عليه الصلاة والسلام- كل من أنبت من يهود بني قريظة ولم يفرق بينهم ، قال ابن حزم في المحلى تعليقا على حديث : عرضت يوم قريظة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان من أنبت قتل ، قال ابن حزم : وهذا عموم من النبي صلى الله عليه وسلم ، لم يستبق منهم عسيفا ولا تاجرا ولا فلاحا ولا شيخا كبيرا وهذا إجماع صحيح منه . المحلى ( 7 / 299 ) . قال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد : وكان هديه -صلى الله عليه وسلم- إذا صالح أو عاهد قوما فنقضوا أو نقض بعضهم وأقره الباقون ورضوا به غزا الجميع ، وجعلهم كلهم ناقضين كما فعل في بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع ، وكما فعل في أهل مكة ، فهذه سنته في الناقضين الناكثين . وقال أيضا : وقد أفتى ابن تيمية بغزو نصارى المشرق لما أعانوا عدو المسلمين على قتالهم فأمدوهم بالمال والسلاح ، وإن كانوا لم يغزونا ولم يحاربونا ورآهم بذلك ناقضين للعهد ، كما نقضت قريش عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- بإعانتهم بني بكر بن وائل على حرب حلفائه.
وفي الختام :
فنحن نعرف أن الغرب الكافر خصوصا أمريكا سوف تستغل الأحداث وتوظفها لصالحها لظلم المسلمين مجددا في أفغانستان وفلسطين و الشيشان وغيرها مهما كان الفاعل ، وسوف تقدم على تكملة تصفية الجهاد وأهله ولن تستطيع ذلك وسوف تحاربهم بدعوى محاربة الإرهاب ، وسوف تقدم على محاربة إخواننا المسلمين في دولة طالبان الأفغانية المسلمة ، هذه الدولة التي حمت وآوت المجاهدين ونصرتهم في الوقت الذي تخلى عنهم غيرهم ، وأيضا لم ترضخ للغرب الكافر.
لذا يجب نصرة هذه الدولة المجاهدة كلٌ بما يستطيع ، قال تعالى﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ وقال تعالى ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى﴾ ويجب إعانتهم بالمال والبدن والرأي والمشورة والإعلام والذب عن أعراضهم وسمعتهم والدعاء لهم بالنصر والتأييد والتثبيت.
وكما قلنا إنه يجب على الشعوب المسلمة نصرة دولة طالبان فكذلك يجب على الدول الإسلامية خصوصا الدول المجاورة لها والقريبة منها مساعدة دولة طالبان وإعانتها ضد الغرب الكافر .
وليعلم أولئك أن خذلان هذه الدولة المسلمة المُحاربَة لأجل دينها ونصرتها للمجاهدين ونصرة الكفار عليها نوع من الموالاة والتولي والمظاهرة على المسلمين ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾. وقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ...﴾الآية، وقال ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾، وقال تعالى ﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ...﴾ الآية وقال سبحانه وتعالى ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ {26} إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾".
- الشيخ الشهيد -كما نحسبه- عبد الله الرشود رحمه الله، الذي قاتل حكومة آل سعود، ثم هاجر للجهاد في العراق، حيث قتل شهيداً رحمه الله، وكان له عطاء متواصل في الجهاد بيده وقلمه ولسانه رحمه الله. ومن ميراثه المبارك سلسلة نشرها في مجلة صوت الجهاد بعنوان (التتار وآل سعود) علق فيها على فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- موضحاً التشابه بين الأحوال التي أفتى فيها شيخ الإسلام وبين أحوال آل سعود، وهي سلسلة قيمة أنصح بقراءتها، ومما جاء فيها تعليقاً على قول شيخ الإسلام رحمه الله: "فالقتال واجبٌ حتى يكون الدين كله لله وحتى لا تكون فتنة ، فمتى كان الدين لغير الله فالقتال واجب". قول الشيخ الرشود رحمه الله:
"هنا ردٌ ظاهر على منظري الهزيمة في عصرنا هذا ، كبعض أدعياء الدعوة والذين يرون أن القتال في سبيل الله – كي لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله – في هذا العصر : أنه هو الفتنة بعينها والمنادين به استجابًة لأمر الله الحكيم دعاة فتنة !! ، ومن إمعان هؤلاء المنظرين في الضلال أﻧﻬم نقضوا كلام الله المحكم بخزعبلات عقولهم المخمورة بسكرة الهوى و ذلِّ الهزيمة ، فيقولون بتبجّحٍ مؤسف : لا تقاتلون ولا تجاهدون أعداء الدين في هذا العصر خشيَة وقوع الفتنة وللإبقاء على ما تبّقى من مكتسباتنا الدعوية ووحدتنا الوطنية !! والله إن هؤلاء لمن أشر طوائف الأمة وأخطرهم على واقعها ومستقبلها حيث ورد في الحديث عن عوف بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ستفترق أمتي على بضعٍ وسبعين فرقة أعظمها فتنًة على أمتي قومٌ يقيسون الأمور برأيهم فيُحِّلون الحرام ويُحَرِّمون الحلال " رواه الطبراني والبزار ، وقال الهيثمي : رجاله رجال الصحيح .
وهاهم أولاء يُقدمون المصلحة التي قد تلوحُ لعقولهم العقيمة فينتحلون المبررات لتقديمها على قواطع النصوص ومبرمات الأحكام َفرَبَتْ ضلالتهم على التاركين لمحكم النصوص المتبعين لمتشاﺑﻬها ، حيث أﻧﻬم أعرضوا عن محكم النصوص ومتشاﺑﻬها جملة ولاذوا بمتشابه العقول والآراء فجاءوا بالطامة الكبرى والفتنة العظمى وقى الله الأمَة شرَّ فتنتهم .
ويُقال لهؤلاء : إن أهم مكتسبات الأمة على الإطلاق توحيدُ الله عز وجل بمعناه الشامل وإن عارض مصالح سلاطين السوء أئمةِ الضلالة، فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول : " ألا إن رحى الإسلام دائرة ، فدوروا مع الكتاب حيث دار ، ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب ، ألا إنه سيكون عليكم أمراء يقضون لأنفسهم مالا يقضون لكم فإذا عصيتموهم قتلوكم ، وإن أطعتموهم أضلوكم ، قالوا : يا رسول الله : كيف نصنع ؟ فقال : كما صنع أصحاب عيسى بن مريم ، نُشِروا بالمناشير وحُمِلُوا على الخشب ، موتٌ في طاعة الله خيرٌ من حياةٍ في معصية الله " رواه الطبراني .
فحقيقة المصلحةِ السعيُ في مرضاة الله وإن كّلفَ ذلك من الخسائر المادية ما كلف فكله مرادٌ لله موافقٌ لحكمته البالغة. ﴿وَلنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِن الخوفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَاْلَأنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾، وليس السعي للحفاظ على المصالح الدنيوية – في نظر المنهزمين- على حساب أحكام الله مصلحًة شرعية معتبرة ، بل هي معصيًة تنذر بحلول عقابٍ عظيم ، ألا ترى عتاب الله لجنده الأبرار إثر معركة بدر يوم أن عفوا عن سبعين من صناديد الكفر مقابل عَرَضٍ دنيوي يفدون أنفسهم به فيأخذه المسلمون قوًة لهم على الجهاد والإعداد كما أشار بذلك أبو بكرٍ رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله على إثر ذلك آيات عتابٍ عظيمة سمى تعالى فيها تلك المصلحة التي لاحت لخير البشر بعد الأنبياء عليهم السلام أبي بكر : عرضًا دنيويًا لا تُعارض به حكمة الله المقترنة بعلمه تعالى بمصالح العباد في الدنيا والآخرة ، فقال تعالى :﴿مَا كَان لِنَبِيٍّ أنْ يَكونَ لهُ أسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأرْضِ تُرِيدُون عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَة وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
ويبكي هذا العتاب رسولنا وأبا بكر ، مع أنه لم يكن في مسألة الأسرى نص قبل ذلك حتى يكونوا مخالفين له ، وإنما مصلحٌة رأوها في نازلةٍ لا نص فيها ثم يعاتبهم الله هذا العتاب المؤثر ؟ فكيف بحال القاعدين أصلاً عن الجهاد والإعداد ؟ وقد فرغوا كثيرًا من جهودهم في سبيل تبرير المصالح الوطنية القومية المزعومة التي لا تمت حسب طرحهم للكتاب والسنة بصلةٍ أبدًا مع معارضتها الصريحة لكليات وقواعد الدين ونصوص الكتاب والسنة والتي استقر عليها فهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إنَّ إرادة إقامة حكم الله كما أمر الله إرادٌة شريفة لا يمكن أن تترعرع في نفوسٍ عششت فيها الهزيمة والهوان والذل والخوف ولذلك يُربّي الله عز وجل أنبياءه وأتباعهم على الاستعداد لتحمّل كل تبعات هذا الطموح الكبير واستصحاب توحيد الله بالخشية والرجاء والتوكل والصبر والتفويض وغير ذلك ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَاَلاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ َأحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ ﴿الَّذِينَ قَالَ لهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ َقدْ جَمَعُوْا َلكمْ َفاخْشَوْهُمْ َفزَادَهُمْ إِيمَانًا وََقاُلوْا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل ١٧٣ َفانَقَلبُوْا بِنِعْمَةٍ مِّنَ الّلهِ وَفضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوْا رِضْوَانَ الّلهِ وَاللّهُ ذو َفضْلٍ عَظِيمٍ ١٧٤ إِنَّمَا َذلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ َأوْلِيَاءهُ َفَلا تَخَاُفوهُمْ وَخَاُفونِ إِنْ كنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿َأَليْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ َفمَا َلهُ مِنْ هَادٍ﴾. وفي قراءة : ( عباده ).
إﻧﻬا أنفسٌ زكية أبيّة لا ترضى بأنصاف الحلول ولا بتجزئة الدين ولا بخلط الطيب بالخبيث ، ولا تطيب لها الحياة والدين ينقص من أطرافه ، بل ومن ُلبّه ، وكما كان أبو بكر رضي الله عنه يحمل هذا الحس النقي حينما قال يوم الردة : " أينقص الدين وأنا حي ؟ ! " الله أكبر ! هكذا فليكن أتباعهم سيرًا على منهاجهم ، إذ كيف تطيب لهم الحياة والدينُ يخترمُ اخترامًا ويُحارب حربًا ؟ ألا نخشى أن يعمنا الله بعقابٍ من عنده إن لم ننتصر له فنبوء بخسارة الدنيا والآخرة ؟ ألم يُخوّف الله نبيه وخليلة وحبيبه لو ركن إلى الظالمين شيئًا قليلاً ؟ كيف نأمن من عقاب مَنْ لا يحابي رسوله ونبيّه صلى الله عليه وسلم لو ركن إلى الكافرين شيئًا يسيرًا وحاشاه أن يفعل بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم ﴿وَلوْلا َأن َثبَّتْنَاكَ َلَقدْ كِدْتَ تَرْكنُ إِليْهِمْ شَيْئًا َقلِيلاً إِذًا َلَأَذْقنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ اْلمَمَاتِ ُثمَّ لا تَجِدُ َلكَ عََليْنَا نَصِيرًا﴾.
فكيف بنا نحن المذنبين المفرّطين لو ركنّا ركونًا كبيرًا وداهنّا في ذات الله مرتدي الزمان وطواغيت الأوطان باسم مصلحة الوحدة الوطنية الجاهلية والحفاظ على مكتسبات الدعوة زعموا !!" .
وقال أيضاً رحمه الله:
" ليس طرح الحل لقضايا الأمة يستلهم من أنظار الرجال وآرائهم بل كفى بالكتاب والسنة هداية من كل ضلالة ودليلا من كل حيرة .وما تعانيه الأمة اليوم من أوجه ضعف يعود إلى جانبين : ديني ومادي . والحل للضعف الديني: الدعوة لتجريد التوحيد الذي يتضمن الكفر بالطاغوت والإيمان بالله بالتفصيل الذي بينه أهل العلم في مواطنه ، والحل للضعف المادي : الجهاد في سبيل الله إذ فيه من المصالح الظاهرة والباطنة لعموم الأمة وخصوصها ما لا يعلمه إلا الله وإن كرهته أعين المتشائمين المتخاذلين ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " قوام الدين بكتاب يهدي وسيف ينصر وكفى بربك هادياً ونصيراً " .
وقال أيضاً رحمه الله:
""الجهاد والإعداد" عملان شرعيّان ظاهران قد بيّن الشرع حكمهما أوضح بيانٍ غنيٍّ عن تعنّتات المتعنّتين الذين يسلكون سنّة ضُلاّل بني إسرائيل في التحايل والتحريف والتقعر في السؤال ، والتهرّب من التكاليف البيّن حكمُها ، وما ذاكَ إلاّ مصداقًا للحديث : "لتتبعُنّ سنن من قبلكم حذو القذّة بالقذّة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه . قالوا : يا رسول الله ، اليهود والنصارى ؟ قال : فمن ؟" ، وتميّزت آيات الجهاد من بين كثيرٍ من آياتٍ أخرى بالنصِّ على إحكام آياته بما لا يدع مجالاً لاحتمال التشابه الذي يتبعه المفتونون ويدعون المحكم الظاهر البيّن ، قال تعالى : ﴿ويقولُ الّذين آمنوا لولا نُزّلت سورة فإذا أُنزلت سورةٌ محكمةٌ وذُكر فيها القتالُ ..﴾ الآية ، وكما قال الله تعالى : ﴿يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الّذين من قبلكم ...﴾ فقد قال ﴿كٌتب عليكم القِتالُ وهو كرهٌ لكم ..﴾.
بل إن النصوص المشنّعة على المتخلّفين عن آحاد الغزواتِ لا تُقارنُ بها النصوص الواردة في أخطاء المُؤمنين في الأحكام الأُخرى ، كالمسيء صلاته ، والمجامع في نهار رمضان ، وشارب الخمر بل نصّ شيخُ الإسلامِ على أنّ "الإيمان منحصر في المؤمنين المجاهدين وأخبر تعالى أنهم هم الصادقون في قولهم آمنا "[الفتاوى ج 28 / ص 461]مستدلاًّ بالآية : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾، وارجع إن شئت إلى كلام أهل العلم في التفسير عند آيات الجهاد ترَ عظمَ شأنِ الجهادِ وأهلهِ ، وسوء حال التاركين للجهاد.
وقد أجمع أهل العلم على أن الجهاد في الجملة يتعيّن في حالاتٍ ثلاثٍ :
إذا استنفر "الإمام المسلم" الذي لم يرتكب ناقضًا من نواقض الإسلام.
إذا حضر الصفّ فلا يجوز له النكوص والتراجعُ.
إذا دهم العدوّ ولو شبرًا من أراضي المسلمين فإنّه يجب على أهل البلد دفعُهُ ، فإن لم يقوموا بذلك أو ضعفوا عنه وجب على من يليهم ثمّ من يليهم ثمّ من يليهم حتّى تتمّ القدرة على دفع العدوّ.
ويلحق بذلك وجوب استنقاذ أسرى المسلمين من أيدي الكفار كما يتعين على شخص بعينه إذا احتاجه المجاهدون لميزة لا توجد عند غيره كالطبيب وطالب العلم ونحوهما.
ولكل مسألة من هذه المسائل تفريعاتٌ لا يتّسع المقام لها ، تجدها في المطوّلات كالمغني وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهما.وعلى فرض أن الجهاد فرض كفايةٍ في وضعنا الراهن حسب زعم البعض فإنّه يُقالُ حينئذٍ : إنّ فرض الكفاية هو العمل الذي إذا قام به من يكفي سقط الإثم فيه عن الباقين ، وعند تطبيق ذلك على الواقع يعلم كل من فيه مسكة من عقلٍ أن جهاد الدفع في العالم الإسلامي اليوم لم يقم به حتّى عشرُ من يكفي ، فما عذرك الشرعيّ يا أخي في ترك جهاد الدفع اليوم الذي لم يختلف في وجوبه وعظم فرضيّته عالمان من علماء الأُمّة خلال الأربعة عشر قرنًا الماضية" .
ولما طلب منه -رحمه الله- توجيه رسالة للشيخ أسامة بن لادن حفظه الله قال:
"- رسالتك إلى الشيخ أسامة بن لادن ( حفظه الله ) :
هنيئاً لك الإمامة التي منحك الله إياها ...
ثبتك الله على الطريق وأقرّ عينك بنصر الإسلام والمسلمين ...
جزاك الله عنّا وعن المسلمين خير الجزاء على ما قدمته للأمة من مشاريع العز ، وما سننته في هذا العصر من تحقيقٍ لمعاني التوحيد والتوكل على الله وحده ، فقد عرفنا من موقفك بجلاءٍ تفسير الحديث النبوي " واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيءٍ لم يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك "
كما قد بينت مواقفك لنا أن شخصاً صادقاً من هذه الأمة المباركة قادرٌ بعون الله على مناجزة العالم أجمع كافرهم ومنافقهم فكيف لو رصّت الأمة صفوفها وجنّدت شبابها كيف سيكون نصر الله لها وتأييده ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ، فبارك الله مواقفك وجعل النصر والتأييد حليفك وأقرّ عينك في جميع صناديد الكفر والنفاق" .
- الشيخ الشهيد -كما نحسبه- يوسف العييري رحمه الله. جاهد في أفغانستان والبوسنة وجزيرة العرب. وقد فتح الله عليه في كلا العلمين العسكري والشرعي، فكان له في كل منهما دروس وتصانيف، وقد قتل شهيداً على أيدي آل سعود. وخلف ميراثاً شرعياً وعلمياً ضخماً، منه كتابه الذي أخرجه بعيد غزوتي نيويورك وواشنطن المباركتين يعنوان (حقيقة الحرب الصليبية). رد فيه على من انتقد الغزوتين المباركتين وفند شبهاتهم. رحمه الله رحمة واسعة.
- الشيخ الشهيد -كما نحسبه- أبو عمر محمد بن عبد الله السيف رحمه الله. شارك في الجهاد الأفغاني ثم في الجهاد الشيشاني في حربيه، وكان له دور في تحريض الرئيس الشيشاني زليم خان يندربي على إصدار عدة مراسيم لتطبيق الشريعة. أسس في الشيشان معهد القضاء الشرعي ومعهد حرس الشريعة، ومارس القضاء، وساهم في تدريب القضاة، ثم أسس معهد الإمام الشافعي. ثم أسس فيما بعد مؤسسة الهدى الخيرية، التي اهتمت بأعمال الخير والدعوة. اهتم بالجانب الإعلامي فأصدر عدة صحف، وأنشأ إذاعة، وسعى في إنشاء قناة تلفزيونية على مستوى القوقاز. ورأس محكمة التمييز العليا في الشيشان. ومن إصداراته كتاب (السياسة الشرعية) وسلسلة محاضرات بعنوان (العراق وغزو الصليب- دروس وتأملات). قال فيها:
" كما يجب على من توفرت عنده القوة استهداف القوات الأمريكية والحليفة المتمركزة في الدول المجاورة للعراق، التي تنطلق من قواعدها لضرب العراق. فإن هذه القوات جاءت لمحاربة الإسلام والمسلمين، ولم تأت معاهدة مسالمة. ودعوى المعاهدات معها كدعوى المعاهدات مع اليهود في داخل فلسطين. كما أن هذه المعاهدات التي تحتوي على فتح القواعد لضرب العراق هي من نواقض الإسلام، والأمة ليست ملزمة بها. كما أن الحكام العملاء لا يملكون تعطيل الجهاد الواجب، فلا طاعة لمخلوق في معصية الله" .
"فإذا جمع أهل الإسلام بين القرآن والسلاح حصل لهم بفضل الله تعالى العزة والقيادة للمسلمين، كما هو الحال في أفغانستان وفي فلسطين وفي الشيشان وفي غيرها، وهذه القيادة لم تتيسر في غير الجهاد في سبيل الله. وبعد سقوط راية البعث في العراق فلم تبق إلا راية الجهاد في سبيل الله أمام راية الصليبيين، فيجب أن تقوى راية الجهاد وتعزز وتنصر، فيجب أن ينفر إلى العراق المجاهدون من الدول الإسلامية حتى تحصل الكفاية في مقاومة القوات الصليبية اليهودية المتحالفة" .
" وأما القوات الأمريكية المتواجدة في بعض القواعد في بعض الدول المجاورة للعراق التي تنطلق منها لضرب العراق، فهذه القوات محاربة وليست معاهدة مسالمة، كما هو مشاهد من جرائم الأمريكان في العراق، وكما هو معلوم من مخططاتهم في تقسيم المنطقة، وفرض النظام الأمريكي عليها. وهذا ما يصرح به كبار المسئولين في الإدارة الأمريكية، ويسعون إليه بفعلهم. فالمعاهد المسالم هو من سلم منه المسلمون وسلم هو من المسلمين، وهؤلاء الأمريكيون لم يسلم منهم المسلمون بل هم حرب على الإسلام والمسلمين.
كما أن المعاهدات التي تحتوي على ناقض من نواقض الإسلام، وهو فتح القواعد لضرب العراق وتلحق الضرر الكبير للمسلمين وتمكن الكافرين من احتلال العراق وما بعدها من الدول الأخرى، وتساعدهم على تنفيذ مخططاتهم الشيطانية في المنطقة، هي معاهدات باطلة من أصلها، وحتى على قول الحكومات العميلة بأن الأمريكان معاهدون وأن المعاهدات صحيحة من أصلها، فإن الأمريكان ارتكبوا أعمالاً معادية للإسلام والمسلمين، تنقض العهد المزعوم الذي تدعيه الحكومات العميلة. فإن مقتضى العهد أن يتجنبوا الاعتداء على المسلمين في دينهم وأنفسهم وأموالهم ومن هذه الاعتداءات والجرائم، التي ارتكبها الأمريكان في حق الإسلام والمسلمين الأمور التالية:-
أولاً:- محاربة الإسلام واستبداله بالديمقراطية الكافرة، وفرضها على المنطقة.
ثانياً:- احتلال بلاد المسلمين وإعادة تشكيل المنطقة من جديد.
ثالثاً:-الاعتداء على المسلمين في أنفسهم وأموالهم وخيراتهم كالنفط.
رابعاً:-مظاهرة أعداء الأمة اليهود على المسلمين في فلسطين.
خامساً:-الطعن في الإسلام والقرآن، وخير المرسلين عليه الصلاة والسلام.
فهذه النواقض يكفي واحد منها لنقض العهد فكيف إذا اجتمعت كلها." .
وقال أيضاً رحمه الله:
"وأما من يمنع من قتال الأمريكان الذين ينطلقون من الدول المجاورة للعراق لضرب العراق بحجة المصلحة مع تسليمه بأنهم محاربون، فعليه أن لا ينظر إلى المكان الذي يعيش فيه فقط، وإلى المصالح المحدودة التي يقوم بها، بل عليه أن ينظر إلى الأخطار المحيطة بالأمة، والحرب الأمريكية الظالمة على المسلمين في العراق وفي فلسطين وفي أفغانستان، وما يتلو حرب العراق من تغيير في خارطة المنطقة وتغييرات في المجتمع والتعليم، وفرض الديمقراطية الكافرة على المنطقة.
والذي يقول على سبيل المثال بحرمة قتل العسكريين الأمريكان في الكويت التي ينطلقون منها لضرب العراق، هل سيقول بمنع قتلهم إذا كانت بلاده هي المستهدفة بعد العراق، أم أن قوله سوف يتغير إذا رأى حقيقة الحرب وتجرع مرارة الخيانة من الأنظمة العميلة، ورأى آلاف القتلى والجرحى، ومحاربة الدين والأخلاق وتدمير البلاد. كما أن هؤلاء الكفار المحاربين إذا شعروا أن ظهورهم محمية في قواعدهم في الدول المجاورة للعراق، سهل عليهم تدمير البلاد المعتدى عليها، ثم إكمال مخططاتهم بالاعتداء على دول أخرى في المنطقة. ولا يخفى أن الضرر العام على الأمة في ترك قتالهم يزيد على غيره من الأضرار" .
- الشيخ الشهيد -كما نحسبه- نظام الدين شامزي رحمه الله. من أكابر العلماء في باكستان، وكان من مؤيدي الشيخ أسامة بن لادن حفظه الله وأصدقائه، زاره مراراً في قندهار، ووقع بالموافقة على الرسالة التي أصدرها وقدم لها الشيخ أسامة بن لادن حفظه الله بعنوان (تحريض الأمة على الجهاد لتحرير الكعبة والمسجد الأقصى- رسالة من علماء المسلمين وقادة العمل الإسلامي)، ووقع معه عدد كبير من علماء باكستان. وتأثر بدعوة الشيخ أسامة لتحرير ديار المسلمين من الوجود العسكري الصليبي واليهودي، حتى أنه بعد أحد لقاءاته مع الشيخ أسامة، التي شرح له فيها توزيع القوات الصليبية واليهودية على خريطة للعالم الإسلامي، ألقى محاضرة مثلها في إسلام آباد لعدد من السياسين وأهل الرأي شرح فيها نفس المعلومات على خريطة مماثلة. وكان رحمه الله شديد الاهتمام بأحوال العالم الإسلامي، وطلب مني مرة أن أرسل له معلومات تفصيلية عن أحوال مصر، فأرسلت له رسالتي (مصر المسلمة بين سياط الجلادين وعمالة الخائنين). وفي كل مرة يزور أفغانستان -رحمه الله- كان لا بد أن يزور الشيخ أسامة، ويطلب منه أن يلقي كلمة في مرافقيه.
وكان للشيخ أسامة اتصال واسع بعلماء أفغانستان وباكستان، وقد وفد عليه منهم المئات، وكانوا متجاوبين معه تجاوباً تاماً في دعوته لتحرير ديار المسلمين من الصليبيين واليهود، وكان يطلب منهم إصدار الفتاوى وجمع التوقيعات عليها لتحريض الأمة على ذلك. وكانت الاستجابة له عظيمة وقوية. وكانوا عظيمي التأثر به، وقد شهدت العديد منهم لا يملك دموعه، ويبكي حينما يذكرهم الشيخ بمسؤوليتهم عن الدفاع عن ديار المسلمين، وعن الدفاع عن الحرمين الشريفين والمسجد الأقصى، ويذكرهم بوصية النبي الأكرم -صلى الله عليه وسلم- وهو على فراش الموت: "أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ" .
ولم يكن التفاف الأعداد الضخمة من العلماء في باكستان وأفغانستان حول دعوة الشيخ أسامة لتحرير ديار المسلمين أمراً عجيباً، فدولة الطالبان هي دولة العلماء وطلبة العلم، وهي تنتمي علمياً للمدرسة الديوبندية الحنفية في باكستان، وللعلماء فيها الكلمة العليا والقول الفصل.
وقد ظهر هذا جلياً في حادثة تحطيم الطالبان لصنم بوذا، فحينما استفتى أمير المؤمنين الملا محمد عمر كبار علماء أفغانستان في شأن الصنم، فأفتوه بوجوب تحطيمه، لم يملك إلا أن يمضي في الأمر، ولما جاء وفد من القرضاوي ومفتي مصر الشيخ فريد واصل وفهمي هويدي والشيخ علي قره داغي ووزير الدولة القطري للشؤون الخارجية لإثناء الإمارة الإسلامية عن ذلك، وحاول الوزير القطري أن يغريهم بأنهم إن نكصوا عن تحطيم الصنم فسيسعى لإعادتهم للمؤتمر الإسلامي، أرسل إليهم أمير المؤمنين بوفد من كبار علماء أفغانستان، فأفحموهم، وعاد مفتي مصر الشيخ فريد واصل، فأثنى في تصريحات له للصحافة على الإمارة الإسلامية وعلى التزامها بالإسلام. وكان من بين وفد علماء أفغانستان مفتيهم الأكبر الشيخ عبد العلي الديوبندي، وقد قابلته بعد ذلك عند زيارتي لوزير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي وزارة لا وجود لها إلا في إمارة أفغانستان الإسلامية. ولما أخبرته أني كنت أشتاق لرؤيته، وأني أستمع لدروسه في الإذاعة، والحمد لله أن يسر الله لي ذلك، نظر لمن حوله وقال لهم: انظروا لما يقول، ونحن الذين نتقرب بهم إلى الله، ولما استئذنا للخروج قام وسلم علي، وقال لي: نحن فداؤكم.
وما سردته آنفاً ليس خروجاً عن الموضوع، ولا شروداً مني، ولكن أمر تعمدته، حتى أبين للقارئ مدى التصاق المجاهدين بالعلماء وخاصة في أفغانستان وباكستان، وأن العلماء كانوا يعتبرون الشيخ أسامة بن لادن -حفظه الله- ابنهم البار والمجاهد المدافع عن حرمات المسلمين، وبالتالي يتبين للقارئ أي ظلم وافتراء يلحق بالمجاهدين إذا اتهمهم أحد أو غمز فيهم بأنهم جهلة وأغبياء وينقلون من كتب السلف ما يسيئون فهمه... إلى آخر الأوصاف التي امتلأت بها ما تسمى بوثيقة ترشيد العمل الجهادي. وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وأعود لحديث المفتي نظام الدين شامزي رحمه الله، فعندما بدأت نذر الحملة الصليبية على أفغانستان بمعونة الحكومة العميلة في باكستان أصدر الشيخ شامزي -رحمه الله- فتواه الشهيرة
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ 
لا معنى لحياتنا إن نحن قبلنا أن نكون عبيداً لأعدائنا .
لا يجوز شرعاً بأي شكل كان لأي دولة إسلامية أو جيش إسلامي أن يشارك في الاعتداء على الإمارة الإسلامية في أفغانستان ، كما لا يجوز لأي دولة إسلامية أن تمنح التسهيلات لاستخدام أراضيها وأجوائها من قبل أي دولة غير مسلمة وهذا محرم شرعاً تحريماً مطلقاً .
إننا نوقن أن هذا وقت عصيب على المسلمين ، وإذا ساند أي مسلم كافراً في حربه ضد المسلمين وقتل الأبرياء منهم ، ومنحهم التسهيلات الأرضية والجوية أو للقضاء على أي دولة إسلامية فإن واجبنا في هذه الحالة أن نساعد أفغانستان وأن نقاتل ضد الكفر ، إننا كمسلمين فإن علينا القيام بواجبنا وإذا قدم أي حاكم لدولة إسلامية مساعدة لدولة كافرة في عدوانها على الدول الإسلامية فإن على المسلمين خلعه شرعاً من الحكم واعتباره شرعاً خائناً للإسلام والمسلمين .
.............
إنني أعلن أنه إذا قام أحد بالعدوان على أفغانستان فإن الجهاد فرض عين شرعاً على كل مسلم في الأرض لقتاله " . أهـ كلامه رحمه الله .
وهي الفتوى التي أشار إليها الشيخ أسامة بن لادن في رسالته لأهل باكستان بمناسبة هجوم قوات برويز على المسجد الأحمر المنشورة في رمضان 1428، والتي أشار فيها الشيخ أسامة -حفظه الله- إلى أنه لا يحسب إلا أن برويز قد قتل المفتي نظام الدين شامزي بسبب هذه الفتوى.
- الشيخ الشهيد -كما نحسبه- مولوي عبد الله والد مولانا عبد الرشيد غازي شهيد المسجد الأحمر بإسلام آباد رحمهما الله. وقد زارنا في قندهار ومكث معنا نهاراً كاملاً ومعه ابنه الشهيد -كما نحسبه- عبد الرشيد ووفد من علماء ومدرسي مدرسته، وقد ألقى أحدهم باللغة العربية قصيدة في مدح الشيخ أسامة حفظه الله، وكان الشهيد -كما نحسبه- المولوي عبد الله شديد الحب والتأييد للشيخ أسامة حفظه الله، وقد طلب منه الشيخ أسامة أن يجمع توقيعات العلماء على فتوى بوجوب جهاد الأمريكان وإخراجهم من بلاد الحرمين وفلسطين وسائر ديار المسلمين، فوعده بذلك. وقد حدثته أيضاً عن أحوال مصر وما يرتكبه نظامها الحاكم من جرائم ضد الإسلام والمسلمين، وأذكر أني أهديته كتابي (الكتاب الأسود- قصة تعذيب المسلمين في عهد حسني مبارك).
- الشيخ محمد يونس خالص رحمه الله. وهو من قادة الجهاد الأفغاني المعروفين، وله شرح على الطحاوية، وكان من المناصرين لحركة طالبان، وهو الذي استضاف الشيخ أسامة بن لادن في جلال آباد. ولما استأذنه الشيخ أسامة في أن يجري لقاءات صحفية، قال له ما معناه: لماذا تستأذنني؟ افعل ما تراه حقاً. وبعد الغزو الأمريكي لأفغانستان أصدر فتوى بوجوب الجهاد ضده، على رغم مرضه وضعفه الشديد.
ب- وأذكر الآن أمثلة من العلماء الأحياء -مد الله في أعمارهم، ونفعهم، ونفع بهم- الذين يستفيد منهم المجاهدون، أو يؤيدون الجهاد والمجاهدين، أو يشاركونهم في جهادهم.
- فأول من أبدأ به هو شيخنا وشيخ المجاهدين؛ الأسد المقيد والليث المصفد وجبل العزة الأشم شيخنا العالم المجاهد الشيخ عمر عبد الرحمن فك الله أسره وعافاه من كل سوء. الذي يصدق فيه قول أحمد شوقي في عمر المختار رحمه الله:
الأسد تزأر في الحديد ولن ترى في السجن ضرغاماً بكى استخذاء
والشيخ عمر عبد الرحمن -فك الله أسره- أشهر من أن أعرف به، فهو يمثل تاريخاً عامراً بالجهاد والصدع بالحق، سجن لمرات وعذب وضرب وحوكم، ثم هاجر ورابط في الثغور وجاهد بلسانه وقلمه وقيادته لإخوانه، إلى أن تمكنت أمريكا من أسره، وطبقت عليه قانوناً لم يطبق منذ الحرب الأهلية الأمريكية، حكم بمقتضاه قاض يهودي عليه بالسجن مدى الحياة، ومارس الأمريكان ويمارسون عليه أشد التضييق، فيحبسونه انفرادياً، ويصف أحواله في السجن فيقول في وصيته التي أرسلها من السجن:
"الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه :-
أيها الأخوة الأجلاء .. أيها المسلمون في جميع أنحاء العالم ..
إن الحكومة الأمريكية رأت في سجني ووجودي في قبضتها الفرصة السانحة فهي تغتنمها أشد اغتنام لتمريغ عزة المسلم في التراب والنيل من عزة المسلم وكرامته ، فهم لذلك يحاصرونني .. ليس الحصار المادي فحسب ، إنهم يحاصرونني حصارا معنوياً أيضا ، حيث يمنعون عني المترجم والقارئ والراديو والمسجل .. فلا أسمع أخبارا من الداخل أو الخارج ، وهم يحاصرونني في السجن الانفرادي فيمنع أحد يتكلم العربية أن يأتي إلي فأظل طول اليوم والشهر والسنة لا أكلم أحدا ولا يكلمني أحد .. ولولا تلاوة القرآن لمسني كثير من الأمراض النفسية والعقلية .. وكذلك من أنواع الحصار أنهم يسلطون علي (كاميرا) ليلاً نهاراً لما في ذلك من كشف العورة عند الغسل وعند قضاء الحاجة ، ولا يكتفون بذلك .. بل يخصصون مراقبة مستمرة علي من الضباط ، ويستغلون فقد بصري في تحقيق مآربهم الخسيسة .. فهم يفتشونني تفتيشا ذاتيا فأخلع ملابسي كما ولدتني أمي وينظرون في
عورتي من القبل والدبر .. وعلى أي شيء يفتشون ؟؟ على المخدرات أو المتفجرات ونحو ذلك ويحدث ذلك قبل كل زيارة وبعدها وهذا يسيء إلي ويجعلني أود أن تنشق الأرض ولا يفعلون معي ذلك .. أيها الأخوة .. إنهم إن قتلوني - ولا محالة هم فاعلوه - فشيعوا جنازتي وابعثوا بجثتي إلى أهلي لكن لا تنسوا دمي ولا تضيعوه بل اثأروا لي منهم أشد الثأر وأعنفه وتذكروا أخاً لكم قال كلمة الحق وقتل في سبيل الله .. تلك بعض كلمات أقولها هي وصيتي لكم ؛ سدد الله خطاكم وبارك عملكم ..حماكم الله .. حفظكم الله .. رعاكم الله، مكن الله لكم .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته أخوكم / عمر عبد الرحمن".
وللشيخ عمر فك الله أسره سجل ماجد من المواقف العظيمة في نصر الإسلام، أذكر منها على سبيل المثال موقفه في محكمة أمن الدولة حين ألقى بياناته الشهيرة على مدى ثلاثة أيام التي جمعها بعد ذلك في كتابه (كلمة حق)، وقد جاء فيها:
"وختاماً: فجريمتي أنني نقدت الدولة، وأظهرت ما في المجتمع من مفاسد ومعاداة لدين الله، ووقفت في كل مكان أصدع بكلمة الحق، التي هي من صميم ديني واعتقادي.
.........................
إنني مطالب أمام ديني وأمام ضميري أن أدفع الظلم والجبروت، وأرد الشبهة والضلالات، وأكشف الزيغ والانحراف، وأفضح الظالمين على أعين الناس، وإن كلّفني ذلك حياتي وما أملك.
أنا لا يرهبني السجن ولا الإعدام، ولا أفرح بالعفو أو البراءة، ولا أحزن حين يحكم عليّ بالقتل، فهي شهادة في سبيل الله، وعندئذ أقول: فزت وربّ الكعبة، وعندئذ أقول أيضاً:
ولست أبالي حين أُقتل مسلماً على أيّ جنب كان في اللّه مصرعي
إنني مسلم أحيا لديني، وأموت في سبيله، ولا يمكن بحال أن أسكت والإسلام يحارب في كل مكان" .
ويقول أيضاً فرج الله كربه:
"أيها المستشار رئيس محكمة أمن الدولة العليا: لقد أقيمت الحجة، وظهر الحق، وبان الصبح لذي عينين، فعليك أن تحكم بشريعة الله، وأن تطبق أحكام الله، فإنك إن لم تفعل فأنت الكافر الظالم الفاسق، لأنه يصدق فيك قول الله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. وليس الحكم بمنته في هذه القاعة ولا في هذه الدنيا، بل الحكم هناك ينتهي أمره في الآخرة يحكم فيها الحكم العدل: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾.
وإننا لا نخشى سجناً ولا إعداماً، ولن نرهب بأي تعذيب ولا إيذاء. ونقول ما قاله السحرة لفرعون: ﴿لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾.
واعلم أيها المستشار أن الله أنزل الحدود ليزجر بها عن الخبائث، فكيف إذا أتاها من يليها؟ وأن الله أنزل القصاص حياة لعباده، فكيف إذا قتلهم من يقتص لهم؟" .
ويقول أيضاً فك الله أسره:
"أيها المستشار، رئيس المحكمة، إن الله يمنعك من الحكومة، وإن الحكومة لا تمنعك من الله، وإن أمر الله فوق كل أمر، وإنه لا طاعة في معصية الله، وإني احذرك بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين.
أيها القاضي المستشار: الحساب من ورائك سوط بسوط وغضب بغضب، والله بالمرصاد" .
وقد كان الشيخ عمرعبد الرحمن قد تصور أن المبادرة التي أطلقها قادة الجماعة الإسلامية من السجن مجرد هدنة، فأيدها في بيان تحت عنوان "وقفوا لله وأوقفوا الله". ولكن الدكتور عمر في أواخر صفر ١٤٢١هـ وأوئل يونيو ٢٠٠٠م أصدر تصريحاً من سجنه، نقلته عنه محاميته لين ستيوارت، ذكرت فيه أن الشيخ عمر يسحب تأييده لمبادرة وقف العنف، لأنها لم تسفر عن أية نتائج إيجابية للإسلاميين، وأضافت ستيوارت على لسان عمرعبد الرحمن: "إنه لم يحدث أي تقدم، فآلاف المعتقلين لا يزالون معتقلين، والمحاكمات العسكرية مستمرة، وعمليات الإعدام لا تزال تنفذ" .
وقد أخبرني الشيخ رفاعي طه -فك الله أسره- أن الشيخ عمر أرسل قبيل تصريح محاميته المذكور أعلاه خطاباً شديد اللهجة للقيادات التي أطلقت المبادرة، ولذلك حرصت تلك القيادات ومحاميها على عدم نشر ذلك الخطاب حتى اليوم.
وجزاء على نقل المحامية لين ستيوارت لتصريحات موكلها عمر عبد الرحمن وجه لها ولبقية فريق الدفاع عن الشيخ مساعد المدعي العام في مدينة نيويورك باتريك فيتزجيرالد خطاباً يخبرهم فيه أنهم ممنوعون من زيارة الشيخ ومن التحدث معه هاتفيا، بعدما عقدت لين ستيوارت مؤتمرا صحفيا – بناء على طلب الشيخ – أعلنت فيه سحب الشيخ لتأييده لمبادرة وقف الأعمال المسلحة في مصر .
كما وجه الشيخ من سجنه نداءين، أحدهما يطالب المسلمين بجهاد اليهود المعتدين على فلسطين، وتتبع مصالحهم في كل مكان، والآخر يناشد المسلمين فيه شن الهجمات على أمريكا وإغراق سفنها وإسقاط طائراتها.
ولذلك وجهت لمحامية الشيخ لين ستيوارت ولمساعده القانوني أحمد عبد الستار ولمترجمه محمد يسري تهمة مساعدة الشيخ عمر عبد الرحمن على إرسال توجيهات إلى أصوليين من زنزانة سجنه، وهي تهمة قد تواجه فيها المحامية عقوبة تصل إلى السجن 40 عاماً .
كل هذا التضييق على الشيخ عمر عبد الرحمن -فك الله أسره- وعلى المعارضين لما يسمى بوثيقة ترشيد العمل الجهادي بينما يقام مهرجان إعلامي لأصحابها، وهم لا زالوا داخل سجون مصر العتيدة. باسم الحرية ومحاربة الإرهاب.
وصدق المتنبي:
وَماذا بِمِصرَ مِنَ المُضحِكاتِ وَلَكِنَّهُ ضَحِكٌ كَالبُكا
- الشيخ مولانا جلال الدين حقاني حفظه الله. العالم العالم المجاهد المقاتل، وقائعه في الجهاد ضد الروس أشهر من أن يعرف بها، ولما قامت دولة الطالبان بايع أميرها، وأصبح من وزرائها، وله مدرسة كبيرة في ميران شاه اسمها منبع العلوم، تعد قلعة من قلاع الإسلام والجهاد، إلا أنها الآن تحت الحصار، ولا زال -حفظه الله- رغم تقدم سنه وضعف صحته يشارك في الجهاد برأيه وتوجيهه، وأبناؤه من قادة المجاهدين. أمد الله في عمره وبارك في صحته، وجزاه عن الإسلام خير الجزاء.
- الشيخ فضل محمد حفظه الله. أستاذ الحديث بالجامعة الإسلامية ببنوري تاون بكراتشي. وهو من محبي الجهاد ومؤيديه، وله تعلق ومحبة ومودة مع الشيخ أسامة بن لادن حفظه الله، وقد زاره أكثر من مرة في قندهار، وقد حضرت إحدى زياراته، وله كتاب نافع ومفيد بعنوان (دعوة الجهاد) بالأردو ومترجم للبشتو. وفيه بحث مفيد في الفصل الثامن من الباب السابع عن جهاد الدفع وجهاد الطلب، وفيه سرد مفيد عن مكائد الإنجليز في تحريض علماء السوء في شبه القارة الهندية لتحريم الجهاد ضد الإنجليز، وأسأل الله أن يوفق الشيخ الفاضل لترجمة الكتاب للعربية لينتفع به قراؤها، وخاصة ذلك الفصل، الذي أشرت إليه، ليعلم القارئ العربي أن مكائد الأمريكان اليوم تسير على نهج أبائهم الإنجليز بالأمس.
- الشيخ عبد القادر بن عبد العزيز فك الله أسره. وله إنتاج جيد قبل أن يتغير حاله، ومن إنتاجه كتاب (العمدة)، وهو كتاب نافع في مجمله، واستفاد منه المجاهدون، وله كتابه (الجامع)، وفيه مباحث مفيدة نافعة، ولكن فيه أخطاء نبهت على بعضها في الملاحظات على منهج الوثيقة، والكمال لله وحده. وانتفاع المجاهدين بما كتب دليل على أن المجاهدين لا يعرفون الحق بالرجال، ولكن يعرفون الحق فيعرفون رجاله. نسأل الله أن يفرج كربه، ويصلح أحوالنا وأحواله، وينجينا وإياه والمسلمين من قهر الظالمين ومكرهم.
- الشيخ محمد ياسر المشهور (بأستاذ ياسر). تخرج من كلية العلوم السياسية في كابل ثم من الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وشارك في الجهاد الأفغاني، وتولى الوزارة عدة مرات في حكومة المجاهدين، ثم اعتزل العمل السياسي لما دبت الفتن بين المجاهدين، وانشغل بتدريس العقيدة الإسلامية في إحدى المدارس الدينية في بشاور ، ولما قامت الإمارة الإسلامية أعلن تأييدها، ولما بدأت نذر الحملة الصليبية على أفغانستان، هاجر لأفغانستان، وسعى للقاء الشيخ أسامة، وصعد إليه الجبل في توره بوره، وحضرت اللقاء في توره بوره قبل الغزو، وقال للشيخ لا مكان لي الآن إلا وسط المجاهدين، وأسأل الله أن يرزقني الشهادة في بيت المقدس، ولما دخل الصليبيون لكابل، تولى النشاط الإعلامي لطالبان، ثم قبض عليه ورحل لسجن بولي شرخي في كابل حتى أفرج عنه مقابل رهائن خطفهم الطالبان، وقد أجرت معه مؤسسة السحاب حديثاً طويلاً، فيه عبر نافعة، ومنها قوله ما معناه إن كثيراً من العلماء قد بلغ درجة الأستاذية في العلم، ولكنه في الإيمان لم يتخط مرحلة المنافقين.
- الشيخ أبو محمد المقدسي فك الله أسره. وفي الحقيقة يصعب علي أن أوجز في التعريف بذلك البحر الزخار من العلم والتصنيف، وتلك العقلية الموسوعية، وذلك الصمود الراسخ في وجه طواغيت العصر. ولكن يخفف عني العبء أنه لا يحتاج لتعريفي، فهو علم من أعلام الدعوة للتوحيد ومعاداة الباطل في زماننا هذا. وقد تشرفت بمعرفته والاستفادة منه في فترات إقامته في بشاور إبان الجهاد الأفغاني. ويكفي المجاهدين فخراً أن من بينهم ذلك العامل العامل، الذي نسأل الله أن يثبته على الحق الذي يرضيه حتى يلقاه. ولضيق المجال عن التوسع فسأورد له هنا نصين من كلامه، الأول عن رأيه في أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والثاني عن التراجعات داخل السجون. فلعل فيهما فائدة في موضوعنا الذي نعالجه.
ففي حواره مع جريدة العصر لما سئل هل أيدت ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر أجاب:
"نعم أيدتها وفرحت بها كما فرح بها كل مسلم يعرف جرائم الأمريكان وإخوانهم اليهود في حق أمته .. وكتبت في ذلك تأصيلا شرعيا مستندا لأدلة الكتاب والسنة وهو منشور في موقعنا تحت عنوان ( هذا ما أدين الله به ) أو (وجوب نصرة المسلمين في أفغانستان وكفر من ظاهر عليهم عبدة الصلبان )".
ولما سئل عن رأيه في أسامة بن لادن أجاب:
"الشيخ أسامة بن لادن إمام المجاهدين في هذا العصر ولا يجادل في ذلك إلا كافر غاظه ما قدمه هذا الرجل من نصرة لدين الله أو منافق متلون له مصالح ومكاسب عند طواغيت الحكام أو جبان جاهل لا يفقه دينه وحقيقة الجهاد فيه أو حاقد حسود يحسد الرجل على ما آتاه الله من رفعه وعزة لرفعه راية الدين" .
وكتب فك الله أسره، وحفظه من كل سوء مقالاً بعنوان (السجن جنات ونار) عن تراجعات الشيخين الفهد والخضير -فك الله أسرهما- في جزيرة العرب، جاء فيه:
"( السجن بلاء إما أن يُثمر أو يَكسر أو يُعكر ) هذه المقولة نردّدها نحن خريجو السجون كما يحلو للبعض تسميتنا وهي مقولة تكرّست من مشاهداتنا في السجون ، ولذلك فهي تصف حقيقة السجن وآثاره المتباينة على من يدخلونه ويعيشون في أقبيته وبين قضبانه ويمكثون في زنازينه ويعايشون ساحات تعذيبه .
ومن لم يعايش ذلك ويعرفه عن قرب فقد يعجب أو يفاجأ بما يصدر عن كثير من رواد السجون من تقلبات أو تصريحات .. أما من عايشه وذاق ويلات بلائه وصنوف الأذى وفنون التعذيب في ساحاته فربما تروّى وتريّث قبل أن يطلق أحكامه على بعض أهله إن بدرت منهم بعض التصريحات العكرة أو حتى المنكسرة ، ويتريّث في متابعة فتاويهم المناقضة لمنهجهم والتي قد تصدر تحت الإكراه ..
فالسجين قاصر الأهلية لمظنة تعرضه للضغظ والإكراه ؛ ولذلك لا يحل أن يحمل المسؤولية الكاملة عن أقواله حتى يخرج من الأسر والقيد فيبين عن أقواله مختاراً دون أي ضغط أو إكراه ؛ ويتأكد ذلك في مشايخ التيار الجهادي لضراوة عداوة الطواغيت لهم وشدة ضغطهم عليهم ... فبدهي أن شدة عداوتهم لمن جرّد سيفه في وجوههم أو حرّض على ذلك ليست كعداوتهم لغيره ..
ولذلك نصحنا كل من زارنا وراجعنا بما صدر عن الشيخ الخضير وناصر الفهد وأمثالهم من المشايخ بعدم الاغترار بما صدر عنهم من الفتاوى أو التراجعات في الأسر أولاً ، والتريث ثانياً وعدم إطالة ألسنتهم في أعراض هؤلاء المشايخ ، والدعاء لهم بأن ينجيهم الله من كيد الطواغيت والتريث إلى أن يفك الله أسرهم..
ولذلك كففنا ألسنتنا عن قيادات الجماعة الإسلامية في مصر لما خرج عنهم ما خرج من تراجعات في السجون تحت مسمى المراجعات ولازلنا إلى اليوم نتحفظ في كلامنا على من لا زال منهم في الأسر ونحفظ لهم سابقة دعوتهم وجهادهم وبلائهم في الله ، بخلاف من قد خرجوا أو كانوا بالخارج أصلاً فقد ساءنا إخلاد بعضهم إلى الأرض وما نسب إليهم من انتكاسات كما ساءنا جداً هجومهم على إخواننا المجاهدين في القاعدة ومبادرتهم بالتبري منهم ، ودعوتهم إلى التوبة مما يقومون به من عمليات جهادية ؛ وكأنهم قد اقترفوا منكراً من الفعل وزوراً ؛ معتمدين في التشنيع عليهم بدعاوى قتلهم للمسلمين واستهدافهم لمكة والمعتمرين ؛ على المعلومات التي تعلنها الحكومات الكافرة ويروجها إعلامها الخبيث ، مع أنهم أنفسهم قد جربوا كذب هذه الحكومات وإعلامها وقد اكتووا بناره من قبل !! وإلا فهل يصدق مسلم عاقل أن مجاهدي القاعدة وأمثالهم من المجاهدين يمكن أن يستهدفوا المسلمين سواء كانوا في الرياض أو جدة أو غيرها ؛ فضلاً عن استهداف المعتمرين في مكة البلد الحرام؟! اللهم إلا إذا كانوا يعدََّون عملاء السي آي إيه والإف بي آي الذين قد طفحت بهم الجزيرة من المسلمين ، أو أنهم يقصدون بالمعتمرين الطواغيت الذين يعتمرون لالتقاط صور يروجونها على شعوبهم وللتضييق على المسلمين في مناسكهم ...أعتذر للقارئ عن هذا الاسترسال ، وأرجع إلى ما كنا فيه...
نعم السجن قد يثمر ثمرات عظيمة عندما يوفق صاحب الدعوة أو المجاهد في استغلاله في طاعة الله وعبادته وحفظ كتابه وطلب العلم ونشر الدعوة ، والاستفادة من تجاربه وتجارب الآخرين ليخرج منه أصلب مراساً وأشد تمسّكاً بدعوته وثباتاً على جهاده ومنهاجه .
وقد يكسر بأن ينقلب المرء على عقبيه فيجعل فتنة الناس كعذاب الله فيبدّل ويغير ويتراجع ويُخلد إلى الأرض بعد أن عرف الحق وأبصره وسار على الدرب وتبيّنه.. فيغدو يُلبس الحق بالباطل وينحاز إلى عدوة أعداء الدين ، وصور ذلك كثيرة ومتنوعة ، نسأل الله العافية والسلامة وحسن الختام ...
وقد يُعكّر.. والمعنى أنه قد يحرف المرء عن الجادة بحسب طبيعة المرء ، فإن كان إلى الشدة أميل انحرف به القيد والكبت والتعذيب إلى الغلو ، ومن كيس هؤلاء خرج الفكر السجوني التكفيري الذي كفّر الخلائق بالعموم والمجتمعات بالجملة ، وصار التكفير عندهم لا يتّبع الدليل بل عبارة عن ردود أفعال انتقامية وتشنجية لا تستثني أحداً إلا من كان على طريقتهم واعتقد معتقداتهم بحذافيرها وإن كانت طبيعة السجين إلى اللين أميل انحرف به إلى التجهم والإرجاء العصري أو التفريط والمداهنة وتتبّع الرخص أو قل زلات العلماء وأخطائهم وتبنيها لا عن قناعة وتفهّم واستدلال ؛ بل لمناسبتها لرغباته وتوجهاته التي مال إليها في ضيق السجن ، وبنات أفكاره التي ارتضاها وانحرف إليها عقله المعيشي لشدة القيد...
هذه كلها آفات عايشنا أهلها ، ونجانا الله تعالى بفضله ومنّه وكرمه وإحسانه وتوفيقه وتثبيته وحده ؛ من أهل الإفراط وإفراطهم وأهل التفريط وتفريطهم..
أضف إلى هذا أن فتنة السجن وأذى أعداء الله فيه تتفاوت تبعاً للبلاد المختلفة وضراوة التعذيب فيها ، وتبعاً لمجاهرة صاحب الدعوة بدعوته وعقيدته الحقة ، وتبعاً لمدى قربه من التيار الجهادي الأشد عداوة للطواغيت ، وأيضاً تبعاً للمراحل التي يمر بها المعتقل ، فأول أيام الاعتقال حيث الحبس الانفرادي والتحقيق المتواصل وساحات التعذيب ومنع الاتصال مع العالم الخارجي ، هذه الظروف أشد من ظروف السجين بعد استقرار أمره ونقله إلى السجن العام ، حيث يتيسر اتصاله بالناس ...
ومعرفة تفاصيل هذا كله ، وفي أي المراحل والظروف صدر ما صدر عن المعتقل يمكن من خلاله تقدير مصداقيته وقيمته..وعلى كل حال يبقى السجن عموماً مظنةً للضغط والإكراه فالسجين ما دام في القيد والأسر فهو عرضة لتقلب ظروفه ونقله وتحويله إلى سجن آخر وتعرضه إلى ضغوط مفاجئة ، وغير ذلك من الأحوال التي يجب مراعاتها والنظر فيها عند تمحيص ما يصدر عن السجناء من فتاوى وتصريحات.. ويتأكد ذلك إذا جاءت مناقضة لنهجهم وسيرتهم الأولى..
أذكر هذا لمن لم يعايش السجون وفتنها ليعرف ويتبصر بحال ما يصدر عن السجين فلا يتعجل بالحكم عليه ، أو يتضرر بتقلباته في السجن أو تراجعاته إذا كان شيخاً أو متبوعاً ، وإن كان الأولى فيمن كان كذلك أن يأخذ بالعزيمة ولو قُطّع ولو حرّق ، وأن يختار القتل والأذى والهوان في سبيل صيانة دينه وعدم التلبيس على الأمة ويتأكد ذلك في حق رموز التيار الجهادي في زماننا لأنهم أقل من القليل والناس تنظر إليهم في خضم الملحمة الدائرة بين الإسلام والكفر ويسمعون ما يقولون ، ولهم في ذلك قدوة وأسوة بمن سبقوهم كالإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية والإمام النابلسي الذي سُلخ جلده ليبدل فتواه في قتال العبيديين المرتدين فلم يفعل حتى قُتل رحمه الله وأمثالهم ممن رفع الله ذكرهم بثباتهم على الحق ..
ولا يغفلوا عن قوله تعالى:  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ 
وليتذكروا دوماً حديث النبي صلى الله عليه وسلم لما شكا له بعض أصحابه أذى المشركين في مكة فقال :(قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ، ويُمْشَطُ بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ، ما يصده ذلك عن دينه ..)رواه البخاري.
ومع هذا فلا بد من اعتبار ما قدمناه حتى لا يبادر المرء بالطعن في إخوانه المبتلين أو التضرر بتصريحاتهم وفتاواهم التي تصدر من وراء القضبان ، بل يتأملها فإن كانت على ما كانوا عليه من الحق من قبل فبها ونعمت وإن تغيّرت إلى الإفراط أو التفريط لم يبادر إلى الثلب والطعن على قائلها حتى يعرف ظروف قوله لها ، وليتريّث حتى يفرج الله عنه ، فإن أصر في السعة على ما قاله في القيد فلكل حادث حديث.. وإلا فقد كفى الله المؤمنين القتال وحفظنا أخانا في غيبته ، فالأصل إحسان الظن بالمسلمين فضلاً عن أنصار الدين ..
وأخيراً فقد قال تعالى : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ فهذه قاعدة من قواعد أهل الإسلام أن الله كتب على نبيه صلى الله عليه وسلم الموت  إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ  ولم يُعلّق دينهم بحياته ووجود شخصه بينهم ، وإنما علّق قلوبهم به سبحانه الحي الذي لا يموت وبدينه وكتابه الذي لا يغسله الماء ، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فمن تعلق به فقد استمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها ، وإذا كان ذلك كذلك بالنسبة لشخص النبي صلى الله عليه وسلم أعز الخلق وأحبهم إلى المسلمين ، فغيره من البشر الذين قد تطرؤ عليهم إضافة إلى طوارئ الموت أو القتل ؛ طوارئ الردة والتغيير والتبديل من باب أولى أن لا يعلق المسلم دينه بأشخاصهم ، والأصل فينا أهل الإسلام عموماً ودعاة التوحيد وأهل الجهاد على وجه الخصوص عدم التقليد ، وعدم قبول قول القائل إلا بدليل شرعي..
قال تعالى لنبيه:  قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ  وقال سبحانه:اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء ودين الله غني عن العالمين  إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ  ولو شاء الله لانتصر من أعدائه بغير أنصار ورجال، ولكن ليبلو بعض الناس ببعض ويتخذ من المؤمنين شهداء. وهذه الهزّات يتميّز بها أهل الثبات عن أهل الذبذبة والإرجاف..الظانين بالله ظن السوء الذين لا يزيدون الصف إلا خبالاً ، فمن كان ينتظر مثل هذه الهنّات ليعلّل بها تخاذله ومفارقته للقافلة وتركه الصف ، فأبعده الله وسيزداد الصف ببعده تماسكاً ورصّاً وثباتاً..  مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ  فمن كان يعبد المشايخ الخضير أو ناصر الفهد أو أبا قتادة أو المقدسي أو غيرهم فإن المشايخ غير معصومين ولا تؤمن عليهم الفتنة ، ومن كان يعبد الله فإن دين الله ثابت راسخ معصوم لا يعتريه التبديل ولا التغيير إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ  ومن علم الله منه خيراً وصدقاً ثبته وعصمه ، ومن علم منه غير ذلك صفى الصفوف ونقاها منه ومن أمثاله بمثل هذه الهزات..
 وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ " .
- الشيخ أبو قتادة الفلسطيني فك الله أسره. الشيخ أبو قتادة من الأعلام الشامخة والعلماء الموسوعيين، وممن أحسبُهم -والله حسيبُه- من الرموز الثابتة على الحق، لا تهزها المحن، ولا تزعزها الزعازع. هاجر ورابط وألف وصنف وخطب، وتصدى للبدع والأهواء وأهلها ولطالما كشف عوارها وهتك أستارها، جزاه الله خيرا وثبّته على الحق، وفوق كل ذلك جهر بالحق الصراح في وجه الباطل المتبجح، وعرض حياته وأمنه ودنياه وأهله للخطر قرباناً لكلمة الحق التي تراق في سبيلها الدماء، وترخص في نصرتها المهج. وأحسبه يتمثل مواقف الصادعين بالحق في تاريخنا من الحسين بن علي -رضي الله عنهما- إلى عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما- إلى ابن الأشعث وسعيد بن جبير وإبراهيم الصائغ وحطيط الزيات وأحمد بن حنبل وأحمد بن نصر الخزاعي وإمام مجاهدي مصر محمد عبد السلام فرج، الذي رفض أن يتحدث أثناء محاكمته عن التعذيب الرهيب، الذي ناله على أيدي كلاب المباحث المشرفين على إصدار وتوزيع وتسويق ما يسمونها بوثيقة الترشيد، وقال: إننا احتسبنا ما قدمناه عند الله، رغم أني كنت أسمع صرخاته في سجن القلعة، وهم يعيدون كسر فخذه المكسور، والذي كان يحمله الجنود للخلاء في السجن الحربي، وهو يردد ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾، وخالد الإسلامبولي الذي صاح في وجه القاضي العسكري: نعم أنا قتلت فرعون مصر، وأبي مصعب الزرقاوي الذي كرر مقولة الصديق الأكبر رضي الله عنه: "أينقص الدين وأنا حي". أحسبه يتمثل مواقف هذا الموكب المبارك، وهو يصبر ويصابر ويرتفع قدره في الدنيا والآخرة بإذن الله. حتى أنه -عجل الله فرجه- له سلسلة بعنوان (علماء ولكن شهداء). فهنيئاً لك يا أبا قتادة هذا الشرف، وجزاك الله عن الإسلام خير الجزاء.
وإني هنا في مقام الإيجاز أقتطف بعض أقواله المشرقة بالحق في وجه الباطل المتلبد:
يقول في مقالة ذكية بعنوان (العولمة وسرايا الجهاد):
" شرط العولمة الذي لا تتخلى عنه تدفق حر لرؤوس الأموال ليسهل حملها دون موانع قانونية أو أخلاقية، وهي بلا شك صورة لا تختلف أبداً عن تلك السفن التي كانت عند الغازي القديم حين يأتي الى بلادنا ويخرج بها وهي محملة بكل كنوز الآباء والأجداد وإرث الأجيال.
..........................
عندما نتكلم عن رفاهية وثراء فلا بد من سؤال طبيعي من أين لنا هذا وما هو مصدره؟
....................
نعم هم لن يسألوا ولن يستعرضوا شيئاً من ذلك كله لأنهم ان تكلموا حينها سينقلب كل هذا العرض الجميل إلى موقع جديد آخر فيه الفقر والدم والاضطرابات والصراعات والوحشية وحينها نعلم أن وراء هذه الصور حرب دائرة بكل معنى الكلمة.
...........................
فحين تجابهك صورة العالم بقاراته الخمس حسب تقسيماته الجغرافية الجديدة والمقصودة وتمعن النظر فتجد ان ما يقال له قارة أوروبا هي في مساحتها تعادل بلداً أفريقيا واحد هو السودان، فإذا وضعت هذه المعلومة كصورة خلفية أمام مجموعة الأرقام الاستهلاكية ومعدل الرفاهية تدرك كم ضحكوا عليك في لعبة عرض الدمى والصور الباهرة.
..............................
ضع هذا كله أمام كأس نفط وكسرة خبز كل ما يقولونه عن الاستهلاك وابداعاته وجوانب الثراء في كفة مقابل كفة مغيبة هي النفط والخبز.
فما يحدثونك عنه هو ما يعنيهم وما يسترونه هو ما يعنيك.
كل ما يقولون هو ممارستهم ومنهم ولهم لكنهم أبداً لن يحدثوك عما عندك وما تحت قدمك.
كل حروب العصر قامت على هذين الأمرين أو ما تعلق بهما وكل ما سيحصل من حروب أنت تشهد بعضها أو بعض مقدماتها تدور حول مصدر حياتهم عيشهم وهنائهم.
وحين نستعرض هذه المادة العجيبة وهي النفط نجد أن حضارة القرن كلها تقوم عليها.
.................................
ومنذ اكتشافه وهو يعد شريان الحياة في الغرب،وهو مستعد أن يدمر ويقتل في سبيل تأمينه.
.......................
ما الحل إذا؟
الحل شرعاً وقدراً هو الجهاد، والجهاد هو القتال بتفسير كل كتب الفقه له، دون زمزمة أو تلكؤ.
هذا الحل الرباني والذي يمكن لنا أن نهرب منه تحت دعاوى كثيرة نخفي تحتها: عظمة التكاليف التي نخاف منها، وعقمنا المتجذر في إبداع أدوات الصراع.
أمتنا بحاجة لفقيه ولا شك يعرفها حكم الله تعالى في النوازل والحوادث لكنها بحاجة أكثر إلى من يقودها في تحقيق هذا الحكم على أرض الواقع.
الجهاد يعني القوة لأن العالم تحكمه القوة.
الجهاد يحتاج الى إبداع لأن العالم سبقنا بأشواط بعيدة وكثيرة في تجذير أمراضنا ومعالجة أخطائه أولاً بأول.
الجهاد يعني الدم والقتل والتشريد والسجن وكل أنواع البلاء لأنه أقصى حالات الصدام الذي تعرفه البشرية في صراعاتها فلا يجوز لنا أن نجعل النتائج المرحلية لهذا الجهاد دليل خطئه، وبالتالي البحث عن البدائل.
.......................
إيه يا ابن لادن كم عريت مفكرينا وقادة الفكر في العمل الاسلامي.
أواه عليك أيها الاسلام العظيم حين حملك أقزام يرضيهم بدل دخول البيت الأبيض وقصر الاليزيه أخذ رخصة لدرس في مسجد أو أخذ أذن لجمعية خيرية.
.....................
يا أهل النظر والفكر والفقه في أمتي:
اعلموا أنه ينتظركم الكثير من الأسئلة لتجيبوا عليها، يسألها شباب الاسلام لكم.
تقولون نجاهد..كيف نجاهد؟
أليس الجهاد يحتاج الى تنظيم وادارة؟ علمونا كيف نفعل هذه الأمور.
حلت بنا أزمات فعلمونا كيف نبدع المخارج في حلها ونخرج منها ونصمد أمامها بالتخطيط.
علمونا كيف نعسكر الأمة لأيام كريهة وسداد ثغر.
هذا ما نحتاجه منكم اليوم، فإن عجزتم عن تقديم هذا فلنا طلب وحيد منكم هو أن لا تسرفوا في استخدام الورق والحبر وطباعة الكتب المسروقة والمكرورة.
وإن وصلكم دخان المعارك وضجيجها فقولوا: ليس هذا فننا.
ولا تنسوا الدعاء لأهلها، وامسكوا ألسنتكم عن اللوم والتقريع.
بوركت يا ملا الخير محمد عمر مجاهدا.
بوركت يا أبا عبد الله ابن لادن.
بوركت يا أيمن الظواهري.
بوركت أبا حفص المصري ورحمك الله تعالى.
بوركت أبا عبيدة البنشيري ورحمك الله تعالى.
بوركت يا خطاب ورحمك الله.
بوركت محمد عطا وسراياك المباركة ورحمكم الله تعالى.
بوركتم يا كتائب القسام في فلسطين.
بوركت جماعات الجهاد التي تبذل جهدها لحل معضلاتنا.
بوركتم فقد أجبتم عن بعض أسئلتنا وما زلنا بحاجة للمزيد" .
وقال في حديث للشرق الأوسط:
".* هناك الكثير من الاتهامات تكال لكم اليوم بأنكم الذين تدعون للجهاد عطلتم العمل الإسلامي وأفعالكم أضرت بالمسلمين وخاصة ما فعله بن لادن في أميركا في 11 سبتمبر؟
ـ لكل إنسان ميزان خاص به في الحكم على الحوادث ولسنا ملزمين أن نفعل ونقول ما تحكم به موازين الناس، فما نفعله ونقوله إنما نحتكم فيه إلى الشرع والدين ومصلحة الإيمان فقط، وبالتالي ليحاكمنا هؤلاء بهذا الميزان ونرى هل ربحنا أم خسرنا، وما يعدونه خسارة لا نعده الا ألما فقط وأذى كما هو بنص القرآن، فليس الموت في سبيل الله والسجن والبلاء والفقر إلا ألما وأذى، كما قال تعالى: «لن يضروكم إلا أذى»، وقال تعالى: «يألمون كما تألمون»، وهذا سبب مغفرة الذنوب ورفعة الدرجات وبالتالي ليس خسارة، ولكني أعتبر أننا نعيش في نصر، نصر الإيمان والدين ودخول الناس في الدين وارتفاع الثقة بهذا الدين والتصاق الناس بما أمر الله تعالى، وكشف الحقائق على ميزان الشرع. كل هذه القضايا هي النصر كما قال تعالى «إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً»، فعد ربنا النصر والفتح بما يقع من دخول الناس في دين الله، وكل المعارك السابقة كان الناس يخرجون من الدين، ويتحولون الى مناهج جاهلية، إلا في هذه المعركة فقد انحاز الناس للدين، وبحمد الله صار أهل الإسلام ورجالهم هم رموز الحرية والبطولة في العالم أجمع وهذا لا يكون من غير ضريبة، وضريبته هو الألم والأذى.
تبقى قضية ذهاب دولة الإسلام في طالبان وما فيها من خيرات، فأقول نعم هذه ولا شك خسارة، ولكن الحكم للعواقب، وما زالت المعركة دائرة وفي سطورها الكثير مما لم يكتب، ثم قد علم القاصي والداني أن مشروع حكام أميركا ضد طالبان ليس وليد أحداث «الغزوات في نيويورك وواشنطن» بل قبل ذلك بكثير.
وما زلنا نؤمن بقوله تعالى: «والعاقبة للمتقين»، والأيام دول، وهذا لا يوقفه لا قوة الغاب ولا تخطيطه ولا كل أمنه واستخباراته.
ثم بقيت كلمة مهمة أقولها لهؤلاء الذين يتهموننا بهذا الاتهام أنتم لا تريدون أن تحاكمونا للشرع في ميزان الربح والخسارة، فلماذا لا ترضون أن تحاكمونا لميزان الواقع المتفق عليه بين البشر، فماذا صنعتم أنتم؟ ومن يستطيع منا أن يثبت صواب منهجه على أرض الواقع؟ أظن لو فتحنا هذا الباب لرأينا المخازي والقبائح في صفوف خصومنا، ولرأينا البركات والخيرات في صفوف جماعات الجهاد.
ولولا مخافة أن يعد البعض الكلام في الخصوم وسقطاتهم الشرعية والخلقية من قبيل التعيير المذموم لقلنا لهم الكثير في رد دعواهم وكشف فساد مناهجهم من خلال واقعهم الواضح الجلي.
* هل تعني أنه لا يوجد أي مساوئ في ما وقع في أميركا من هجمات إرهابية وخاصة بعد مرور عام وأكثر عليها؟
ـ كل أعمال البشر يختلط فيها الحسن والقبيح، والسيئة المطلقة والحسنة المطلقة ليس لهما وجود في هذه الدنيا بل هما من أعمال الاخرة، فالحسنة المطلقة في الجنة والسيئة المطلقة في النار، وما وقع في أميركا من أعمال «جهادية» فيها الحسنات والسيئات ولكن العبرة بالأغلب فيهما وهل كونها شرعية أم لا، أما كونها شرعية فقد كتب في شرعيتها جماعة من العلماء والشيوخ وأنا كذلك كتبت فيها، وأما من جهة المصلحة والمفسدة فحسناتها أعظم وأكثر، وإلى الآن الواقع يشهد على هذا، لكن لها سيئات ولا شك، وأعظم سيئة لها فيما رأيت هو إفسادها لأمزجة المسلمين وذلك لعظمتها وقوتها، فما وقع هو شيء كبير وعظيم، وبالتالي الناس لم يعودوا يهتمون للأعمال الجهادية التي هي أقل منها، فمثلا ما وقع في إندونيسيا لو وقع قبل الأعمال الجهادية في أميركا لكان فرح الناس واهتمامهم به عظيما لكن نرى أن الاهتمام بها قليل، لأن صورة سقوط البرجين في نيويورك صورة أشبه بالحلم الذي سيتصاغر له الكثير من الأعمال لمدة طويلة من الزمن، فمن مساوئها إفسادها لأمزجتنا وأمزجة الناس ولن تصلح هذه الأمزجة إلا بزوال أميركا وبعدها دولة اليهود.
.........
* ابو قتادة أجاب مرات كثيرة وهو يعمل في العلن أنه ليس من تنظيم «القاعدة» على الرغم من اتهام دوائر الاستخبارات بأنك الزعيم الروحي لها في أوروبا، فهل ما زلت تقول نفس الكلام الآن وأنت متخف؟
- قلت في العلن ما هو صدق وأقوله اليوم وغدا، أنني لا أنتمي لتنظيم ولكني أعمل بما يعلم إخواني مع كل من عمل لدين الله تعالى، وتنظيم «القاعدة» اليوم في نظر أميركا والدوائر الأمنية ومن تبع أميركا من الدول وهم الكثير إن لم يكن كل الدول هو كل مسلم آمن بالقرآن والسنة على فهم السلف وآمن بالولاء والبراء والجهاد في سبيل الله، فحين يقال للمرء أنت من تنظيم القاعدة على أساس هذه المبادئ فلا يسعه أن ينكر هذه التهمة، لأن رفضه لها هو رفض للإسلام نفسه.
لم تبق أميركا أحدا من أهل الإسلام لا يعاديها وخاصة بعد أن أعلن دهقانها الأكبر أن القدس عاصمة للدولة المسخ دولة اليهود.
يشرفني أني عدو لأميركا ودولة يهود وكل من والاهم ولكل حكام الردة، وأتمنى أن أموت على هذا والولاء بيني وبين المسلمين أوثق واقوى من اي تنظيم وحزب والحمد لله رب العالمين" .
- الشيخ عبد الله ذاكري. رئيس اتحاد علماء أفغانستان. وللشيخ شخصية قوية ومهابة وسط الأفغان عامة وطالبان خاصة. رغم أنه لا يتقلد أي منصب رسمي. وله بالشيخ أسامة بن لادن مودة وعلاقة، وقد أصدر فتوى من اتحاد علماء أفغانستان بوجوب إخراج القوات الصليبية من جزيرة العرب.
- الشيخ حسين عمر بن محفوظ. عالم اليمن المشهور، وله رسالة في دحض الاعتراضات على غزوتي نيويورك وواشنطن بعنوان (التأصيل الشرعي لأحداث أمريكا).
- الشيخ ناصر بن حمد الفهد فك الله أسره. من العلماء الصالحين -نحسبه كذلك- ومن أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدع بالحق والجهادِ في سبيل الله، وقد نصر المجاهدين كثيرا، وله عدة كتابات نافعة وتحريرات رائقة في مسائل مهمة، يمتاز بقوة العلم والتحقيق والصراحة، من كتبه (التبيان في كفر من أعان الأمريكان) و(التبيان-2. الحملة الصليبية في مرحلتها الثانية؛ حرب العراق) و(حكم استخدام أسلحة الدمار الشامل ضد الكفار)، وبحسب الأخبار فإنه بحمد الله لازال في السجن ثابتا متمسكا بالحق صابراً محتسباً، وقد صحَّ عندنا تراجُعه عن تلك الحلقة التلفزيونية (التي حقق معهم فيها المحققُ عائض القرني)، والتي كان الشيخ وزملاؤه المشايخ تأولوا فيها أنهم مكرهون وأنهم يسعه قول ما تريده الحكومة وقد وعدتهم بإطلاق سراحهم بعدها، ولم تفعل..!! وقال : لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما سلمتُ نفسي للمباحث ولقاتلتُ حتى أقتل، وصدرت عنه من السجن بعض الرسائل الدالة على ثباته، نسأل الله لنا وله وللمسلمين الثبات على الحق وحسن الخاتمة.
قال في مقالة له بعنوان (آيات الرحمن في "غزوة سبتمبر"):
"وقد يقول آخر: وما النصر الذي حصل بهذه الضربة؟!
فالجواب: لو لم يحصل من النصر إلا قلب تاريخهم، وموازينهم، ودراساتهم الاستراتيجية، والعسكرية، ونظامهم الدولي، رأساً على عقب لكفى به! فالغزوة شكلت منعطفاً تاريخياً عظيماً، أعاد تشكيل كثير من الأفكار والدراسات
............................
وتظهر عظمة هذا الحدث من خمس نواحي:
الناحية الأولى: أنه أعاد الإسلام إلى الواجهة في الحروب مع الكفار، بعد أن كانت القوميات والوطنيات والمصالح هي المحرك للحروب والصراعات، فأخرجت بذلك العداء الصليبي من الكمون إلى الظهور، ومن القوة إلى الفعل.
والناحية الثانية: أنها أبرزت الدور العظيم للجهاد في قلب الموازين العالمية.
والناحية الثالثة: أنها أنهت فكرة تحكم (الدول القومية) في (السياسات) و إعلان (السلم) و (الحرب)، فإدارة هذا الصراع بيد من ليس لهم انتماء قومي وطني معين، بل ينتشرون - كما يقول الأمريكان – في أكثر من ستين دولة، ولا يجمعهم غير الإسلام السلفي الجهادي أو ما يسمونه ب(الوهابي!)، بل إن السرايا الأربعة التي ضربت أمريكا يقودها أربعة رجال لا تجمعهم (دولة قومية واحدة)؛ فأحدهم من الكنانة، والثاني من الخليج، والثالث من الشام، والرابع من الحجاز.
والناحية الرابعة: أنها جعلت عصر ضرب أمريكا لمن شاءت من المسلمين بدون أي عقاب يولي بلا رجعة إن شاء الله.
والناحية الخامسة: أنها بداية السقوط لفكرة (النظام العالمي الجديد)، والذي لم يهنأ الأمريكان به إلا سنوات معدودة، وهي بداية السقوط الكلي لأمريكا إن شاء الله.
...............
ولا يزال مسلسل الرعب مستمراً، ونحسب أن هذا كله من إبرار الله سبحانه لقسم شيخ المجاهدين أبي عبد الله - نصره الله - بأن لا يهنأ الأمريكان بالأمن؛ فإن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره!
.............
الآية السادسة: قول الرسول صلى الله عليه وسلم – بالمعنى – (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك):
ومن يجادل في عظمة هذه الآية؟
فإن الشيخ المجاهد أبا عبد الله أسامة بن لادن حفظه الله ونصره اجتمعت عليه الأمم من أقطارها، على اختلاف أديانهم، وألوانهم، من صليبيين، ويهود، وهندوس، وبوذيين، ومنافقين، وخونة، وغيرهم، في مشارق الأرض، ومغاربها، بجميع ما بأيديهم مما بلغته علومهم، من الأسلحة، والطائرات، والأقمار الصناعية، وأجهزة التجسس، والمراقبة، ومع أن صورته انتشرت في الأرض انتشار النار في الهشيم، فصار يعرفه القاصي والداني، والصغير والكبير، والمسلم والكافر، والرجل والمرأة، ومع هذا كله لم يعثروا له على أثر، ولا وقفوا له على خبر، ولا يدرى تحت أي سماء هو؟! نسأل الله سبحانه أن يحفظه منهم، وأن ينصره عليهم، وأن يقر عيوننا بهزيمة أمريكا وأحلافها!" .
- الشيخ عبد الحكيم حسان. وله تاريخ طويل في الهجرة والرباط والجهاد واعتقل في مصر وعذب وصبر. تخرج من كلية التجارة، ثم من كلية أصول الدين بالأزهر، وله مجهود علمي وتعليمي غزير، ومن انتاجه كتاب (التبيان في أهم مسائل الكفر والإيمان) في ثلاثة أجزاء، وكتاب (الجهاد في سبيل الله- آداب وأحكام) في جزئين، وكتاب (هداية المجاهدين إلى وصية النبي الأمين)، وهو كتاب في شرح وصية النبي -صلى الله عليه وسلم- بالسمع والطاعة لأولياء الأمور. وقد هاجر لأفغانستان مرتين الأولى في وقت جهاد الروس، والثانية في عهد الإمارة الإسلامية، وكان مشرفاً على مجلة (معالم الجهاد)، وهي مجلة علمية فصلية كانت تصدر عن جماعة الجهاد، وأنشأ مركز صلاح الدين للدعوة، مع دروسه التي لا تنقطع في الثغور والجبهات، ولما شنت أمريكا غزوها الصليبي على أفغانستان رابط وسط المجاهدين يعلمهم ويفتيهم ويقضي بينهم، وللشيخ موقع على شبكة المعلومات به إصداراته القيمة وفتاويه. نسأل الله أن يبارك في عمله الصالح وفي صحته وعمره، وأن يرزقنا وإياه والمسلمين الثبات على الحق وحسن الخاتمة.
- الشيخ أبو الحسن القاري. قارئ المجاهدين وإمامهم. تخرج من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وهاجر لباكستان وقت الجهاد ضد الروس، وشارك في المعسكرات والجبهات، وعمل مدرساً بمعهد الأنصار، بالإضافة لجهده التعليمي وسط المجاهدين في الدورات المتعددة، وبعد ضغط الحكومة الباكستانية على المجاهدين هاجر لليمن وعمل بالتدريس، وتولى الإشراف على المعاهد في جمعية الحكمة، ثم ضايقته الحكومة اليمنية، فهاجر لأفغانستان في عهد الإمارة الإسلامية، وكان غالب وقته خيراً وبركة في التعليم والتدريس في الجبهات والمضافات، ونظم دورات في اللغة العربية لمسؤولي الإمارة الإسلامية عقدها بوزارة الخارجية، وأشرف على إصدار مجلة المجاهدين التابعة لجماعة الجهاد، وأشرف على المناهج في مدرستي العرب في كابل، وطلب منه الشيخ أسامة بن لادن أن ينشأ معهداً للغة العربية في كابل، فشرع في تجهيزه، ولكن لم يمكنه الغزو الصليبي من إتمام المشروع. وله باع وافر في القراءات والعربية، مع سماحة وبشاشة وحسن خلق، ورزقه الله القبول بين الخلق، وله كتاب متوسط في التجويد بعنوان (البرهان في تجويد القرآن).
والشيخان عبد الحكيم حسان وأبو الحسن المصري من أصدقاء العمر ورفقاء الدرب، أكرمني الله بمعرفتهما ومرافقتهما على درب الهجرة والجهاد، واستفدت كثيراً من نصائحهما وتوجيههما، أسأل الله أن ينفعني بدعواتهما.
- الشيخ أبو المنذر الساعدي فك الله أسره. أحد أعيان الجماعة الإسلامية المقاتلة بليبيا. هاجر لأفغانستان في وقت جهاد الروس، ثم في عهد الإمارة الإسلامية، وسلمته أمريكا لليبيا في حربها على الإسلام التي تسميها الحرب على الإرهاب، وله إنتاج علمي ودعوي مشكور، ومن إنتاجه كتاب (خطوط عريضة في منهج الجماعة الإسلامية المقاتلة في ليبيا) و(الجمعة- آداب وأحكام) و(وبل الغمامة في أحكام الإمامة).
- الشيخ أبو يحيى الليبي. وهو الذي ذكرته من قبل عند ذكري لرده على ما ورد في كتاب الجامع لكاتب وثيقة الترشيد من أن من لم يكفر أعيان الطواغيت عيناً فهو كافر، لأنه خالف إجماع الصحابة القطعي، فرد عليه الشيخ أبو يحيى في كتابه الأصولي القيم (نظرات في الإجماع القطعي). والشيخ أبو يحيى الليبي من المهاجرين المجاهدين المرابطين، هاجر لأفغانستان إبان الجهاد ضد الروس ثم في عهد الإمارة الإسلامية، وألقي القبض عليه في باكستان في بداية الحملة الصليبية على أفغانستان، وسجن في قاعدة باجرام قرب كابل، ثم من الله عليه بالفرار من السجن، ولحق بالمجاهدين، ولا زال حتى اليوم يجاهد ويعلم ويدعو، وله إنتاج وافر من الكتب والرسائل والمقالات الرصينة، من ذلك كتاب (نظرات في الإجماع القطعي) و(التترس في الجهاد المعاصر) و(إقامة الحدود في دار الحرب) و(نثر الجواهر في مناقشة المعترض على تفجيرات الجزائر) و( دفع الرين عن عصابة آسري الكوريين). مع نشاطه الدعوي المتواصل، نسأل الله أن يبارك فيه وينفعه وينفع به.
- الشيخ أبو الوليد الفلسطيني. من أرباب السيف والقلم العالم العامل المجاهد المهاجر المرابط. أستاذ المجاهدين ومربيهم ومفتيهم وقاضيهم، هاجر لباكستان إبان الجهاد ضد الروس، ومع مشاركته في الجهاد تلقى العلم على يد العديد من علماء باكستان، ثم هاجر مرة أخرى لأفغانستان إبان حكم الإمارة الإسلامية. ولا زال حتى اليوم في هجرة ورباط وجهاد وتصنيف وتدريس، ومن كتبه (سل الحسام لإبطال دعوى لا جهاد إلا بإمام).
- الشيخ أبو عبد الله المهاجر. من المهاجرين المرابطين المجاهدين. تخرج من الجامعة الإسلامية في إسلام آباد، ورابط في أفغانستان، وأنشأ مركزاً علمياً دعوياً في معسكر خلدن، ودرس في مركز تعليم اللغة العربية في قندهار، ثم بين المجاهدين في كابل ثم في هيرات، وله كتاب عن مسائل الإيمان، لا يحضرني اسمه.
-الشيخ أبو حفص الموريتاني؛ الدكتور محفوظ ولد الوالد العالم العامل المجاهد الشاعر الأديب المربي. شارك في الجهاد الأفغاني ضد الشيوعيين، ثم هاجر للإمارة الإسلامية في أفغانستان، أسس مركز تعليم اللغة العربية في قندهار، وأشرف على إصدار مجلة (الطالب) العربية الناطقة باسم الإمارة الإسلامية في أفغانستان، من المقربين من الشيخ أسامة بن لادن ومن أهل مشورته، وللشيخ أسامة اهتمام خاص بقصائده يلقيها في المناسبات والاجتماعات. وبالإضافة لأعبائه التنظيمية والإدارية كان الشيخ مشرفاً على برامج التوعية الشرعية في المعسكرات. كما شرع بعد موافقة الإمارة الإسلامية وبتشجيع من الشيخ أسامة بن لادن في تأسيس كلية الشريعة في قندهار، ولكن الحرب الصليبية على أفغانستان لم تسمح له بإكمال مشروعه، وله كتاب (العمل الإسلامي بين دواعي الاجتماع ودعاة النزاع)، قدم له الشيخ أسامة بن لادن، والشيخ كما يتضح من عنوان كتابه من دعاة الوحدة والتجمع بين المسلمين، وكان له فضل كبير في تشجيعي وإخواني على انجاز الوحدة بين جماعة الجهاد وجماعة القاعدة، نسأل الله أن يبارك في عمره ومجهوده، ويجزيه عنا خير الجزاء.
وقد هاجر لأفغانستان في عهد الإمارة الإسلامية عدد من المشايخ وطلاب العلم من موريتانيا، وكم تمنيت أن أشير إشارات لفضلهم وعلمهم وحسن خلقهم وكرمهم، ولكن أخشى أن يتسبب ذلك في أذى لهم، فجزاهم الله عن هجرتهم خير الجزاء.
وقد درست على أحد فضلائهم التجويد، وذلك أني سألته أن أدرس عليه النحو والعربية، فوجهني حفظه الله لأن أتقن التجويد أولاً، لأن الاهتمام بإتقان تلاوة كتاب الله أولى من الاهتمام بإتقان غيره من الكلام، فسألته أن أقرأ عليه نظم الشاطبية، فقبل ولكن نصحني بأن يدرس لي مقدمة في التجويد، فأملا علي قرابة كراسة متوسطة في التجويد، مع الشرح المفيد، ثم شرعت في القراءة عليه في الشاطبية، ولكن تقلب الأحوال كالعادة معي لم يمكني من الإتمام. وقد استفاد من علمه عدد من المجاهدين، وتلقوا عنه قراءة ورش، وكان من أنبل تلاميذه الشيخ شاكر رحمه الله، مدرس أشبال المجاهدين، الذي قضى شهيداً في كمين للمنافقين أعوان الصليبيين قرب قندهار في بداية الحملة الصليبية، فرحمه الله وشهداء المسلمين رحمة واسعة.
- الشيخ عطية الله. العالم العامل المجاهد المرابط والداعية المعروف على شبكة المعلومات، هاجر لباكستان للمشاركة في الجهاد الأفغاني، ثم هاجر لموريتانيا فنهل من فيض معين علمائها، ثم هاجر للجزائر للمشاركة في الجهاد مع الجماعة الإسلامية المسلحة، ومر بتجربة مريرة معهم، ثم عاد مهاجراً لأفغانستان مع قيام الإمارة الإسلامية فيها، وعمل بالتدريس في المدرسة العربية في كابل، وقد فتح على الشيخ في الدعوة للجهاد ونصرة المجاهدين، وذب الافتراءات والشبه الموجهة لهم. ولا زال حتى اليوم في عطاء مستمر كالنحلة التي تأكل طيباً وتنتج طيباً. نسأل الله أن يبارك في جهده، ويتقبل صالح عمله.
- وأختم هذا العرض الموجز بمسك الختام الأخ الصادق الصدوق الشيخ أبي مصعب السوري فك الله أسره. الداعية المجاهد المهاجر المرابط المؤرخ السياسي الكاتب صاحب القلم السيال الصريح الصدوق الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر والشوكة في حلوق الطغاة. ، هاجر لباكستان وشارك في الجهاد ضد الروس ثم هاجر لأفغانستان بعد قيام الإمارة الإسلامية فيها، وفي كلتا المرحلتين جمع الله له شرفي العلم والعمل، فدرب وخاض المعارك، وكتب وحاضر ودرس. قبض عليه كلاب صيد مشرف في باكستان، وإنتاجه موفور مبارك كثير. ومن إنتاجه الوفير كتاباه الشهيران (التجربة الجهادية في سوريا) و(دعوة المقاومة الإسلامية العالمية).
ومن أقواله الصادقة فك الله أسره.
"ثم وفي أواسط (2003) فاجأت الحكومة المصرية العالم بتجاوبها الجزئي مع المبادرة بعد (6 سنين) من إطلاقها. وبدأت بإطلاق دفعات من معتقلي الجماعة الإسلامية .فأخرجت عن عدة مئات بينهم (الشيخ كرم زهدي) أحد قياداتها التاريخية ثم أفرجت عن قياديين آخرين . وزاد من خرج من السجن مبادرتهم بمزيد من الكتب والتأصيلات المنهجية لنقض الغزل السابق من بعد قوة أنكاثا.. وسمعت من بعض وسائل الإعلام عن كتاب يقيمون فيه تجاربهم السابقة ، بعنوان (نهر الذكريات) ، لم يتسنى لي أن أراه ولكني اطلعت في الصحافة على بعض المصائب التي يتلبسون بها، فقد انضمت هذه الفئة إلى برنامج رامسفيلد في حرب الأفكار عمليا ، وصاروا جزءا من حملة أمريكا والمرتدين لمكافحة الإرهاب ! ولم ينس إخوتنا التائبون من عبادة الله بجهاد أعدائه أن يسجلوا انتقاداتهم لأحداث سبتمبر وصانعيها ..و صارت مبادرة الجماعة الإسلامية محل ثناء من برامج مكافحة الإرهاب الفكرية التي تعج بها وسائل الإعلام العربية هذه الأيام ومحل استشهاد ومضرب مثل لعلماء السعودية وسواها في مكافحة المظاهر الجهادية المتنامية في السعودية وسواها بفعل واقع الحملات الصليبية الأمريكية الأخيرة ‍‍..
ويجري الحديث من وقت لآخر عن تمهيد قياداتها لطرح فكرة استئناف مسار الدعوة العلنية سواء كمؤسسات اجتماعية أو كأحزاب سياسة قد تحصل على تراخيص حكومية في المستقبل" .
ويقول أيضاً لمن تورط في تلك المبادرة وأمثالها:
" وأما النصيحة:
لإخوتنا هؤلاء ، ولكل من ينجرف ليسقط في مثل هذه المنزلقات والهاويات التي ينصبها الطغاة وأعوانهم وفقهاؤهم على طريق السائرين إلى الله اليوم..فأوجز القول..
يقول الله تعالى:
 وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ  ( البقرة 217 ) .
ويقول عز وجل:
 وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ * وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ  ( آل عمران 144/150) .
سبحان الله العظيم.. كأن هذا القرآن قد نزل لنا و فينا ... و يقول صلى الله عليه وسلم فيما روى البخاري :
(عن خباب بن الأرت قال شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة قلنا له ألا تستنصر لنا ألا تدعو الله لنا؟ قال: "كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين ، وما يصده ذلك عن دينه ، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب . وما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون") .
صدق رسول الله. وكأن الحديث يتكلم عن بعض مجاهدي هذا الزمن..نسأل الله العافية.
وأظن أن في كلام الله ، وقول نبيه صلى الله عليه وسلم ، ما يكفي من العظة والنصيحة..
فلقد كان مقبولا من إخواننا هؤلاء ،إذ شعروا أنهم قد أحيط بهم ، وأنهم لا طاقة لهم بالمتابعة.. أن يستسلموا ويرفعوا الراية البيضاء.. ويعلنوا التوقف عن مواجهتهم للنظام المصري..وأن يطلبوا الهدنة أو الصلح بشروط تناسب حالهم.. ولكن ليس من حقهم ولا من حق أحد أن ينقض المنهج ذاته , و أن ينقض الغزل من بعد قوة أنكاثا.. فهو ليس غزله ولا غزل أبيه وأمه ! وإنما غزل المسلمين , وغزل التيار الجهادي العريق بأكمله , و تراث سلف من آلاف وآلاف الشهداء والصابرين الذين لاقوا ربهم وهم على ذلك في مصر وخارج مصر.
وكما روي عن إمام أهل السنة أحمد بن حنبل عندما سعى إليه بعض المشفقين عليه , ليجيب المعتصم في المحنة تقية لكف البلاء عن نفسه ويذكره بعياله , فقال : إن كان هذا عقلك يا أبا فلان فقد استرحت , وأشار إلى جمهرة من الناس وطلاب العلم ينتظرون على باب سجنه ليكتبوا ماذا يفتي , وقال له : أأنجو بنفسي وأضل هؤلاء ؟! ولم يجوز رحمه الله التقية لمن كان رأسا متبعا في الدين ..وكان يقول: لا تقية إلا بالسيف .
أما أن يتحول المستسلم تحت أي اجتهاد أو ذريعة كانت - نسأل الله العافية – إلى وسيلة في أيدي الطواغيت وأجهزة إعلام الأعداء في الداخل والخارج ليخذل الذين مازالوا سائرين على درب الجهاد والمقاومة .بل ويسبهم وينقد منهجهم بتزوير الكتاب والسنة , فاللهم لا , ولا كرامة هنا لأحد .
فأقل المطلوب من إخواننا هؤلاء ومن ألجئ إلى مثل حالهم , إذ انسحبوا من القافلة , أن يمسكوا ألسنتهم ولتسعهم بيوتهم وليبكوا على خطيئاتهم , وليسألوا الله للثابتين الثبات , ولأنفسهم فرصة ثانية تعوض ما فات .
ونسأل الله أن يغفر لهم و يثبتهم على الحق ويبعث منهم ومن أتباعهم وإخوانهم من يرفع راية الحق ويعود بالراية إلى عزتها ومكانتها" .
كان ما سبق استعراضاً لأسماء بعض العلماء وطلاب العلم الذين استفاد منهم المجاهدون أوالمؤيدين للجهاد أو المشاركين فيه. وقد اقتصرت على البعض، ولم استقص، وإلا لطال الكلام فوق حد هذا الرد.
واليوم نشهد صحوة جهادية تحظى بتأييد العلماء وطلبة العلم، بل إن مئات من العلماء وآلاف الطلاب اليوم يخوضون الجهاد ضد الصليبيين في أفغانستان، وتؤيدهم وتساندهم القبائل البشتونية والبلوشية، وآلاف المدارس الدينية في باكستان وأفغانستان، فحركة طالبان هي أساساً حركة العلماء وطلاب العلم.
ويشهد لهم أخونا فضيلة الشيخ أبو يحيى الليبي، فيقول:
" وإلا فإن إخواننا الطالبان -بفضل الله- جماعة علم وعمل، قادتهُا العلماء وجنودُها طلبة العلم، ومَن يعرفهم ويعايشهم في حال السلم والحرب والسعة والضيق يعلم أنهم أهل ورع ودين وبحث عن الحق في كثير من المسائل التي لو سُئِلَ عنها كثير من آحاد الناس لما احتاج لحك ذقنه عند هجومه على جوابها محتجاً بأن هذه مسألة بسيطة سهلة.
ويكفي أن نقول وبكل إنصاف وصراحة إنها الحركة الجهادية المعاصرة الوحيدة التي قامت ركائزها قيادةً وقاعدةً على العلماء وطلبة العلم وهم سوادها الأعظم قبل حكمها وأثناء حكمها وبعد رجوعها إن شاء الله تعالى ويقولون متى قل عسى أن يكون قريباً" .
وأبشر الأمة المسلمة بأن صفوف المجاهدين طليعتها المتقدمة تحوي الآن مئات العلماء وطلاب العلم منهم المدافع بقلمه ولسانه، ومنهم المقاتل بيده، ومنهم الذي جمع الله بين الشرفين، مصداقاً لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ".
قال النووي في شرحه:
"ويحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين منهم شجعان مقاتلون ومنهم فقهاء ومنهم محدثون ومنهم زهاد وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين بل قد يكونون متفرقين فى أقطار الأرض وفى هذا الحديث معجزة ظاهرة فان هذا الوصف ما زال بحمد الله تعالى من زمن النبى صلى الله عليه وسلم إلى الآن ولا يزال حتى يأتى أمر الله المذكور فى الحديث" .
وفي ختام هذه الفقرة أنصح نفسي وإخواني المسلمين بقول سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
"ألا لا يقلدن رجل رجلاً دينه، فإن آمن آمن وإن كفر كفر، فإن كان مقلداً لا محالة فليقلد الميت، ويترك الحي، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة" .
3- ثم عودة لكلام كاتب الوثيقة. فأقول إن كلامه بعدم جواز تنزيل ما في كتب العلماء على الواقع، وأن ذلك لا يجوز إلا للمؤهل ينطبق عليه هو. فلماذا ينزل هو الأحكام من كتب الفقه على الواقع، ويظل يكرر: لا تجاهدوا، لا تأمروا بالمعروف، لا تتصدوا للظلم ولا للاحتلال. وهو قد أقر أنه غير مجتهد ولا مفت ولا عالم.
ألا يلزم من كلامه هذا أنه يدعو الجميع لعدم أخذ ما قاله فيما يسمى بوثيقة الترشيد مأخذ الجد، لأنها أنزلت من كتب الفقه للواقع على يد غير مؤهل للفتوى؟
4- ثم تكلم الكاتب عما ينشر في شبكة المعلومات فقال: "ومثل كتب العلم ما ينشر في شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت)، لا يجوز قبول كل ما ينشر فيها من دون تدبر ومن دون دراية بالأهلية الشرعية للناشر فيها وبعدالته، وخصوصاً ما ينشر فيها من تحريض للمسلمين على الصدام مع غيرهم".
وهذا الكلام فيه تناقض كما أنه يكشف عن الجهة التي تقف وراء الكاتب، وأوضح ذلك فأقول:
أ- من الواضح أن قوى الحملة الصليبية الصهيونية قد ضاقت ذرعاً بالإنترنت، الذين رجوا من إنشائه أن ينشروا به ثقافتهم وفجورهم، فإذا بالمجاهدين يقلبون عليهم الطاولة، حتى إن بترايوس قائد القوات الأمريكية في العراق، حذر في تقريره الأخير، الذي قدمه للكونجرس من الإنترنت واستخدام المجاهدين له.
ب- ثم هل يطالب الكاتب كل من يكتب في الشبكة الدولية دفاعاً عن الجهاد والمجاهدين أن يكشف عن اسمه الحقيقي لكي يقبض عليه؟
ج- ثم الكاتب يتناقض، فسيأتي معنا قريباً، أنه يرد على من يشكك في وثيقته أنها خرجت من السجن بأن ينظر في الأدلة التي فيها ولا ينظر للمكان الذي خرجت منه! سبحان الله فلماذا يكيل بمكيالين؟ وثيقته لا يجب أن ينظر لمكان خروجها ولا لظروف خروجها، أما ما ينشر في الإنترنت فيجب أن يدقق في مؤهلات صاحبها، وعدالة الناشر!!
وثيقته لا نعرف على اليقين إن كان هو كاتبها أم لا، فما هي إلا أوراق خرجت من السجن، وإذا كان هو الذي كتبها، فما حجم تدخل آسروه فيها؟ إذن فهي وثيقة تحوم الشكوك حول من كتبها؟ وكيف كتبت؟
أما ناشروها فقطعاً لا عدالة لهم، بل هم من سفلة الناس، الذين نبتت لحومهم من سفك دماء المسلمين وتعذيبهم والاعتداء على حرماتهم، وحماية النظام المتعفن ومصالح الصليبيين واليهود.
د- ثم تأمل أيها القارئ المدقق في هذه الجملة: "وخصوصاً ما ينشر فيها من تحريض للمسلمين على الصدام مع غيرهم". تلمح فيها أمرين:
(1) الأول أنها نشرة أمنية، تهدف لعدم تعكير صفو الأمن.
(2) ثم اقرن كلمة (غيرهم) مع ما سيأتي من نهي الكاتب عن الصدام مع السلطات الحاكمة في بلاد المسلمين ومع الكفار الأصليين، ليتضح لك أن الكاتب يعتبر السلطات الحاكمة في بلاد المسلمين من (غيرهم)، أي من الكفار. وأحسب أن (غيرهم) هؤلاء لن يرضوا من الكاتب بتلك الوثيقة، بل سيظلون يضغطون عليه، حتى يصل لما وصل له أسلافه من قيادات الجماعة الإسلامية، بالاعتراف بشرعية حسني مبارك، واعتبار السادات شهيداً، واعتبار الطالبان حمقى لأنهم لم يسلموا أسامة بن لادن. إنها الهاوية، وقد وضع الكاتب قدمه في بدايتها، و(غيرهم) يدفعونه فيها دفعاً.
5- ثم تكلم عن فقه التبرير فقال:
" التحذير من فقه التبرير، وقد كثر في هذا الزمان أن يستحسن إنسان أمرًا ما أو يرتكب حماقة ثم يبحث لها بعد ذلك عن دليل من كتاب أو سنة يبرر به حماقته ويدفع به اللوم عن نفسه".
وأقول إن الحماقات الكبرى في زماننا هي التي يقوم بها أكابر المجرمين من الصليبيين واليهود، الذين سفكوا من الدماء في هذا العصر ما لم تر البشرية له مثيلاً، والحماقات الكبرى في هذا الزمان هي التي يرتكبها عملاء أولئك الصليبيين واليهود بجرائمهم التي لا تحصى ضد شعوبهم المسلمة، وعلى رأسهم حسني مبارك، الذي يرتب ضباط مباحثه إخراج وتوزيع مثل تلك الوثائق، وينكلون بمن لا يقر من المعتقلين بها. والحماقات هي التولي عن جهاد أولئك الصليبيين واليهود الذين يحتلون بلادنا، والتولي عن جهاد عملائهم والإعداد لذلك.
وتبرير هذه الحماقات هو ما تقوم به ما تسمى بوثيقة الترشيد وأمثالها من الكتابات.
مبرر الحماقة هو الذي يبرر التولي يوم الزحف والقعود عن قتال اليهود والصليبيين الغازين لديار المسلمين وأوليائهم وحلفائهم بحجة العجز والضعف، ومبرر الحماقة هو الذي يرى الانشغال بجهاد بعض الدعاة المشهورين لأن جهادهم أولى من جهاد حكامهم. ومبرر الحماقة هو الذي يبرر ترك الحكام الطغاة المرتدين بل ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحجة المفاسد العظيمة والعجز والضعف.
وصدق االمتوكل الليثي إذ يقول:
يا أَيُّها الرَجُلُ المُعَلِّمُ غَيرَهُ هَلا لِنَفسِكَ كانَ ذا التَعليمُ
تَصِفُ الدَّواءَ لِذي السَّقامِ وَذي الضَّنا كيما يَصحّ بِهِ وَأَنتَ سَقيمُ
وَتَراكَ تُصلِحُ بالرشادِ عُقولَنا أَبَداً وَأَنتَ مِن الرَّشادِ عَديمُ
فابدأ بِنَفسِكَ فانهَها عَن غَيِّها فَإِذا اِنتَهَت عَنهُ فأنتَ حَكيمُ
فَهُناكَ يُقبَلُ ما تَقولُ وَيُهتَدي بِالقَولِ منك وَينفَعُ التعليمُ
لا تَنهَ عَن خُلُقٍ وَتأتيَ مِثلَهُ عارٌ عَلَيكَ إِذا فعلتَ عَظيمُ
6- ثم تكلم كاتب الوثيقة عن رفض البعض لها بدعوى ألا ولاية لأسير. فقال إن عبارة (لا ولاية لأسير) ليست على إطلاقها، وأن الماوردي وأبا يعلي -رحمهما الله- قررا أن الإمام المأسور باق على ولايته، ما لم يقع الأياس من خلاص، وقال إن كلامه ليس إقراراً بشيء، وأن العبرة فيه ليس بنفس القول بل بالأدلة التي فيه، وضرب أمثلة بنبي الله يوسف -عليه السلام- والإمام السرخسي وابن تيمية رحمهما الله، بأنهم كانوا أسرى، ومع ذلك قبل كلامهم.
وهذا الكلام فيه تلبيس من وجوه:
أ- تكلم كاتب الرسالة على أن عبارة (لا ولاية لأسير) ليست على إطلاقها، وأن الإمام المأسور باق على إمامته ما لم يقع الأياس من خلاصه.
وكاتب الرسالة محكوم عليه بالسجن لخمسة وعشرين سنة؟ فهل المحكوم عليه بخمسة وعشرين سنة يرجى خلاصه أم ميئوس منه؟.
أم هل وعدت الحكومة الموقعين على الوثيقة والموافقين عليها بشيء؟ فليطلعونا على ما وعدوا به، وما اتفقوا عليه.
ب- كما أن إعداد رسالة أو وثيقة ترشيد أو ما أشبه ونشرها والدعاية لها وتوزيعها داخل وخارج سجون الحملة الصليبية وأعوانها في مصر يحتاج لثلاث مراحل:
الأولى: أن يحصل كاتبها على المراجع والكتب والمعلومات عما يدور حوله وينشر ويقع في هذه الدنيا.
والأسير في السجون المصرية تحت السيطرة الكاملة لأجهزة القمع والتنكيل، ويتحكمون في درجة الحرية المتاحة له حسب مصلحتهم وخطورته عليهم. ويتراوح هذا بين العزل التام أو التمتع بما يتمتع به المتفاهمون مع الحكومة من فتات الدنيا.
وكذلك المعلومات التي تصله، فلو شاءوا لعزلوه عن الدنيا، ولو شاءوا لأمدوه بمعلومات مغلوطة، ولو شاءوا لتركوه يتصل بمحامييه، والبعض منهم سماسرة لصالح الحكومة، أو يتصل بأهله. وكلما زادت خطورة المتهم اشتد عزل الجلادين له.
الثانية: مرحلة الكتابة. ومن المعلوم أن المعتقلين في مصر يتعرضون لكافة أنواع التفتيش والمراقبة، وأن أجهزة البطش والتنكيل يمكنها أن تطَّلع على معظم ما يكتبونه من كتابات، ويمكنها أن تمنع ذلك بحرمان المعتقل من أدوات الكتابة. ويمكنها أن تشجعه، وتمده بكل ما يحتاج ليكتب ما يفيدها ويفيد أسيادها الصليبيين واليهود.
الثالثة: مرحلة النشر والتوزيع. وهذه يستحيل أن تتم بصورة علنية إلا بموافقة الأجهزة المشار إليها، فما بالك إذا تمت في مهرجان إعلامي، وبيعت الوثيقة ودفع فيها ما دفع من الأموال. ولا يمكن أن توافق أجهزة التنكيل والبطش بذلك إلا إذا كان في مصلحتها ومصلحة أسيادها.
ج- ولذلك فإن إقرار المكره ليس فقط هو المرفوض بل شهادته أيضاً. ودليل ذلك أن أي قاض يحترم نفسه مسلماً كان أو غير مسلم، لا يمكن أن يقبل شهادة معتقل تأتي إليه مكتوبة من داخل السجن على أيدي أجهزة الأمن وبإشرافهم. بل لا بد أن يحضر المعتقل أمامه، ويتأكد من أنه حر يملك إرادته فيما سيشهد به.
د- والأسير شهادته في صالح ظالمه وآسره ومعذبه والمتحكم فيه مجروحة، لأنه مكره في قبضته. فلا تقبل شهادته لصالح آسره، ولكن تقبل ضده، ولذلك لا تقبل شهادة كاتب الوثيقة عن عجز المجاهدين، لجرحها بأنها في مصلحة قاهريه، وهو الأمر الذي تسلم منه شهادة المجاهدين عن استعدادهم للقتال ولمواصلته. ولا تقبل شهادته عن الآثار الوخيمة -في زعمه- التي أحدثها الجهاد ضد الصليبيين واليهود وأعوانهم، لجرحها بأنها في مصحلة قاهريه، بينما ييسلم من ذلك الجرح تقييم المجاهدين للخسائر والأرباح.
هـ- وقياس حال كاتب الوثيقة على حال نبي الله يوسف -عليه السلام- وابن تيمية والسرخسي قياس مع الفارق. فهم لم يشهدوا بما يجلب نفعاً لآسريهم ضد خصومهم، فهم غيرُ متهمين –حاشاهم- في شهادة أو فتوى أو تبليغ، بينما فعل كاتب الوثيقة ذلك. ولذلك قُبِل كلام نبي الله يوسف -عليه السلام- وابن تيمية والسرخسي، ولا تقبل شهادات كاتب الوثيقة عن القوة والضعف والربح والخسارة.
وهذه الوثيقة كتبت بروح وزارة الداخلية ولصالحها لعدم (تعكير صفو الأمن). وكاتبها دعا المسلمين فيها لعدم القيام بأي عمل مخالف للحكومة، ولا حتى احتجاج أو اعتصام أو اجتماع أو مظاهرة؟ ولا حتى جمع الأموال لإعانة أسر الأسرى، ناهيك عن دعم الجهاد بالمال، ولو في البلاد والساحات التي لا يخالف الكاتب على مشروعية الجهاد فيها. لأن هذه كلها تصرفات تعكر صفو الأمن. فكيف يمكن أن تقبل هذه الشهادة؟
فليخرجوا الكاتب لمكان يأمن فيه على نفسه وأهله، وحينئذ يستطيع أن يعبر عما يدور في ذهنه.









الفصل الرابع
مناقشة ما ورد بالحلقة الثالثة عن الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

1- يقول كاتب الوثيقة:
"وفي مقام الجهاد وهو موضوع هذه الوثيقة، فهو كغيره من أمور الدين القدرة عليه من شروط وجوبه، إلا أن القدرة في الجهاد لا تنحصر في ذات المسلم كالقدرة البدنية والمالية وإنما تتعداه إلى واقع الظروف المحيطة به من الموافقين والمخالفين، ولهذا فقد أثنى الله سبحانه على المجاهدين في سبيله، كما أثنى سبحانه على أهل الكهف لما اعتزلوا قومهم، كذلك أثنى الله على مؤمن آل فرعون لما كتم إيمانه، وبالرغم من أن هؤلاء الثلاثة قد واجهوا نفس الواقع وهو (حشد من المخالفين في الدين) فإن ردود أفعالهم التي واجهوا بها هذا الواقع قد اختلفت: فهذا جاهد وهذا اعتزل وهذا تخفى بدينه، ومع ذلك فالكل محمود، لأن كلاً منهم قد عمل بما وجب عليه شرعاً في وقته ومكانه وفي حدود استطاعته، وهكذا يجب على كل مسلم أن يتفقه في دينه كي يختار الواجب الشرعي المناسب لواقعه وقدرته".
أ- وأنا أتساءل؛ من الذي يقدر الاستطاعة والقدرة من عدمهما؟ المجاهدون وأهلُ العلم الصالحون الأثباتُ الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر الصادعون بالحق؟ أم الأسرى والمكرهون والتاركون للجهاد؟
وهل يوثق بتقدير المكره الأسير الذي يكرهه آسروه على قول ما يريدون؟ أو يحرص هو على إرضائهم ليتخلص من شرهم؟ أو الاثنين معاً؟ لا ريب أن من هذه حاله لا يوثق بتقديره.
ثم كاتب الوثيقة يقر على نفسه بأنه -على قوله- قد ترك الجهاد منذ خمس عشرة سنة، ومنذ ست سنوات وهو في الأسر. فكيف يقبل كلامه في الاستطاعة والقدرة وتقدير الظروف؟
بل الجهاد يعتبر فيه برأي أهل الدين الصحيح الذين لهم خبرة بأحوال الدنيا، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"والواجب أن يعتبر في أمور الجهاد برأي أهل الدين الصحيح الذين لهم خبرة بما عليه أهل الدنيا، دون أهل الدنيا الذين يغلب عليهم النظر في ظاهر الدين فلا يؤخذ برأيهم، ولا برأي أهل الدين الذين لا خبرة لهم في الدنيا" .
ب- ثم نحن لم ندعُ الناس إلى الجهاد العشوائي، بل ندعو الناس إلى تنظيم طاقاتهم وحشد إمكانياتهم وإعداد أسباب الجهاد، وألا يتوانوا عن ذلك حتى وإن ضعفوا عن الجهاد باليد في وقت من الأوقات، فليعدوا العدة لعل الله يقوّيهم ويفتح عليهم، أو يأتي مِن بعدهم مَن يستثمرها، فإن تحصيلَ القوة والقدرة على الجهاد واجبٌ مأمورٌ به شرعاً. ولكن لا يقعدوا ولا يتوانوا ولا ينشغلوا بتحصيل معاشهم وتربية أبنائهم والترقي في وظائفهم وأعمالهم والتكالب على فتات الدنيا بينما الجهاد مفروض عينياً عليهم، ومفروض عليهم الإعداد له، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ومفروض على القادر منهم أن يلبي دعوة إخوانه الذين يستنفرونه في ميادين الجهاد المختلفة.
وقد طبقنا هذا الذي ندعو إليه على أنفسنا، فلما ضاق الأمر علينا في ميدان مصر، نظراً للتحالف الدولي، كما سنبين، إن شاء الله، توحدنا مع إخواننا المجاهدين الآخرين في القاعدة، وتعاونا معهم في جهاد أمريكا رأس الكفر.
هذا الذي ندعو إليه بذل متواصل وعطاء مستمر وتنظيم وحشد وإعداد ومدارسة مع إخواننا لما سبق وتدارك للأخطاء وتطوير للعمل الجهادي، لكي يصبح أشد وطأة على الأعداء وأكثر نكاية فيهم، لم ندعُ الناس لأن يرمي كل منهم أعداءه بحجر، ولا أن يضرب كل منهم عدوه بعصا، بل سيرتنا مع إخواننا هي النصح بالحسنى والتوجيه لهم والتدارس معهم في أخطائهم، وكل من كان معنا في السجن وخارجه يعرف عنا ذلك بفضل الله.
أما هذا الذي يُدعَى إليه في هذه الوثيقة فهو ليس ترشيد العمل الجهادي بل هو تركيع وتقييد العمل الجهادي لصالح مباحث أمن الدولة والسي آي إيه، أما الذي وفقنا الله إليه فهو تطوير العمل الجهادي حتى صار موجة عالمية ترتعد لها فرائص الكفر العالمي في البيت الأبيض وتل أبيب بفضل الله ومنته. وهذه من بركات هجرتنا لأخينا الفاضل أسد الإسلام أسامة بن لادن حفظه الله، فقد أكرم وفادتنا واستقبلنا، وشاركنا في معيشته، وكان حريصاً على التناصح والتدارس معنا حتى وفقنا الله لما أنعم به علينا مما تغص به حلوق الكافرين وتنشرح به صدور المؤمنين بفضل الله ومنته، ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، والحمد لله رب العالمين.
ج- وهاهي غزوتا نيويورك وواشنطن تثبتان بفضل الله القدرة الفائقة للمجاهدين في الإعداد والتجهيز والترتيب والمتابعة والتخفي والمراقبة وانتقاء الأهداف، ثم إصابة العدو في مقتل لا يزال يئن منه حتى الآن، وسيظل لزمن طويل بفضل الله، ثم إحياء روح الجهاد في الأمة وكسر صنم الرعب في قلوب أبنائها. ولذلك تحرص تلك الوثائق المباحثية الصناعة الأمريكية الإخراج على تشويه صورة المجاهدين والتقليل من شأنهم على يد المكرهين ومن هجروا الجهاد. ولهذا نتصدى لهم ونحن كارهون متألمون أن يصل الحال بإخواننا إلى هذا المستوى، والحمد لله على كل حال.
د- ثم ها هو الواقع أمامنا يؤكد أن المجاهدين يكسبون معركتهم بفضل الله في أفغانستان والعراق، وسيكسبونها في كل مكان إن شاء الله، وكاتب الوثيقة بنفسه قد اعترف في آخر رسالته؛ أنه لولا جهاد المجاهدين في العراق وفلسطين لغزا العدو البلاد المجاورة. فمن هم المجاهدون في أفغانستان؟ ومن هم المجاهدون في العراق؟ أليسوا من أنصار القاعدة وإخوانها وأوليائها وحلفائها؟ وهل شهادته في القاعدة -التي وصف أعمالها بالغدر مع الصديق وخيانة العدو، وحذر الناس منها- أصدق من شهادة هؤلاء المجاهدين فيها؟ وهل شهادته من سجنه وسط عملاء المباحث والسي آي إيه أصدق من شهادة المجاهدين المخضرمين، الذين محصتهم التجارب وعركتهم الأيام ورضوا عن قناعة واختيار حر أن يتحدوا مع القاعدة التي يكيل لها التهم؟ هل يحتاج لأن أعيد عليه شهادة رائد الجهاد في العراق أمير الاستشهاديين الشيخ أبي مصعب الزرقاوي -رحمه الله- عن القاعدة وعن أسامة بن لادن؟ هل يحتاج أن أعيد عليه شهادة الشيخ أبي مصعب عبد الودود والشيخ أبي الليث الليبي، وهما من قادة المجاهدين الذين عركهم الزمان وعجم عودهم، ولم تزدهم الأيام إلا صلابة وخبرة وحنكة، أليس هؤلاء أعلم بواقعهم منه، وقد ترك الجهاد من سنين؟
هـ- وهل كان على المجاهدين أن ينتظروا مشورة من ترك الجهاد؟ ألم ينذر المجاهدون إخوانهم بأن هاجروا إلينا فإن المعركة تتصاعد؟ أنا لا أريد أن أتحدث عن نفسي، ولكني مضطر لأن أذكر أني أرسلت إليه بعد الحكم عليه في قضية العائدين من ألبانيا، رغم كل الأذى الذي وجهه لي، ووفقني الله ألا أرد عليه، رغم كل ذلك أرسلت له خطاباً بخط يدي، أحذره فيه من الاستمرار في البقاء في اليمن وأدعوه للهجرة لأفغانستان، فلم يكلف نفسه عبء الرد، والحمد لله.
و- والعجيب أن الكاتب يريد أن يفرض عجزه وضعفه على المجاهدين، الذين لا يرون أنفسهم عجزة ولا ضعفاء، وهذا مثل من يقول لا تصلوا قائمين، لأني لا أستطيع الصلاة قائماً، ولا تزكوا لأني لا أملك نصاب الزكاة، ولا تحجوا لأني لا أملك القدرة على الحج. الكاتب يقول إنه عاجز مستضعف، هذا رأيه وتلك مشكلته. والله أعلم بحاله ومآله. أما المجاهدون فهم أعلم بما يفعلون منك، وهاهو العدو يصرخ من ضرباتهم، وأمريكا تعتبرهم أكبر خطر يواجه أمنها القومي، ومن حولك من عملاء المباحث يتخوفون من يوم الحساب، نسأل الله أن يكون قريباً بإذن الله.
ز- وهذه الدعاوى تخرج اليوم من آلة الدعاية المصرية الأمريكية لتسعى في صرف الأمة عن الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أشد حالات الأمة احتياجاً لهما.
هذه الدعاوى والفتاوى تقف في صف واحد مع اتهام السلطان العثماني لأحمد عرابي بأنه خارجي لأنه خرج على ولي أمره الخديوي توفيق الذي استعان بالإنجليز، ومع فتوى العلماء في النظام السعودي بجواز استقدام الأمريكان لجزيرة العرب، ومع فتوى الذين أباحوا للمسلم أن يقاتل تحت علم أمريكا ليقتل إخوانه المسلمين في أفغانستان لأنهم إرهابيون، ومع فتوى مفتي النظام السعودي بعدم جواز النفير لساحات الجهاد ضد أمريكا إلا بإذن ولي الأمر عميل أمريكا، ثم تأتي هذه الفتوى أو الدعوى أو الشبهة لتقول للمسلمين أنتم عجزة ضعفاء مشلولون مكسَّحون فلا تتصدوا لحكامكم ولا تأمروا بالمعروف ولا تنهوا عن المنكر.
يا قوم لا تتكّلموا إن الكلام محرَّم
ناموا ولا تستيقظوا ما فاز إلاّ النُوَّم
وتأخّروا عن كل ما يَقضي بأن تتقدّموا
ودَعُوا التفهُّم جانباً فالخير ألا تَفهموا
فما أسعد الأمريكان واليهود بتلك الفتاوى، ينفردون بنا بلداً بعد بلد، ونحن نترك قواعدهم ومكاتبهم ومصالحهم في كل بلادنا سالمة آمنة مطمئنة، لا نتعرض لها، لأننا لو تعرضنا لها، فسنتعرض لقوات حكامنا عملائهم ولأجهزة أمنهم التي تسهر على حمايتهم. ثم إذا انتهوا من بلد استداروا للآخر، ونحن نشاهد جرائمهم مستسلمين بفضل سموم تلك الفتاوى والدعاوى والشبه.
ح- ثم إن هذه الطريقة في التثبيط تثبت فشل أعداء الإسلام في مواجهة أدلة المجاهدين وحججهم الشرعية. لأنهم ما استطاعوا أن يردوا عليها، فلفوا وجاءوا من باب القدرة والعجز، والداعون إليها هم أعجز الناس وأضعفهم قدرة، وأبعدهم عن فهم الواقع، وكأن لسان حال أمريكا وعملائها من خلف الوثيقة يقول: إياكم أن تهاجمونا فلا طاقة لكم بنا فسننزل بكم الكوارث والبلايا، يقولون هذا وركبهم تصطك وأطرافهم ترتعش رعباً من المجاهدين. فافهموا الحيلة أيها المسلمون.
2- يقول الكاتب:
"فالذي يجب على المتمكن لا يجب على المستضعف، وقد ذكر الله التمكين في قوله تعالى: (...وليمكنن لهم دينهم..) (النور: 55)، وفي قوله تعالى (الذين إن مكناهم في الأرض...) (الحج: 41)، والتمكين هو أن تكون للمسلمين دار لهم الكلمة العليا فيها ويتمكنون من حمايتها والاحتفاظ بها كما كانوا في المدينة بعد الهجرة، وكل من لم تكن له منعة تحميه فهو مستضعف لا يجب عليه تغيير المنكر باليد (إلا لدفع الصائل جوازاً لا وجوباً، كما رجحه أحمد بن حنبل رحمه الله)..."
أ- إذن فالكاتب لا يوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى يكون للمسلمين تمكين، بمعنى أن تكون لهم دار لهم فيها الكلمة العليا، ويتمكنون من حمايتها والاحتفاظ بها، فمن اشترط هذا الشرط من العلماء؟
بينما حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ" . الذي أورده، لم يعلق وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا على الاستطاعة والقدرة على التغيير فقط، فمن أين لك هذا الشرط الزائد؛ التمكين والدار التي للمسلمين فيها الكلمة العليا؟
وليس من معنى الاستطاعة وجودُ دار تمكين...إلخ ما اشترط الكاتبُ من عند نفسه، هذا مع أن كاتب الوثيقة أقرّ بأنه ليس بعالم ولا مفتٍ، فليس هو أهلاً لأن يستنبط شروطا وقيوداً شرعية لم ينصّ عليها كتابُ الله ولا سنةُ رسوله ولا أهل العلمِ بهما.
قال الإمام الجصاص رحمه الله:
".. قال حدثني أبو أمية الشعباني قال سألت أبا ثعلبة الخشني فقلت يا أبا ثعلبة كيف تقول في هذه الآية (عليكم أنفسكم) فقال أما والله لقد سألت عنها خبيرا سألت عنها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك يعني بنفسك ودع عنك العوام فإن من ورائكم أيام الصبر الصبر فيه كقبض على الجمر للعامل فيهم مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله". قال: وزادني غيره قال: يا رسول الله أجر خمسين منهم؟ قال: "أجر خمسين منكم".
وفي هذه الأخبار دلالة على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لهما حالان حال يمكن فيها تغيير المنكر وإزالته ففرض على من أمكنه إزالة ذلك بيده أن يزيله".
وقال أيضاً رحمه الله:
"وكذلك حكم سائر من كان مقيما على شيء من المعاصي الموبقات مصرا عليها مجاهرا بها فحكمه حكم من ذكرنا في وجوب النكير عليهم بما أمكن وتغيير ما هم عليه بيده وإن لم يستطع فلينكره بلسانه وذلك إذا رجا أنه إن أنكر عليهم بالقول أن يزولوا عنه ويتركوه فإن لم يرج ذلك وقد غلب في ظنه أنهم غير قابلين منه مع علمهم بأنه منكر عليهم وسعه السكوت عنهم".
وقال أيضاً رحمه الله:
"قال أبو بكر لما ثبت بما قدمنا ذكره من القرآن والآثار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم وجوب فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبينا أنه فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين وجب أن لا يختلف في لزوم فرضه البر والفاجر" .
قال الإمام النووي رحمه الله:
"ثم إن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فرض كفاية إذا قام به بعض الناس سقط الحرج عن الباقين وإذا تركه الجميع أثم كل من تمكن منه بلا عذر ولا خوف ثم أنه قد يتعين كما إذا كان في موضع لا يعلم به إلا هو أو لا يتمكن من إزالته إلا هو وكمن يرى زوجته أو ولده أو غلامه على منكر أو تقصير" .
ونقل النووي عن القاضي عياض رحمهما الله:
"قال القاضي عياض رحمه الله هذا الحديث أصل في صفة التغيير فحق المغير أن يغيره بكل وجه أمكنه زواله به قولا كان أو فعلا فيكسر آلات الباطل ويريق المسكر بنفسه أو يأمر من يفعله وينزع الغصوب ويردها إلى أصحابها بنفسه أو بأمره إذا أمكنه" .
وقال ابن القيم رحمه الله:
"والمقصود أن الحكم بين الناس في النوع الذي لا يتوقف على الدعوى هو المعروف بولاية الحسبة وقاعدته وأصله هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه ووصف به هذه الأمة وفضلها لأجله على سائر الأمم التي أخرجت للناس وهذا واجب على كل مسلم قادر وهو فرض كفاية ويصير فرض عين على القادر الذي لم يقم به غيره من ذوي الولاية والسلطان" .
قال ابن حجر رحمه الله:
"وقال الطبري اختلف السلف في الأمر بالمعروف فقالت طائفة يجب مطلقا واحتجوا بحديث طارق بن شهاب رفعه أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر وبعموم قوله من رأى منكم منكراً فليغيره بيده الحديث وقال بعضهم يجب إنكار المنكر لكن شرطه ألا يلحق المنكر بلاء لا قبل له من قتل ونحوه وقال آخرون ينكر بقلبه لحديث أم سلمة مرفوعا يستعمل عليكم أمراء بعدي فمن كره فقد بريء ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع الحديث قال والصواب اعتبار الشرط المذكور ويدل عليه حديث لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه ثم فسره بأن يتعرض من البلاء لما لا يطيق انتهى ملخصا وقال غيره يجب الأمر بالمعروف لمن قدر عليه ولم يخف على نفسه منه ضررا" .
فهذه طائفة من أقوال العلماء أوردتها، لأبين أنهم لم يشترطوا إلا القدرة على إزالة المنكر فقط، وليس فيها ما اشترطه الكاتب من شرط زائد من وجوب أن تكون للمسلمين دار لهم الكلمة العليا فيها ويتمكنون من حمايتها والاحتفاظ بها كما كانوا في المدينة بعد الهجرة!
ثم من أين للكاتب شرطُ التمكن من حماية الدار والاحتفاظ بها؟
ب- ثم قد أجمع العلماء على أن الإمام إذا ارتد فقد وجب خلعه، وتعين ذلك على من يستطيع.
قال ابن حجر العسقلاني في شرحه لحديث النبي r: (من فارق الجماعة شبراً فكأنما خلع ربقة الإسلام من عنقه):
"وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه، لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء. وحجتهم هذا الخبر وغيره مما يساعده، ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح، فلا تجوز طاعته في ذلك، بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها" .
وقال النووي رحمه الله:
"قال القاضي: فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية، وسقطت طاعته، ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل، إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر، ولا يجب في المبتدع، إلا إذا ظنوا القدرة عليه، فإن تحققوا العجز لم يجب القيام، وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها ويفر بدينه" .
وقال ابن حجر رحمه الله:
"وقد تقدم البحث في هذا الكلام على حديث عبادة في الأمر بالسمع والطاعة إلا أن تروا كفراً بواحاً بما يغني عن إعادته وهو في كتاب الفتن، وملخصه أنه ينعزل بالكفر إجماعاً" .
فكيف ينفذ هذا الحكم المجمع عليه إذا فرضنا عليه شرط الكاتب؛ بوجوب توفير دار للمسلمين الكلمة العليا فيها ويتمكنون من حمايتها والاحتفاظ بها كما كانوا في المدينة بعد الهجرة! قبل أن يخرجوا على الإمام المرتد؟ بينما الدار التي هو فيها ليست داراً اليد العليا فيها للمسلمين لأن إمامها صاحب اليد العليا قد كفر؟ إذن فهو ينهى عن الجهاد الواجب ويعطل هذا الحكم، فلو كان للمسلمين قدرة على تغيير الحاكم المرتد فلا يجوز ذلك على قوله، لأنهم ليسوا ممكنين في دار تكون لهم فيها اليد العليا، إذن فقد عطل إجماع العلماء. ويا لسعادة الحكام المرتدين بآرائه.
ج- فإن قيل إن الكاتب قال بعدم الوجوب في غياب الدار التي للمسلمين فيها اليد العليا، ولم يقل بعدم الجواز.
فالجواب: من وجهين:
الأول: أن هذا القول مخالف لقول العلماء الذين أوجبوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد على القادر على إزالة المنكر بيده عملاً بالحديث المذكور آنفاً، ولم يشترطوا ما أضافه الكاتب من شرط الدار التي للمسلمين فيها اليد العليا ويستطيعون حمايتها والمحافظة عليها.
الثاني: أن الكاتب كما سيأتي صرح بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير جائز الآن، حيث قال: "وبناء على ما سبق في هذا البند نرى عدم جواز تغيير المنكر باليد إلا لذي سلطان في سلطانه كالأب في أهل بيته أو لإنقاذ مسلم من مهلكة لا تتدارك، كما نرى عدم جواز الصدام مع السلطات الحاكمة في بلاد المسلمين من أجل تطبيق الشريعة باسم الجهاد".
وسنرى في الفصول التالية أن الكاتب لم يقتصر على دار النصرة والهجرة فقط بل أضاف لها خمسة شروط أخرى (المقدمات والمقومات الست) ثم لم يكتف بذلك، فهناك (المحظورات الست)، وهناك عند الكلام عن السياح (الموانع الستة)، ثم بعد ذلك يعطينا درساً في التاريخ المصري يخرج به بخلاصة أن الجماعات الإسلامية والشعبية لا يمكن أن تحدث التغيير في مصر!!
د- ثم إن هناك حكماً آخراً خطيراً سكت عنه مع الحاجة الماسة لذكره، وهو أنه يجوز للمسلم أن يجهر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن قتل في سبيل ذلك، وهذه من أعلى درجات الشهداء. وهي مسألة في غاية الأهمية لا أدري لماذا سكت عنها؟ ألأنها لا تعجب حضرات الضباط في مباحث أمن الدولة وسيدهم حسني مبارك وسيدته أمريكا؟ ولذا أرى من المفيد أن أشير لأدلتها بإيجاز.
(1) الأدلة من القرآن الكريم:
(أ) تفسير قول الله تعالى: ﴿وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ البقرة 195:
قال الإمام أبو بكر الجصاص -رحمه الله- في تفسير هذه الآية بعد إيراده لكلام الإمام محمد بن الحسن -رحمه الله- بجواز إتلاف النفس لمصلحة الدين في الجهاد وموافقته له في ذلك:
(وعلى ذلك ينبغي أن يكون حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أنه متى رجا نفعاً في الدين فبذل نفسه فيه حتى قتل، كان في أعلى درجات الشهداء، قال الله تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.
وقد روي عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل تكلم بكلمة حق عند سلطان جائر فقتله"، وروى أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر".
وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبد الله بن الجراح عن عبد الله بن يزيد عن موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن عبد العزيز بن مروان قال: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "شر ما في الرجل شح هالع وجبن خالع"، وذم الجبن يوجب مدح الإقدام والشجاعة فيما يعود نفعه على الدين، وإن أيقن فيه بالتلف. والله تعالى أعلم بالصواب) .
(ب) تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ آل عمران 21:
[1] قال القرطبي –رحمه الله- عند تفسير هذه الآية:
(وزعم ابن العربي أن من رجا زواله [يعني المنكر]، وخاف على نفسه من تغييره الضرب أو القتل، جاز له -عند أكثر العلماء- الاقتحام عند هذا الغرر، وإن لم يرج زواله فأي فائدة منه.
قال: والذي عندي أن النية إذا خلصت فليقتحم كيف ما كان ولا يبال.
قلت: هذا خلاف ما ذكره أبو عمر من الإجماع.
وهذه الآية تدل على جواز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع خوف القتل. وقال تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ وهذا إشارة إلى الإذاية) .
[2] أخرج الحاكم في المستدرك عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله عز وجل: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ قال:
"بعث عيسى بن مريم في اثنى عشر رجلاً من الحواريين يعلمون الناس، فكان ينهاهم عن نكاح ابنة الأخ، وكان ملك له ابنة أخ تعجبه فأرادها، وجعل يقضي لها كل يوم حاجة، فقالت لها أمها: إذا سألك عن حاجتك فقولي له أن تقتل يحيى بن زكريا، فقال لها الملك: حاجتك، فقالت: حاجتي أن تقتل يحيى بن زكريا، فقال: سلي غير هذا، فقالت: لا أسألك غير هذا. فلما أبت، أمر به فذبح في طست، فبدرت قطرة من دمه فلم تزل تغلي، حتى بعث الله بخت نصر، فدلت عجوز عليه، فألقى في نفسه أن لا يزال القتل حتى يسكن هذا الدم، فقتل في يوم واحد من ضرب واحد وبيت واحد سبعين ألفا". ثم قال الحاكم رحمه الله: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وله شاهد غريب الإسناد والمتن) .
وأخرج أيضاً -رحمه الله- عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال:
(حين قتل عبد الله بن الزبير: سمعت عبد الله بن الزبير يقول: من أنكر البلاء فإني لا أنكره، لقد ذكر لي: إنما قتل يحيى بن زكريا في زانية، كانت جارية). ثم قال الحاكم رحمه الله: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين وقد رواه بعض البصريين عن يحيى بن أيوب مسنداً) .
[3] وقال الشوكاني -رحمه الله- في تفسير هذه الآية:
(وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي عبيدة بن الجراح قلت: يا رسول الله أي الناس أشد عذاباً يوم القيامة؟ قال: "رجل قتل نبياً، أو رجلاً أمر بالمعروف ونهى عن المنكر" ثم قرأ رسول الله ﷺ: "الذين يقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس إلى قوله وما لهم من ناصرين" ثم قال رسول الله ﷺ: "يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة رجل وسبعون رجلاً من عباد بني إسرائيل، فأمروا من قتلهم بالمعروف، ونهوهم عن المنكر، فقتلوا جميعاً من آخر النهار من ذلك اليوم، فهم الذين ذكر الله") .
(2) الأدلة من السنة المطهرة:
(أ) روى الحاكم في مستدركه -وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه- عن جابر رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله" .
قال الذهبي رحمه الله: (سنده ضعيف) .
(ب) وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" .
وقال الترمذي رحمه الله: (وهذا حديث حسن غريب من هذا الوجه) .
وقال الحسيني رحمه الله: (وقال في الرياض: رواه النسائي بإسناد صحيح وكذا قال المنذري فالمتن صحيح) .
وقال المناوي رحمه الله:
(أفضل الجهاد أي من أفضل أنواع الجهاد
.....................
لأن مجاهد العدو متردد بين رجاء وخوف، وصاحب السلطان إذا أمره بمعروف تعرض للتلف فهو أفضل من جهة غلبة خوفه) .
قال المباركفوري -رحمه الله- في شرح هذا الحديث:
(والمراد بالكلمة ما أفاد أمراً بمعروف أو نهياً عن منكر من لفظ أو ما في معناه ككتابة ونحوها، عند سلطان جائر أي صاحب جور وظلم.
قال الخطابي: وإنما صار ذلك أفضل الجهاد لأن من جاهد العدو كان متردداً بين الرجاء والخوف، لا يدري هل يغلب أو يغلب؟ وصاحب السلطان مقهور في يده، فهو إذا قال الحق وأمره بالمعروف فقد تعرض للتلف وأهدف نفسه للهلاك، فصار ذلك أفضل أنواع الجهاد من أجل غلبة الخوف) .
(ج) وروى أبو داود رحمه الله:
(حدثني أبو أمية الشعباني قال: سألت أبا ثعلبة الخشني فقلت: يا أبا ثعلبة كيف تقول في هذه الآية ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ﴾؟ قال: أما والله لقد سألت عنها خبيراً. سألت عنها رسول الله ﷺ، فقال: "بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك يعني بنفسك، ودع عنك العوام، فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيه مثل قبض على الجمر، للعامل فيهم مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله. وزادني غيره قال: يا رسول الله أجر خمسين منهم؟ قال: "أجر خمسين منكم") .
قال العظيم آبادي -رحمه الله- في شرح هذا الحديث:
(وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: وكذلك الجهاد بالنفوس لا يصل المتأخرون فيه إلى فضل المتقدمين لقلة عدد المتقدمين وقلة أنصارهم، فكان جهادهم أفضل، ولأن بذل النفس مع النصرة ورجاء الحياة ليس كبذلها مع عدمها، ولذلك قال عليه السلام: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" جعله أفضل الجهاد ليأسه من حياته) .
(3) أقوال العلماء -رحمهم الله- في المسألة.
(أ) قال العز بن عبد السلام رحمه الله:
(المثال السادس والثلاثون: التقرير على المعاصي كلها مفسدة، لكن يجوز التقرير عليها عند العجز عن إنكارها باليد واللسان، ومن قدر على إنكارها مع الخوف على نفسه، كان إنكاره مندوباً إليه عليه، لأن المخاطرة بالنفوس في إعزاز الدين مأمور بها، كما يعذر بها في قتال المشركين وقتال البغاة المتأولين وقتال مانعي الحقوق، بحيث لا يمكن تخليصها منهم إلا بالقتال.
وقد قال عليه السلام: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر". جعلها أفضل الجهاد، لأن قائلها قد جاد بنفسه كل الجود، بخلاف من يلاقي قرنه من القتال، فإنه يجوز أن يقهره ويقتله، فلا يكون بذله نفسه مع تجويز سلامتها كبذل المنكر مع يأسه من السلامة) .
(ب) قال ابن تيمية رحمه الله:
(وكذلك أكل الميتة والدم ولحم الخنزير يحرم أكلها عند الغنى عنها ويجب أكلها بالضرورة عند الأئمة الأربعة وجمهور العلماء.
قال مسروق: من اضطر فلم يأكل حتى مات دخل النار. وذلك لأنه أعان على نفسه، بترك ما يقدر عليه من الأكل المباح له في هذه الحال، فصار بمنزلة من قتل نفسه، بخلاف المجاهد بالنفس ومن تكلم بحق عند سلطان جائر، فإن ذلك قتل مجاهداً، ففي قتله مصلحة لدين الله تعالى) .
(ج) قال ابن عابدين –رحمه الله- في حاشيته رد المحتار شارحاً قول صاحب الدر المختار: (مطلب: إذا علم أنه يقتل يجوز له أن يقاتل بشرط أن ينكي فيهم وإلا فلا بخلاف الأمر بالمعروف .فإن علم أنه إذا حارب قتل وإن لم يحارب أسر لم يلزمه القتال):
(قوله: (لم يلزمه القتال ) يشير إلى أنه لو قاتل حتى قتل جاز، لكن ذكر في شرح السير: أنه لا بأس أن يحمل الرجل وحده، وإن ظن أنه يقتل إذا كان يصنع شيئاً بجرح أو بقتل أو بهزم، فقد فعل ذلك جماعة من الصحابة بين يدي رسول اللهﷺ يوم أحد، ومدحهم على ذلك، فأما إذا علم أنه لا ينكي فيهم، فإنه لا يحل له أن يحمل عليهم، لأنه لا يحصل بحملته شيء من إعزاز الدين، بخلاف نهي فسقة المسلمين عن منكر، إذا علم أنهم لا يمتنعون بل يقتلونه، فإنه لا بأس بالإقدام، وإن رخص له السكوت، لأن المسلمين يعتقدون ما يأمرهم به، فلا بد أن يكون فعله مؤثراً في باطنهم بخلاف الكفار) .
(4) واقعة من سير السلف الصالح؛ استشهاد إبراهيم الصائغ –رحمه الله- في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قال الجصاص رحمه الله:
(وحدثنا مكرم بن أحمد القاضي قال حدثنا أحمد بن عطية الكوفي وقال حدثنا الحماني قال سمعت ابن المبارك يقول: لما بلغ أبا حنيفة قتل إبراهيم الصائغ بكى حتى ظننا أنه سيموت، فخلوت به، فقال: كان والله رجلاً عاقلاً، ولقد كنت أخاف عليه هذا الأمر. قلت: وكيف كان سببه؟ قال: كان يقدم ويسألني، وكان شديد البذل لنفسه في طاعة الله، وكان شديد الورع، وكنت ربما قدمت إليه الشيء فيسألني عنه ولا يرضاه ولا يذوقه، وربما رضيه فأكله، فسألني عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى أن اتفقنا على أنه فريضة من الله تعالى، فقال لي: مد يدك حتى أبايعك فأظلمت الدنيا بيني وبينه. فقلت: ولم؟ قال: دعاني إلى حق من حقوق الله فامتنعت عليه، وقلت له: إن قام به رجل وحده قتل، ولم يصلح للناس أمر، ولكن إن وجد عليه أعواناً صالحين، ورجلاً يرأس عليهم مأموناً على دين الله لا يحول. قال: وكان يقتضي ذلك كلما قدم علي تقاضي الغريم الملح، كلما قدم علي تقاضاني، فأقول له: هذا أمر لا يصلح بواحد، ما أطاقته الأنبياء حتى عقدت عليه من السماء، وهذه فريضة ليست كسائر الفرائض، لأن سائر الفرائض يقوم بها الرجل وحده، وهذا متى أمر به الرجل وحده أشاط بدمه، وعرض نفسه للقتل، فأخاف عليه أن يعين على قتل نفسه، وإذا قتل الرجل لم يجترئ غيره أن يعرض نفسه، ولكنه ينتظر، فقد قالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾.
ثم خرج إلى مرو حيث كان أبو مسلم، فكلمه بكلام غليظ فأخذه، فاجتمع عليه فقهاء أهل خراسان وعبادهم حتى أطلقوه، ثم عاوده فزجره، ثم عاوده، ثم قال: ما أجد شيئاً أقوم به لله تعالى أفضل من جهادك، ولأجاهدنك بلساني ليس لي قوة بيدي ولكن يراني الله وأنا أبغضك فيه. فقتله) .
قلت: وقد كان إبراهيم الصائغ -رحمه الله- من أهل الصلاح والعلم شهد له الإئمة بالفضل وترحموا عليه، وعدوه من الشهداء .
ثم انظر أيها القارئ لنصيحة أبي حنيفة رحمه الله له، بأن يقوم بالأمر بالمعروف من يجد له أعواناً صالحين ورجلاً مأموناً على دينه يتأمر عليهم، ولم يقل له كما يرى كاتب الوثيقة: ابحث لك عن دار يكون للمسلمين فيها الكلمة العليا ويستطيعون حمايتها والمحافظة عليها.
فكيف يسوغ للكاتب بعد هذا أن يقول: "وبناء على ما سبق في هذا البند نرى عدم جواز تغيير المنكر باليد إلا لذي سلطان في سلطانه كالأب في أهل بيته أو لإنقاذ مسلم من مهلكة لا تتدارك" كما سيأتي. كان يمكن أن يقبل منه أن يقول مثلاً: نرى عدم وجوب تغيير المنكر باليد لغير القادر، ولكن من قوي إيمانه فله ذلك وإن قتل فهو في أعلى درجات الشهداء. وعموماً سأتناول هذه العبارة تفصيلاً لاحقاً إن شاء الله.
هـ- وكان من سيرة الأئمة كأحمد بن حنبل رحمه الله، أنهم لا يأخذون بالرخصة في كتمان الحق.
قال الإمام الذهبي -رحمه الله- وهو يروي قصة محنة إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله:
(حدثنا عباس الدوري سمعت أبا جعفر الأنباري يقول: لما حمل أحمد إلى المأمون أخبرت، فعبرت الفرات، فإذا هو جالس في الخان، فسلمت عليه، فقال: يا أبا جعفر تعنيت. فقلت: يا هذا أنت اليوم رأس والناس يقتدون بك، فو الله لئن أجبت إلى خلق القرآن ليجيبن خلق، وإن أنت لم تجب ليمتنعن خلق من الناس كثير، ومع هذا فان الرجل إن لم يقتلك فإنك تموت. لابد من الموت، فاتق الله ولا تجب. فجعل أحمد يبكي ويقول: ما شاء الله. ثم قال: يا أبا جعفر أعد علي. فأعدت عليه وهو يقول ما شاء الله.
.........................
قال محمد بن ابراهيم البوشنجي: جعلوا يذاكرون أبا عبد الله بالرقة في التقية وما روي فيها، فقال: كيف تصنعون بحديث خباب "إن من كان قبلكم كان ينشر أحدهم بالمنشار لا يصده ذلك عن دينه فآيسنا منه") .
وقال رحمه الله أيضاً:
(قال صالح بن أحمد: حمل أبي ومحمد بن نوح من بغداد مقيدين، فسرنا معهما إلى الأنبار. فسأل أبو بكر الاحول أبي: يا أبا عبد الله إن عرضت على السيف تجيب؟ قال: لا.
ثم سيرا. فسمعت أبي يقول: صرنا إلى الرحبة، ورحلنا منها في جوف الليل، فعرض لنا رجل فقال: أيكم أحمد بن حنبل؟ فقيل له: هذا، فقال للجمال: على رسلك، ثم قال: يا هذا ما عليك أن تقتل هاهنا وتدخل الجنة، ثم قال: استودعك الله. ومضى، فسألت عنه، فقيل لي: هذا رجل من العرب من ربيعة، يعمل الشعر في البادية، يقال له: جابر بن عامر، يذكر بخير.
أحمد بن أبي الحواري حدثنا ابراهيم بن عبد الله قال: قال أحمد بن حنبل: ما سمعت كلمة منذ وقعت في هذا الأمر أقوى من كلمة أعرابي كلمني بها في رحبة طوق. قال: يا أحمد إن يقتلك على الحق مت شهيداً وان عشت عشت حميداً. فقوى قلبي) .
وقال رحمه الله أيضاً:
(وقال حنبل: قال أبو عبد الله: ما رأيت احداً -على حداثة سنه وقدر علمه- أقوم بأمر الله من محمد بن نوح. إني لأرجو أن يكون قد ختم له بخير. قال لي ذات يوم: يا أبا عبد الله الله الله، إنك لست مثلي، أنت رجل يقتدي بك، قد مد الخلق أعناقهم إليك لما يكون منك، فاتق الله واثبت لأمر الله أو نحو هذا، فمات وصليت عليه ودفنته. أظن قال: بعانة) .
وقال رحمه الله أيضاً:
(قال محمد بن إبراهيم البوشنجي: ذكروا أن المعتصم لان في أمر أحمد، لما علق في العقابين، ورأى ثباته وتصميمه وصلابته، حتى أغراه أحمد بن أبي دواد وقال: يا أمير المؤمنين إن تركته قيل: قد ترك مذهب المأمون، وسخط قوله، فهاجه ذلك على ضربه.
وقال صالح: قال أبي: ولما جئ بالسياط، نظر اليها المعتصم، فقال: ائتوني بغيرها، ثم قال للجلادين: تقدموا، فجعل يتقدم إلى الرجل منهم فيضربني سوطين، فيقول له: شد قطع الله يدك، ثم يتنحى، ويتقدم آخر، فيضربني سوطين، وهو يقول في كل ذلك: شد قطع الله يدك. فلما ضربت سبعة عشر سوطاً، قام إلي -يعني المعتصم- فقال: يا أحمد علام تقتل نفسك؟ إني والله عليك لشفيق. وجعل عجيف ينخسني بقائمة سيفه. وقال: أتريد أن تغلب هؤلاء كلهم؟ وجعل بعضهم يقول: ويلك إمامك على رأسك قائم. وقال بعضهم: يا أمير المؤمنين دمه في عنقي اقتله. وجعلوا يقولون: يا أمير المؤمنين أنت صائم وأنت في الشمس قائم. فقال لي: ويحك يا أحمد ما تقول؟ فأقول: أعطوني شيئاً من كتاب الله أو سنة رسول الله أقول به، فرجع وجلس، وقال للجلاد: تقدم وأوجع قطع الله يدك. ثم قام الثانية وجعل يقول: ويحك يا أحمد أجبني. فجعلوا يقبلون علي ويقولون: يا أحمد إمامك على رأسك قائم. وجعل عبد الرحمن يقول: من صنع من أصحابك في هذا الأمر ما تصنع؟)
(وقال ابراهيم بن الحارث العبادي -وكان رافقنا في بلاد الروم- قال: حضر أحمدَ بن حنبل أبو محمد الطفاوي، فذكر له حديث، فقال أبو عبد الله: أخبرك بنظير هذا؟ لما أخرج بنا، جعلت أفكر فيما نحن فيه، حتى إذا صرنا إلى الرحبة، أنزلنا بظاهرها، فمددت بصري، فإذا بشيء لم استثبته، فلم يزل يدنو، وإذا أعرابي جعل يتخطى تلك المحامل حتى صار إلي، فوقف ثم قال: أنت أحمد بن حنبل؟ فسكت تعجباً، ثم أعاد فسكت، فبرك على ركبتيه فقال: أنت أبو عبد الله أحمد بن حنبل؟ فقلت: نعم. فقال: أبشر واصبر، فإنما هي ضربة هاهنا، وتدخل الجنة هاهنا، ثم مضى.
فقال الطفاوي: يا أبا عبد الله إنك محمود عند العامة. فقال: أحمد الله على ديني. إنما هذا دين، لو قلت لهم كفرت.
فقال الطفاوي: أخبرني بما صنعوا بك. قال: لما ضربت بالسياط، جعلت أذكر كلام الأعرابي، ثم جاء ذاك الطويل اللحية يعني عجيفاً، فضربني بقائم السيف، ثم جاء ذاك، فقلت: قد جاء الفرج، يضرب عنقي فأستريح.
فقال له ابن سماعة: يا أمير المؤمنين اضرب عنقه ودمه في رقبتي، فقال ابن أبي داود: لا يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإنه إن قتل أو مات في دارك قال الناس صبر حتى قتل، فاتخذه الناس إماماً، وثبتوا على ما هم عليه، ولكن أطلقه الساعة، فإن مات خارجاً من منزلك شك الناس في أمره، وقال بعضهم: أجاب، وقال بعضهم: لم يجب. فقال الطفاوي: وما عليك لو قلت؟ قال أبو عبد الله: لو قلت لكفرت) .
وقال ابن حبان -رحمه الله- عن أحمد بن حنبل رحمه الله:
(كان حافظاً متقناً فقيهاً ملازماً للورع الخفي مواظباً على العبادة الدائمة، أغاث الله به أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك أنه ثبت في المحنة، وبذل نفسه لله، حتى ضرب بالسياط للقتل، فعصمه الله تعالى عن الكفر، وجعله علماً يقتدى به، وملجأ يلتجى إليه) .
قال ابن الجوزي رحمه الله:
(وفي رمضان من هذه السنة [يقصد 219هـ] امتحن أحمد بن حنبل، فضربه [يقصد المعتصم] بين يديه، بعد أن حبسه مدة، ووطن أحمد نفسه على القتل. قيل له: إن عرضت على القتل تجيب؟ قال: لا، ولقيه خالد الحداد فشجعه، وقال له: إني ضربت في غير الله فصبرت، فاصبر أنت إن ضربت في الله عز وجل) .
وقال أيضاً رحمه الله:
(وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: كنت كثيراً أسمع والدي يقول: رحم الله أبا الهيثم، غفر الله لأبي الهيثم، عفا الله عن أبي الهيثم. فقلت: يا أبت من أبو الهيثم؟ فقال: لما أخرجت للسياط، ومدت يداي للعقابين، إذا أنا بشاب يجذب ثوبي من ورائي، ويقول لي: تعرفني؟ قلت: لا. قال: أنا أبو الهيثم العيار اللص الطرار، مكتوب في ديوان أمير المؤمنين أني ضربت ثمانية عشر ألف سوط بالتفاريق، وصبرت في ذلك على طاعة الشيطان لأجل الدنيا، فاصبر أنت في طاعة الرحمن لأجل الدين. قال: فضربت ثمانية عشر سوطا بدل ما ضرب ثمانية عشر ألفاً، وخرج الخادم فقال: عفا عنه أمير المؤمنين) .
فإذا كان كاتب الوثيقة مرشداً يكتب وثيقة لترشيد المجاهدين، ويجتمع عليها المتراجعون، وينصبونه إماماً، ويقولون إنه مفتي الجهاد والقاعدة، فكان أليق به، أن لا يأخذ بالرخصة، ويقول الحق ولو كان مراً. فلماذا لم يأمر حكام مصر الخونة المفسدين الخارجين عن الشريعة المعينين للصليبيين واليهود على المسلمين بالمعروف وينهاهم عن المنكر؟
أليس نقد هؤلاء الفاسدين المفسدين عملاء أعداء الإسلام أولى من نقد المجاهدين الذين شهد لهم بأنهم في الجملة أصحاب قضية نبيلة، وأنهم ليسوا من طلاب الدنيا؟
إن قال إنه مكره، ولا يستطيع أمر الحكام المفسدين بالمعروف ولا نهيهم عن المنكر فقد أسقط كل كلامه في وثيقة الترشيد، لأن المكره لا يقبل منه إقرار ولا شهادة ولا فتوى، حتى يتحرر من إكراهه، ثم يقال أيضاً إن كان مكرهاً لا يستطيع أن يأمر الحكام بالمعروف وينهاهم عن المنكر، فلماذا استطاع الهجوم على المجاهدين الذين اختصهم بنقده وتقريعه، الذي حكى فيه العجائب؟ كقوله إنهم يقتلون بلون البشرة والشعر، ثم سبهم وشتمهم، لماذا لم يمسك لسانه عنهم إذا كان مكرهاً كما أمسك لسانه عن الحكام المجرمين الطغاة؟ أم أنه كان مكرهاً على نقد المجاهدين والهجوم عليهم؟
و- ثم إن المجاهدين لم يقولوا بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على العاجز عنه بل قالوا بوجوب السعي في تغيير المنكر، ولا ريب أن المنكر الأكبر في بلادنا هو هذه الردة الطاغية، من تغييب الشريعة وموالاة أعداء الله الصليبيين، ونشر الكفر والإلحاد والزندقة والعلمانية ورعايتها، ومحاربة الدين وأهله.... فإذا عجز المسلمون عن تغييره، وهو ما لا نسلم به، وسنتناوله تفصيلاً إن شاء الله، فلابد لهم من السعي في توفير أسباب تغييره، وهذا ما سكت عنه كاتب الوثيقة، ولم ينصح للأمة في ذلك، فكيف يكون مرشداً للعمل الجهاديّ؟!
3- يقول الكاتب: "وكذلك المستضعف والعاجز لا يجب عليهما الجهاد، ولم يفرضه الله على المسلمين وهم مستضعفون بمكة قبل الهجرة، وإنما فرضه بعد ما تهيأت لهم أسباب الجهاد بوجود دار الهجرة والنصرة في المدينة".
وأقول:
أ- نحن الآن في جهاد دفع. فمن من العلماء قال إن جهاد الدفع لا يجب إلا أن تكون للمسلمين دار للنصرة كما كان في المدينة، أو كما وصفها الكاتب تفصيلاً من قبل؛ بأنها دار للمسلمين الكلمة العليا فيها ويتمكنون من حمايتها والاحتفاظ بها كما كانوا في المدينة بعد الهجرة. وكيف تكون لهم دار ممكنة وقد دخل العدو لدارهم؟ ومعنى كلامه أن العدو لو دخل داراً فليس على أهلها أن يجاهدوه، لأنهم ليسوا في دار للنصرة لهم فيها الكلمة العليا ويتمكنون من حمايتها والاحتفاظ بها! بينما قد أجمع العلماء على تعين الجهاد عليهم.
قال الإمام الجصاص رحمه الله:
"وَمَعْلُومٌ فِي اعْتِقَادِ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ إذَا خَافَ أَهْلُ الثُّغُورِ مِنْ الْعَدُوِّ ، وَلَمْ تَكُنْ فِيهِمْ مُقَاوَمَةٌ لَهُمْ فَخَافُوا عَلَى بِلَادِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ أَنَّ الْفَرْضَ عَلَى كَافَّةِ الْأُمَّةِ أَنْ يَنْفِرُ إلَيْهِمْ مَنْ يَكُفُّ عَادِيَتَهُمْ عَنْ الْمُسْلِمِينَ .
وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْأُمَّةِ ، إذْ لَيْسَ مِنْ قَوْلِ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إبَاحَةُ الْقُعُودِ عَنْهُمْ حَتَّى يَسْتَبِيحُوا دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَسَبْيَ ذَرَارِيِّهِمْ" .
ومعنى كلامه هذا أن المسلمين في الشيشان وكشمير وأفغانستان والعراق وفلسطين ولبنان ليس عليهم واجب الجهاد، لأنه ليس هناك للمسلمين في الأرض دار للنصرة لهم فيها اليد العليا؟
بينما العدو الصائل على ديار المسلمين يجب دفعه بحسب الإمكان، ولا يشترط له شرط. قال ابن تيمية رحمه الله:
(وثبت في الصحيح من حديث عبادة بن الصامت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "على المرء المسلم السمع والطاعة في عسره ويسره ومنشطه ومكرهه وأثرة عليه". فأوجب الطاعة التي عمادها الاستنفار في العسر واليسر. وهنا نص في وجوبه مع الإعسار بخلاف الحج . هذا كله في قتال الطلب وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعاً فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه فلا يشترط له شرط بل يدفع بحسب الإمكان. وقد نص على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم فيجب التفريق بين دفع الصائل الظالم الكافر وبين طلبه في بلاده. والجهاد منه باليد ومنه ما هو بالقلب والدعوة والحجة واللسان والرأي والتدبير والصناعة فيجب بغاية ما يمكنه ويجب على القعدة لعذر أن يخلفوا الغزاة في أهليهم ومالهم) .
ب- وأكرر ما ذكرته سابقاً من أننا لا نطالب العاجز بالجهاد، بل نطالب من عجز في الحال بالإعداد للجهاد، ليتمكن من الجهاد، ونطالب العاجز عن الجهاد مطلقا –وهو المعذورُ عذراً شرعياً- أن يفعل ما يستطيع لنصرة الدين ونصرة الجهاد والمجاهدين كما قال تعالى ﴿... إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾. وهو الأمر الذي سكت عنه كاتب الوثيقة.
4- ثم يأتي الكاتب للب الرسالة وثمرتها التي يريدها منه الأمريكان واليهود وعملاؤهم في مصر وسائر ديار الإسلام فيقول:
"وبالنظر إلى الواقع فإن أحوال الجماعات الإسلامية الساعية إلى تطبيق الشريعة والنهي عن المنكر في معظم بلاد المسلمين أحوالها تتراوح بين العجز والاستضعاف، والسوابق والتجارب المريرة، التي خاضتها هذه الجماعات خير شاهد على ذلك، ومن الغرور أن يرى الإنسان في نفسه ما ليس فيها فيكون "كلابس ثوبي زور" ومن الغرور أن يلتزم المسلم بدينه اليوم ويصير في بضع سنين مفتياً لإخوانه وخبيراً عسكرياً يقودهم من مهلكة إلى مهلكة.
وبناء على ما سبق في هذا البند نرى عدم جواز تغيير المنكر باليد إلا لذي سلطان في سلطانه كالأب في أهل بيته أو لإنقاذ مسلم من مهلكة لا تتدارك، كما نرى عدم جواز الصدام مع السلطات الحاكمة في بلاد المسلمين من أجل تطبيق الشريعة باسم الجهاد. فالتغيير باليد والصدام كلاهما ليسا من الخيارات الشرعية الميسورة فلا تجب، وإنما تجب الدعوة بالحسنى، فإن عجز عنها المسلم ففي الصبر خيار وأجر".
أ- بينا من قبل أن العجز والقدرة يقدرها المجاهدون المجربون، وليس التاركون للجهاد ولا الأسرى المكرهون، وأن المجاهدين لا يرون أنفسهم عجزة، ويرون في الأمة قدرة وطاقة كبيرتين، ويستنفرونها للمشاركة في الجهاد، بما يغني عن إعادته.
ب- وهذا الرأي -الذي زعمه الكاتب- ينطبق أيضاً على الجماعات الإسلامية في الشيشان وأفغانستان والعراق وفلسطين، ففي هذه البلاد جماعات إسلامية مجاهدة تسعى لتطبيق الشريعة، وتواجه حكومات عميلة في كل منها. فإن قال إن هذه البلاد فيها جيوش محتلة أجنبية يجب دفعها، فالجواب إن هذا عامل آخر إضافي للاستضعاف، فالجماعات المجاهدة في هذه البلاد تواجه عدوين محلي وخارجي، بل هي محاصرة بالأعداء من حول بلدها، وكذلك أقول بأن في مصر والسعودية ودول الخليج جيوش أجنبية محتلة يجب دفعها. وكلها تقدم التسهيلات والدعم للقوات الصليبية المحتلة لديار المسلمين، وتساهم في قتل المسلمين.
الفرق فقط في تفاوت المقدار حسب مصلحة الأمريكان، وحسب ترتيب غزوهم في خطة الأمريكان.
وهي الخطة التي عطلها المجاهدون، الذين يوالون القاعدة ويناصرونها، ولولاهم لكان الأمريكان واليهود قد قسموا دول المنطقة، وبسطوا على شعوبها سيطرتهم التامة.
فعلى الجماعات المجاهدة في تلك البلاد أن تترك الجهاد لتطبيق الشريعة، لأنها مستضعفة، ولأنها ليس لها دار مستقلة محصنة ومحمية، ولأنها في كل تلك البلاد تصطدم بالسلطات الحاكمة المحلية، وهو الأمر الذي نهى عنه الكاتب.
ج- ثم ألم يسمع الكاتب بالطائرات التي خرجت من مصر لحصار العراق، ثم لغزو أفغانستان والعراق؟ ألم يسمع الكاتب بالسفن والأساطيل التي مرت في قناة السويس لتقتل المسلمين في أفغانستان والعراق؟ ألم يسمع الكاتب بالقوات الأمريكية في قاعدة راس بناس ومطار غرب القاهرة؟ ألم يسمع الكاتب عن تسهيلات التموين والتخرين التي توفرها حكومة أصحابه لأسيادهم الأمريكان؟ لماذا لم يتكلم بحرف واحد في وثيقته عن الوجود الأمريكي في مصر؟ بل لماذا لم يتكلم عن مكتب الإف بي آي ومكتب السي آي إيه في مصر اللذين يشرفان ويتابعان كتابة ونشر وثيقته؟ من الذي وفر لهم كل هذا أليست هذه السلطات الحاكمة التي ينهى المسلمين عن الصدام معها؟ فلماذا لم يذكر حرفاً عن عمالتها؟ لماذا لم يذكر حرفاً عن وجوب مقاومتها ولو باللسان؟ أليست وثيقته لترشيد العمل الجهادي؟ أم لتركيع العمل الجهادي؟
د- ثم ما يذكره الكاتب عن التجارب المريرة فسببها المحيطون به المحتفون به الفرحون به من ضباط مباحث أمن الدولة وأسيادهم الأمريكان في حلفهم الآثم فيما يسمى بالحرب على الإرهاب أو الحرب -في الحقيقة- على الإسلام. أصدقاؤه الذين ينشرون كتبه ويبيعونها ويكرهون الناس على الإقرار بها وإلا بقوا في السجن إلى ما شاء الله، فلماذا لم يوجه لهم حرفاً واحداً من النقد؟ (فما لكم كيف تحكمون).
وسأؤجل الكلام عن التجارب المريرة إلى التعليق على كلامه عن جماعة الجهاد في مصر إن شاء الله.
ولكني أقول له:
إن الحركة الإسلامية المجاهدة لم تنهزم بفضل الله، ولكنها تسير حثيثاً -في صبر وثبات واحتساب- نحو النصر بتوفيق الله، وإن كانت لم تحقق النصر في ميدان مثل مصر لظروف سأشرحها إن شاء الله، فقد خرجت من هذا الميدان لميدان أوسع، ومن تلك المواجهة لمواجهة أشد، وتحولت لفرع من مجموع أكبر من الطليعة المجاهدة المتوحدة، وأشركت الأمة معها في جهاد الأمريكان واليهود، وهو ما سأوضحه لاحقاً إن شاء الله، عند الكلام عن كلام الكاتب عن جماعة الجهاد في مصر. وهي أمور لم تكن لتدركها الحركة الجهادية في مصر لو استسلمت لسموم العجز والشلل التي تبثها أمثال تلك الوثائق بإشراف أمن الدولة ومن فوقهم سادتهم الأمريكان.
هـ- والكاتب قد ترك الجهاد كما يقول من قرابة خمس عشرة سنة، وعاش في اليمن باسمه الحقيقي معلناً عن نفسه أمام جميع مخابرات الدنيا، التي تعلم تركه للجهاد، ومع ذلك لم يتركوه في حملة أمريكا على الإسلام، فهل المجاهدون هم سبب التجارب المريرة؟ وهل كان يجب على المجاهدين ألا يمسوا أمريكا ولا إسرائيل ولا أحلافهما ولا عملاءهما بسوء، حتى يعيش الكاتب وأمثاله سالمين آمنين، وليتكسبوا معاشهم وسط أسرهم، التي أكثر من ذكرها في وثيقته؟
و- وتبقى هنا ملاحظة في غاية الأهمية؛ وهي أن الكاتب تغافل عن حكم هام جداً عند العجز، ألا وهو فريضة الإعداد.
يقول ابن تيمية رحمه الله:
"وكما يجب الاستعداد للجهاد بإعداد القوة ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز، فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" .
ويقول ابن كثير رحمه الله:
"ثم أمر تعالى بإعداد آلات الحرب لمقاتلتهم حسب الطاقة والإمكان والاستطاعة، فقال: { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ } أي: مهما أمكنكم، { مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ }
قال الإمام أحمد: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ابن وَهْب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي علي ثُمَامة بن شُفَيّ، أنه سمع عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر: { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ } ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي" .
فلماذا لم يدع الكاتب المسلمين للإعداد للقتال إذا عجزوا عنه، ومن الإعداد التدريب، وجمع المعلومات وجمع الأموال وتحريض المسلمين وتنظيمهم والدعوة للجهاد؟ لماذا لم يذكر الكاتب حرفاً واحداً عن ذلك في وثيقته للترشيد، ولم يذكره في خياراته الستة؟ أليس هذا حكماً شرعياً ثابتاً بالكتاب والسنة؟
5- ثم يتكلم الكاتب عن أن فاقد النفقة لا يجب عليه الجهاد، وأن من النفقة قوت عياله حتى يعود. فيقول:
"ووجود النفقة اللازمة للجهاد (إذا وجب) شرط من شروط وجوبه، وداخلة في القدرة والاستطاعة المذكورة في البند السابق. فمن فقد النفقة فهو غير مستطيع وبالتالي يسقط عنه وجوب الجهاد لعدم استكمال القدرة على القيام به. ودليل ذلك أن الجهاد كان فرض عين في غزوة تبوك لأن النبي صلى الله عليه وسلم استنفر الصحابة رضي الله عنهم للخروج في هذه الغزوة ولم يرخص لأحد في التخلف عنها، وفي هذا نزل قوله تعالى: ﴿انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّه...﴾ (التوبة: 41)، فاستنفر الله بذلك الجميع، ومع ذلك فقد عذر الله سبحانه أصنافاً في التخلف ومنهم فاقد النفقة وأسقط عنهم الحرج والإثم بما يعني سقوط واجب الجهاد عنهم رغم أنه كان فرض عين حينئذ فقال تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ {91} وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ﴾ (التوبة: 91، 92).
...............
والنفقة اللازمة للجهاد ليست مجرد ما يحتاجه المجاهد لنفسه وجهاده بل ويدخل فيها نفقة أسرته ومن يعولهم طول غيابه.
...........
فمن فقد هذا أو ذاك أو كليهما لم يجب عليه الجهاد وإن كان فرض عين، كأصحاب الأعذار في غزوة تبوك".
وأعلق فأقول بعون الله:
أ- إن الجهاد يتعين في ثلاث حالات: باستنفار الإمام وبحضور الصف وبدخول العدو لديار المسلمين، وأضاف المالكية حالة رابعة وهي استنقاذ الأسرى.
وفي غزوة تبوك كان الجهاد فرض عين باستنفار الله والرسول صلى الله عليه وسلم، واستثنى الله والرسول أصحاب الأعذار المذكورين.
أما في الجهاد المتعين بحضور الصف أو بنزول العدو بديار المسلمين فالأمر أشد، ويقدم الجهاد حينئذ على الوفاء بالدين، بل وعلى إطعام الجياع الذين قد يموتون من الجوع.
وقد بين ابن تيمية رحمه الله هذا الفرق حين قال:
"(قال أبو العباس) سئلت عمن عليه دين وله ما يوفيه وقد تعين الجهاد فقلت من الواجبات ما يقدم على وفاء الدين كنفقة النفس والزوجة والولد الفقير ومنها ما يقدم وفاء الدين عليه كالعبادات من الحج والكفارات ومنها ما يقدم عليه إلا إذا طولب به كصدقة الفطر فإن كان الجهاد المتعين لدفع الضرر كما إذا حضره العدو أو حضر الصف قدم على وفاء الدين كالنفقة وأولى وإن كان استنفار فقضاء الدين أولى إذ الإمام لا ينبغي له استنفار المدين مع الاستغناء عنه ولذلك قلت لو ضاق المال عن إطعام جياع والجهاد الذي يتضرر بتركه قدمنا الجهاد وإن مات الجياع كما في مسألة التترس وأولى فإن هناك نقتلهم بفعلنا وهنا يموتون بفعل الله" .
فانظر أيها القارئ الكريم؛ كيف فرق العالم المجاهد شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- بين الاستنفار الذي يقدم عليه الوفاء بالدين إذا كان عند صاحبه ما يوفيه، وبين الجهاد الذي يتضرر بتركه كمن حضره العدو أو حضر الصف، فيقدم الجهاد المتعين على الوفاء بالدين بل وعلى إطعام الجياع الذين قد يموتون.
ثم إذا نظرنا في كلام العلماء عن النفقة التي يجب توفرها لوجوب الجهاد العيني لوجدناهم يختلفون هل هي الزاد والراحلة؟ أم لا؟ وليس ما اشترطه الكاتب؛ نفقة ما يلزمه في الجهاد ونفقة أسرته ومن يعول حتى يعود!!
قال ابن تيمية رحمه الله:
"قَالَ الْقَاضِي إذَا تَعَيَّنَ فَرْضُ الْجِهَادِ عَلَى أَهْلِ بَلَدٍ وَكَانَ عَلَى مَسَافَةٍ يُقْصَرُ فِيهَا الصَّلَاةُ فَمِنْ شَرْطِ وُجُوبِهِ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ كَالْحَجِّ وَمَا قَالَهُ الْقَاضِي مِنْ الْقِيَاسِ عَلَى الْحَجِّ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحْمَدَ وَهُوَ ضَعِيفٌ فَإِنَّ وُجُوبَ الْجِهَادِ قَدْ يَكُونُ لِدَفْعِ ضَرَرِ الْعَدُوِّ فَيَكُونُ أَوْجَبَ مِنْ الْهِجْرَةِ ثُمَّ الْهِجْرَةُ لَا تُعْتَبَرُ فِيهَا الرَّاحِلَةُ فَبَعْضُ الْجِهَادِ أَوْلَى .
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : "عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِي عُسْرِهِ وَيُسْرِهِ وَمَنْشَطِهِ وَمَكْرَهِهِ وَأَثَرِة عَلَيْهِ" فَأَوْجَبَ الطَّاعَةَ الَّتِي عِمَادُهَا الِاسْتِنْفَارُ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَهُنَا نَصٌّ فِي وُجُوبِهِ مَعَ الْإِعْسَارِ بِخِلَافِ الْحَجِّ" .
فهنا لم يقبل شيخ الإسلام شرط وجود الراحلة في الجهاد العيني لدفع ضرر العدو الغازي، بل وأوجبه مع الإعسار، والإعسار درجة أعلى من فقدان النفقة، ولكن فيها ضيق وعسر، ولا يصل الإعسار بحال للكفاية ولا للشروط التي افترضها الكاتب ، ولا أدري ما مستنده فيها؟
وأنا أرجو من القارئ وهو يقرأ كلام شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- عن الجهاد أن يتذكر أنه قد جاهد بيده، وحرض المسلمين على الجهاد وعدم الاستسلام، فهو عالم مدرك لأحوال الجهاد والمجاهدين، وأن يتذكر أيضاً أنه لما سجن لم يتخل عن مبادئه، بل ظل ثابتاً عليها حتى مات في سجنه، فاستحق أن يكون إماماً يقتدى به، رحمة الله عليه وعلى أئمة المسلمين.
وقد استنفر قادة المجاهدين في العراق وأفغانستان المسلمين، واستنفرهم الشيخ أسامة بن لادن مع طائفة من العلماء في رسالته التي أشرنا إليها من قبل بعنوان (تحريض الأمة على الجهاد لتحرير الكعبة والمسجد الأقصى- رسالة من علماء المسلمين وقادة العمل الإسلامي)، واستنفرهم العلماء العاملون كالشيخ حمود العقلا رحمه الله. حيث قال -رحمه الله- في فتواه التي أوردناها سابقاً:
"لذا يجب نصرة هذه الدولة المجاهدة كلٌ بما يستطيع ، قال تعالى (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) وقال تعالى ( وتعاونوا على البر و التقوى ) ويجب إعانتهم بالمال والبدن والرأي والمشورة والإعلام والذب عن أعراضهم وسمعتهم والدعاء لهم بالنصر والتأييد والتثبيت".
كما حرضهم أمير المؤمنين الملا محمد عمر على النفير وإعانة المجاهدين قبل الغزو وبعده.
قال الإمام الجصاص رحمه الله:
"وَمَعْلُومٌ فِي اعْتِقَادِ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ إذَا خَافَ أَهْلُ الثُّغُورِ مِنْ الْعَدُوِّ ، وَلَمْ تَكُنْ فِيهِمْ مُقَاوِمَةٌ لَهُمْ فَخَافُوا عَلَى بِلَادِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ أَنَّ الْفَرْضَ عَلَى كَافَّةِ الْأُمَّةِ أَنْ يَنْفِرُ إلَيْهِمْ مَنْ يَكُفُّ عَادِيَتَهُمْ عَنْ الْمُسْلِمِينَ .
وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْأُمَّةِ ، إذْ لَيْسَ مِنْ قَوْلِ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إبَاحَةُ الْقُعُودِ عَنْهُمْ حَتَّى يَسْتَبِيحُوا دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَسَبْيَ ذَرَارِيِّهِمْ" .
فلماذا على أضعف الإيمان لا يحرض الكاتب غيره من غير الأسرى، وينشر لهم وثيقة كهذه؟ يدعوهم فيها للنفير لميادين الجهاد؟ أم أنهم لن يسمحوا له بكتابتها، ولا توزيعها، إذن يمكنه أن يكتبها سراً، وأنا كنت سجيناً وأعرف حيل السجن؟
أم أنه مكره ويخاف من تنكيلهم به؟ فإذاً يعيب الإكراه كل ما يقول، ويجرحه. ألم يستدل على عدم وجوب الجهاد على فاقد النفقة بقول الحق تبارك وتعالى: (لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)، فلماذا لا ينصح لله ورسوله ويأمر المؤمنين بالنفير للعراق وأفغانستان والشيشان والصومال وفلسطين؟ وينصح العاجز عن الجهاد بنفسه بأن يدعم المجاهدين بالمال والكلمة وغيرها؟ وينصحهم بالإعداد...؟ أم أنه مكره لا يستطيع ذلك؟ وسمحوا له فقط بانتقاد المجاهدين والتهجم عليهم؟
أم أنه لا يرى النفير لميادين الجهاد الحالية كأفغانستان والعراق وفلسطين؟
ثم ألم يعلم أن حسني مبارك وأعوانه الذين يحيطونه بعنايتهم، وينشرون كلامه ويوزعونه، ويسوقونه، ويبيعونه، ويكرهون المعتقلين على قبوله بالترغيب والترهيب هم من يسجن من يريد النفير لميادين الجهاد ويعذبونهم ويحيلونهم للمحاكم العسكرية التي تحكم عليهم بالسجن، وكذلك يفعلون بمن يعود من تلك الميادين.
ب- ولو نفر من الأمة مائة ألف أو مائتا ألف لكفوا، ولو أنفقت الأمة جزءاً يسيراً من زكواتها في الجهاد لكفته، ولكن الحكام الفاسدين المفسدين الذين يحيط به رجالهم ويوجهونك، وينشرون له ويكرهون الناس على الموافقة على كتاباته، هم الذين يمنعون الأمة من النفير ومن دعم الجهاد.
ج- لو تركت الأمة وشأنها لنفر الملايين من شبابها للجهاد، ولأنفقت المليارات على الجهاد، ولكن من يطالب المسلمين بالكف عنهم اليوم، هم الذين يحولون بين الأمة وبين رغبتها الجامحة في نصرة الإسلام والمسلمين، لو فتحت الحدود بين مصر وفلسطين، ولو حتى خففت القيود التي تفرضها حكومة حسني مبارك طاعة لأمر اليهود والأمريكان، لأمد أهل مصر المجاهدين في فلسطين بكل ما يحتاجون، ولكسروا الحصار الظالم -الذي تفرضه أجهزة الأمن التي تحتضنه وتهلل له- ضد الشعب الفلسطيني، بل ولنفر المسلمون من كل ديار الإسلام لكل ميادين الجهاد، وهذا هو أخشى ما تخشاه القوى الصليبية اليهودية المعادية للإسلام. ولذلك يطلبون من حكومة حسني مبارك وأمثالها أن يشجعوا أمثال هذه الكتابات؛ لا يجب الجهاد على الأعمى، لا يجب الجهاد على المشلول، لا يجب الجهاد على الكسيح.....! والله الذي لا إله إلا هو لو رفعت هذه الحكومات الخائنة القيود، فقط رفعت القيود، ولم تعن ولم تدعم، لتسابق أولو الأعذار مع الأصحاء للبذل والتضحية بالنفس والمال.
د- أمتنا محرومة من الجهاد، أمتنا ناء الظلم بكاهلها، وجثم على صدرها، وقيدت الخيانات أيديها وأرجلها.
هـ- نحن يا كاتب الوثيقة لم نطلب من المرضى ولا المعاقين ولا الفقراء المعدمين أن ينفروا، نحن طالبنا ونطالب أغلبية الأمة من الأصحاء الأقوياء -بفضل الله- أن ينفروا، حتى يُسد النقص وتحصل الكفاية، وطالبنا الأمة -ولديها من المال ما لا يحصيه إلا الله- أن تنفق أموالها في سبيل الله ولا تضيعه في العبث. الأمة يا صاحب الترشيد لو تركت وشأنها، ورفع بعض القمع، بعض القمع فقط عنها لاقتلعت السفارتين الأمريكية واليهودية في القاهرة من جذورهما. وأصدقاؤك ضباط المباحث يعلمون ذلك أكثر من غيرهم، ولذلك يضغطون عليك ويشجعونك ويرهبونك ويرغبونك، ويجمعون لك التوقيعات التي تسجل لدى (الجهات المختصة) كما ذكرت، وسأشرح هذه الجهات المختصة إن شاء الله في موضعها، لكي تنشر روح القعود والتخاذل بين الأمة ولكن -بفضل الله- هيهات هيهات. ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾.
و- ولذلك كان أحرى بك وأولى وأهم ليس أن تطالب المجاهدين بألا يستنفروا العجزة والمعدمين، وهم لم يفعلوا ذلك، بل أن تصرخ في وجوه المجرمين بأن يفكوا القيود التي قيدوا بها الأمة حتى يمنعوها من الجهاد، ويحولوا بينها وبين عزتها، ويتركوا المخطط الصليبي الصهيوني ليتمادى.
أين ترشيدك للظلمة الفسقة المجرمين الخونة يا صاحب الترشيد؟
سلطك الجلادون على ضحاياهم المعتقلين من سنين، بعد أن نكلوا بهم وعذبوهم واعتدوا على حرماتهم، فجاءوا بك لتوبخهم وتقرعهم؛ أنتم أخطأتم. أنتم انحرفتم. أنتم ضللتم... ثم تبتسم في وجوه الجلادين، فيكافئونك بشيء من فتات الدنيا. حسبنا الله ونعم الوكيل.
قال القاضي أبو الحسن الجرجاني رحمه الله:
ولم أقض حق العلم إن كنت كلما بدا طمع صيرته لي سلما
ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي لأَخْدم من لاقيت لكن لأُخدما
أأشقى به غرسا وأجنيه ذلة إذا فأتباع الجهل قد كان أسلما
فإن قلت زند العلم كاب فإنما كبا حين لم نحرس حماه وأظلما
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ولو عظموه في النفوس لعظما
ولكن أهانوه فهانوا ودنسوا محياه بالأطماع حتى تجهما
6- ثم يقول الكاتب إن بعض من لا يجب عليه الجهاد بسبب فقدان النفقة يسلك مسالك محرمة بحجة التجهز للجهاد مثل خطف الرهائن الأبرياء لطلب الفدية، أو يسطو على أموال المعصومين.
فأقول له:
أ- مرة أخرى يتعمد الكاتب -وهو أعلم بهذه المسائل- تغافل فريضة الإعداد، ومن الإعداد توفير ما يحتاجه الجهاد من مال وغيره. يقول الحق تبارك وتعالى: "وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ".
ومن الإعداد الإعداد المالي، وقد خرج المسلمون بقيادة النبي -صلى الله عليه وسلم- في بدر للغنيمة. فلماذا يتغافل الكاتب عن ذلك؟ لأن هذا لا يروق لضباط المباحث ولا للأمريكان الذين يشرفون على كتابة رسالته وتوزيعها وإكراه الناس على قبولها.
ب- ثم تكلم الكاتب عن أن بعض من يريد التجهز للجهاد يخطف الرهائن الأبرياء من أجل الفدية.
وأنا أود أن أعلق هنا بالآتي:
(1) هناك حكم شرعي ثابت وهو جواز خطف الكفار الحربيين -وخاصة المعتدين على المسلمين- والتصرف فيهم بما تتحقق به مصلحة المسلمين.
وهذا الحكم بالطبع لا يمكن أن يدرجه الكاتب في وثيقة ترشيد الجهاد، ولكنه كغيره من الأحكام التي يعلمها، يتغافل عنها عن عمد، ولو كان منصفاً وذكر أخطاء المجاهدين في خطف الأبرياء على زعمه، لكان يجب أن يذكر أصل المسألة الشرعي، ثم يفرق بين أصل المسألة والأخطاء التي ترتكب عند تنفيذها، ولكنه لا يمكن أن يفعل ذلك، وإلا لنكلوا به وحولوا الوثيقة من وثيقة لتمجيده والاحتفاء به إلى وثيقة اتهام للتنكيل به. وأنا هنا أشير لأدلة هذه المسألة في إيجاز:
(أ) قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ..﴾ الآية.
[1] قال ابن كثير رحمه الله:
"وقوله: { وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ } أي: لا تكتفوا بمجرد وجدانكم لهم، بل اقصدوهم بالحصار في معاقلهم وحصونهم، والرصد في طرقهم ومسالكهم حتى تضيقوا عليهم الواسع، وتضطروهم إلى القتل أو الإسلام" .
[2] وقال ابن جرير الطبري رحمه الله:
"( وَخُذُوهُمْ)، يقول: واقعدوا لهم بالطلب لقتلهم أو أسرهم كل مرصد، يعني كل طريق ومرقب، وهو مفعل من قول القائل: رصدت فلاناً أرصده رصداً، بمعنى: رقبته" .
[3] وقال البغوي رحمه الله:
"{ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ } أي: على كل طريق، والمرصد: الموضع الذي يرقب فيه العدو، من رصدت الشيء أرصده: إذا ترقبته، يريد: كونوا لهم رصدا لتأخذوهم من أي وجه توجهوا" .
[4] وقال الإمام الشوكاني رحمه الله:
"ومعنى : { خذوهم } : الأسر، فإن الأخيذ هو الأسير . ومعنى الحصر : منعهم من التصرّف في بلاد المسلمين إلا بإذن منهم ، والمرصد : الموضع الذي يرقب فيه العدوّ ، يقال : رصدت فلاناً أرصده ، أي اقعدوا لهم في المواضع التي ترتقبونهم فيها" .
[5] وقال القرطبي رحمه الله:
"قوله تعالى: (واقعدوا لهم كل مرصد) المرصد: الموضع الذي يرقب فيه العدو، يقال: رصدت فلانا أرصده، أي رقبته.
أي اقعدوا لهم في مواضع الغرة حيث يرصدون.
...........
وفي هذا دليل على جواز اغتيالهم قبل الدعوة" .
(ب) والأدلة من السنة:
[1] أخرج الإمام البخاري -رحمه الله- عن أبي هريرة-رضي الله عنه- قال:
"بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ فَقَالَ عِنْدِي خَيْرٌ يَا مُحَمَّدُ إِنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ مِنْهُ مَا شِئْتَ فَتُرِكَ حَتَّى كَانَ الْغَدُ ثُمَّ قَالَ لَهُ مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ قَالَ مَا قُلْتُ لَكَ إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ فَتَرَكَهُ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ فَقَالَ مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ فَقَالَ عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ فَقَالَ أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ فَانْطَلَقَ إِلَى نَخلٍ قَرِيبٍ مِنْ الْمَسْجِدِ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ يَا مُحَمَّدُ وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الْأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ إِلَيَّ وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيَّ وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ إِلَيَّ وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ فَمَاذَا تَرَى فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ لَهُ قَائِلٌ صَبَوْتَ قَالَ لَا وَلَكِنْ أَسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا وَاللَّهِ لَا يَأْتِيكُمْ مِنْ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" .
وقال ابن حجر -رحمه الله- في فوائد هذا الحديث:
"وَفِيهِ بَعْث السَّرَايَا إِلَى بِلَاد الْكُفَّار ، وَأَسْر مَنْ وُجِدَ مِنْهُمْ، وَالتَّخْيِير بَعْد ذَلِكَ فِي قَتْله أَوْ الْإِبْقَاء عَلَيْهِ" .
[2] وأخرج الإمام مسلم رحمه الله:
"عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: كَانَتْ ثَقِيفُ حُلَفَاءَ لِبَنِى عُقَيْلٍ فَأَسَرَتْ ثَقِيفُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَسَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ وَأَصَابُوا مَعَهُ الْعَضْبَاءَ فَأَتَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الْوَثَاقِ قَالَ يَا مُحَمَّدُ فَأَتَاهُ فَقَالَ مَا شَأْنُكَ فَقَالَ بِمَ أَخَذْتَنِي وَبِمَ أَخَذْتَ سَابِقَةَ الْحَاجِّ فَقَالَ إِعْظَامًا لِذَلِكَ أَخَذْتُكَ بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكَ ثَقِيفَ ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ فَنَادَاهُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحِيمًا رَقِيقًا فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ مَا شَأْنُكَ قَالَ إِنِّي مُسْلِمٌ قَالَ لَوْ قُلْتَهَا وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَكَ أَفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلَاحِ ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَادَاهُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ فَأَتَاهُ فَقَالَ مَا شَأْنُكَ قَالَ إِنِّي جَائِعٌ فَأَطْعِمْنِي وَظَمْآنُ فَأَسْقِنِي قَالَ هَذِهِ حَاجَتُكَ فَفُدِيَ بِالرَّجُلَيْنِ" .
وقال الإمام الشافعي رحمه الله في شرحه لهذا الحديث:
"ففداه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجلين اللذين أسرتهما ثقيف وأخذ ناقته (قال الشافعي) رحمه الله تعالى: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (أخذت بجريرة حلفائكم ثقيف) إنما هو أن المأخوذ مشرك مباح الدم والمال لشركه من جميع جهاته والعفو عنه مباح فلما كان هكذا لم ينكر أن يقول أخذت أي حبست بجريرة حلفائكم ثقيف ويحبسه بذلك ليصير إلى أن يخلوا من أراد ويصيروا إلى ما اراد
.....................
ولما كان حبس هذا حلالا بغير جناية غيره وإرساله مباحا كان جائزا أن يحبس بجناية غيره لاستحقاقه ذلك بنفسه ويخلى تطوعا إذا نال به بعض ما يجب حابسه" .
وقال الإمام الخطابي رحمه الله في شرح هذا الحديث أن قوله صلى الله عليه وسلم: "أخذت بجريرة حلفائك" فيه ثلاثة أقوال:
"أحدهما: ما ذهب إليه الشافعي وذكره في بعض كتبه فقال وذلك لأن المأخوذ مشرك مباح الدم والمال ولما كان حبسه حلالا بغير جناية جاز أن يحبس بجناية غيره لاستحقاقه ذلك بنفسه.
والقول الآخر: ما ذهب إليه بعض أهل العلم حدثني الحسن بن يحيى عن ابن المنذر قال قال بعض أهل العلم قوله أخذت بجريرة حلفائك دلالة أنه كان بينه وبينهم موادعة أو صلح فنقضت ثقيف الموادعة والصلح وترك بنو عقيل الإنكار عليهم ومنعهم من صنيعهم ذلك فصاروا كأنهم نقضوا العهد.
قال أبو سليمان وفيه وجه ثالث: وهو أن يكون معناه أخذت لتدفع بك جريرة حلفائك من ثقيف وأضمره في الكلام كقوله:
من شاء دلى النفس في هوة ضنـ...ـك ولكن من له بالمضيق
يريد من له بالخروج من المضيق. ويدل على صحة هذا التأويل قوله ففدي بعد بالرجلين والمعنى أخذت ليستنقذ بك من أسرته ثقيف" .
[3] وأخرج أبو داود رحمه الله:
"عَنْ جُنْدُبِ بْنِ مَكِيثٍ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ غَالِبٍ اللَّيْثِيَّ فِي سَرِيَّةٍ وَكُنْتُ فِيهِمْ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَشُنُّوا الْغَارَةَ عَلَى بَنِي الْمُلَوِّحِ بِالْكَدِيدِ فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْكَدِيدِ لَقِينَا الْحَارِثَ بْنَ الْبَرْصَاءِ اللَّيْثِيَّ فَأَخَذْنَاهُ فَقَالَ إِنَّمَا جِئْتُ أُرِيدُ الْإِسْلَامَ وَإِنَّمَا خَرَجْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْنَا إِنْ تَكُنْ مُسْلِمًا لَمْ يَضُرَّكَ رِبَاطُنَا يَوْمًا وَلَيْلَةً وَإِنْ تَكُنْ غَيْرَ ذَلِكَ نَسْتَوْثِقُ مِنْكَ فَشَدَدْنَاهُ وِثَاقًا" .
وفي رواية الأمام أحمد رحمه الله زيادة مفيدة. عن جندب بن مكيث الجهني قال:
"بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَالِبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْكَلْبِيَّ كَلْبَ لَيْثٍ إِلَى بَنِي مُلَوَّحٍ بِالْكَدِيدِ وَأَمَرَهُ أَنْ يُغِيرَ عَلَيْهِمْ
...............................
قَالَ وَأَمْهَلْنَاهُمْ حَتَّى رَاحَتْ رَائِحَتُهُمْ حَتَّى إِذَا احْتَلَبُوا وَعَطَنُوا أَوْ سَكَنُوا وَذَهَبَتْ عَتَمَةٌ مِنْ اللَّيْلِ شَنَنَّا عَلَيْهِمْ الْغَارَةَ فَقَتَلْنَا مَنْ قَتَلْنَا مِنْهُمْ وَاسْتَقْنَا النَّعَمَ فَتَوَجَّهْنَا قَافِلِينَ وَخَرَجَ صَرِيخُ الْقَوْمِ إِلَى قَوْمِهِمْ مُغَوِّثًا وَخَرَجْنَا سِرَاعًا حَتَّى نَمُرَّ بِالْحَارِثِ ابْنِ الْبَرْصَاءِ وَصَاحِبِهِ فَانْطَلَقْنَا بِهِ مَعَنَا...." الحديث .
وفيه فائدة جواز شن الغارات على الكفار الحربيين قبل فتح بلادهم، ووقائعه في السيرة المطهرة كثيرة، وسنشير إليه لاحقاً إن شاء الله.
كان ما عرضته سابقاً بإيجاز سريع؛ أدلة مسألة جواز خطف الحربيين والتصرف فيهم بما يراه الإمام من مصلحة المسلمين.
ولأخينا الفاضل الشيخ أبي يحيى الليبي -حفظه الله- رسالة قيمة بعنوان (دفع الرين عن أسرى عصابة الكوريين) شرح فيها المسألة تفصيلاً، فليراجعها من أراد التوسع.
(2) وبعد أن بينت أدلة مسألة جواز خطف الكفار الحربيين وخاصة من نقض العهد منهم، أو من كان حليفاً لمن نقض العهد، ورضي ولم يعترض عليه. أعود فأسأل الكاتب؛ من هم هؤلاء الرهائن الأبرياء الذين خطفوا وما حقيقة أمرهم؟ وقد نبهت في الملاحظة الخامسة من ملاحظاتي على منهج هذه الوثيقة أن الكاتب يلقي التهم جزافاً.
ج- ثم فليخبرنا الكاتب تحديداً متى اعتدى المجاهدون على أموال المسلمين حتى يستدل عليهم بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه".
د- أما السطو على أموال النصارى، فقد قام به أسلافه في التراجعات قادة الجماعة الإسلامية في السجن، ثم تراجعوا عنه واشتطوا في التراجع حتى عدوا أنور السادات شهيداً. فلماذا يوجه كلامه لغيرهم؟ أليس هذا من الخلط والتلبيس؟ وهو يعلم أننا كنا ومازلنا لا نرى ذلك مجدياً في هذه المرحلة لأنه لا فائدة عملية منه، وهو ما سأوضحه لاحقاً إن شاء الله.
7- الخلاصة:
أ- هذه الحلقة هي لب الرسالة التي أرادها ضباط المباحث والسي آي إيه، سم من العجز والقنوط واليأس يحقن في أوردة أمتنا التي تتصدى بقوة اليوم لأعدائها الصليبيين واليهود والروس في الشيشان وأفغانستان والعراق وفلسطين والصومال والجزائر، وتنكي فيهم وتنزل بهم الهزائم والخسائر.
ب- وواضح أن الهدف من الرسالة هو كف جهاد المسلمين ومقاومتهم للصليبيين واليهود وأجهزة الحكم العميلة في بلادنا، سواء باليد أو اللسان أو حتى الاحتجاج السلمي كالتظاهر والإضراب والاعتصام والمؤتمرات والاجتماعات. أي أن الرسالة تحرص -بلغة وزارة الداخلية- على عدم تعكير صفو الأمن.
ج- تغافل الكاتب عن فريضة الإعداد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللسان عند العجز عن عمد. لأنها لا تتماشى مع مصالح الذين أشرفوا على كتابة الوثيقة ولا أسيادهم.
د- رغم تكلف الكاتب في اختراع التهم إلا أنه لم يوجه حرفاً واحداً من النقد للذين يرتكبون كل يوم جرائم القتل واالتعذيب والاغتصاب وحصار الفلسطينيين ومنع من يريد النفير. مع أن هذا كان يلزمُهُ، وتتوافر أسبابُ ذكرِه في وثيقةٍ يزعُم كاتبوها أنها لترشيد الجهاد.



















الفصل الخامس
مناقشة ما ورد بالحلقة الرابعة عن إذن الوالدين والدائن
1- إذا كانت الحلقة الثالثة من الوثيقة تمثل ثمرة ما تريده أجهزة المباحث والمخابرات الأمريكية من تخذيل للمجاهدين وخداع للأمة المسلمة، فإن هذه الحلقة تمثل غاية التدهور العلمي الذي وصل إليه الكاتب، حيث ذكر ما حاصله، أن إذن الوالدين والدائن شرطان في الجهاد، ونعا على من يفجر نفسه دون إذن والديه، ثم حاول أن يتملص من اشتراطه إذن الوالدين في الجهاد العيني، فقال: "والفقهاء رحمهم الله وإن كانوا قد اتفقوا على أن إذن الوالدين إنما يشترط في الجهاد الكفائي، إلا أن بعض الفقهاء قد قال إن كان خروج المسلم لفرض العين من الجهاد فيه تضييع للوالدين أو أحدهما، لا يخرج..". ولم يذكر كلمة واحدة عن سقوط إذن الوالدين في الجهاد العيني، أما إذن الدائن فلم يحاول أن يتملص منه. وهذا تلبيس واضح وإخفاء للأحكام الفقهية الأساسية المجمع عليها، فلصالح من كل هذا؟
وأنا متأكد أنه يعلم خطأ ما كتبه، وأنه بكلامه هذا يقف في طرف وفقهاء الأمة كلهم في طرف آخر, ولا أدري كيف سمح لنفسه أن يورط نفسه هذه الورطة العلمية على مرأى ومسمع من الدنيا كلها، وهو يعلم باطلها، وكان يدرس ويعلم نقيضها. إذن فهذه السقطة العلمية تستدعي وقفة، للتساؤل عن الحالة التي يمر بها الكاتب، ومدى الضغط والتدخل فيما يكتب، اللذان أديا به لأن يسمح أن يسجل على نفسه هذه المخالفة. وكم أنا متألم، وأنا أجد نفسي مضطراً لأن أذكر بأبجديات الفقه شخصاً أمضيت معه أياماً من الأخوة الصادقة الخالصة لوجه الله كما أحسب. وكان يفيد بعلمه الصغير والكبير، ثم وصل حاله إلى تلك المخالفات الظاهرة، وهو أمر يبين أنه لو كان في غير ظروفه لما كتب ما كتب، ولا يعلم الغيب إلا الله.
2- وأنا سأمر بإيجاز على طائفة من أقوال علماء المذاهب الأربعة رحمهم الله في المسألة، وكيف أنهم يقررونها بلا خلاف، ثم أختم تلك الباقة بمسك الختام؛ بشهيد الإسلام -كما نحسبه- الشيخ عبد الله عزام رحمه الله، من كتابه الشهير (الدفاع عن أراضي المسلمين أهم فروض الأعيان)، والمثير للدهشة أن كاتب الوثيقة قد ألف رسالة في الدفاع عن ذلك الكتاب بعد شهادة الشيخ عبد الله عزام رحمه الله، رداً على تعقيب الشيخ سفر الحوالي عليه، وأسماها (تعقيب على التعقيب)، ثم طلب مني أن أحمل نسخة من الرسالة لتلاميذ الشيخ عبد الله رحمه الله، وأن أبلغهم أن هذه تحية وفاء من جماعة الجهاد للشهيد رحمه الله، ثم نصل اليوم لهذا الحال. الحمد لله على كل حال.
3- والآن أشرع في سرد أقوال العلماء رحمهم الله:
أ- أقوال السادة الأحناف رحمهم الله:
(1) قال الإمام الكاساني رحمه الله:
"فَأَمَّا إذَا عَمَّ النَّفِيرُ بِأَنْ هَجَمَ الْعَدُوُّ عَلَى بَلَدٍ ، فَهُوَ فَرْضُ عَيْنٍ يُفْتَرَضُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ هُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى { انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا } قِيلَ : نَزَلَتْ فِي النَّفِيرِ .
وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى { مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنْ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ } وَلِأَنَّ الْوُجُوبَ عَلَى الْكُلِّ قَبْلَ عُمُومِ النَّفِيرِ ثَابِتٌ ؛ لِأَنَّ السُّقُوطَ عَنْ الْبَاقِينَ بِقِيَامِ الْبَعْضِ بِهِ ، فَإِذَا عَمَّ النَّفِيرُ لَا يَتَحَقَّقُ الْقِيَامُ بِهِ إلَّا بِالْكُلِّ ، فَبَقِيَ فَرْضًا عَلَى الْكُلِّ عَيْنًا بِمَنْزِلَةِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ ، فَيَخْرُجُ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ ، وَالْمَرْأَةُ بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ فِي حَقِّ الْعِبَادَاتِ الْمَفْرُوضَةِ عَيْنًا مُسْتَثْنَاةً عَنْ مِلْكِ الْمَوْلَى وَالزَّوْجِ شَرْعًا ، كَمَا فِي الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ ، وَكَذَا يُبَاحُ لِلْوَلَدِ أَنْ يَخْرُجَ بِغَيْرِ إذْنِ وَالِدَيْهِ ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْوَالِدَيْنِ لَا يَظْهَرُ فِي فُرُوضِ الْأَعْيَانِ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ" .
(2) وقال ابن مودود الموصلي رحمه الله:
"الجهاد فرض عين عند النفير العام وكفاية عند عدمه، وقتال الكفار واجب على كل رجل عاقل صحيح حر قادر، وإذا هجم العدو وجب على جميع الناس الدفع تخرج المرأة والعبد بغير إذن الزوج والسيد" .
(3) وقال الزيلعي رحمه الله:
"(وَفَرْضُ عَيْنٍ إنْ هَجَمَ الْعَدُوُّ فَتَخْرُجُ الْمَرْأَةُ وَالْعَبْدُ بِلَا إذْنِ زَوْجِهَا وَسَيِّدِهِ ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِإِقَامَةِ الْكُلِّ فَيَجِبُ عَلَى الْكُلِّ وَحَقُّ الزَّوْجِ وَالْمَوْلَى لَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ النَّفِيرِ لِأَنَّ بِغَيْرِهِمْ كِفَايَةٌ فَلَا ضَرُورَةَ إلَى إبْطَالِ حَقِّهِمَا وَكَذَا الْوَلَدُ يَخْرُجُ بِغَيْرِ إذْنِ وَالِدَيْهِ" .
(4) وقال ابن عابدين رحمه الله:
"وَفَرْضُ عَيْنٍ إنْ هَجَمَ الْعَدُوُّ فَيَخْرُجُ الْكُلُّ وَلَوْ بِلَا إذْنٍ ) وَيَأْثَمُ الزَّوْجُ وَنَحْوُهُ بِالْمَنْعِ ذَخِيرَةٌ.
( قَوْلُهُ وَفَرْضُ عَيْنٍ ) أَيْ عَلَى مَنْ يَقْرُبُ مِنْ الْعَدُوِّ ، فَإِنْ عَجَزُوا أَوْ تَكَاسَلُوا فَعَلَى مَنْ يَلِيهِمْ حَتَّى يُفْتَرَضَ عَلَى هَذَا التَّدْرِيجِ عَلَى كُلِّ الْمُسْلِمِينَ شَرْقًا وَغَرْبًا
...........................
( قَوْلُهُ إنْ هَجَمَ الْعَدُوُّ ) أَيْ دَخَلَ بَلْدَةً بَغْتَةً ، وَهَذِهِ الْحَالَةُ تُسَمَّى النَّفِيرُ الْعَامُّ قَالَ فِي الِاخْتِيَارِ : وَالنَّفِيرُ الْعَامُّ أَنْ يُحْتَاجَ إلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ ( قَوْلُهُ فَيَخْرُجُ الْكُلُّ ) أَيْ كُلُّ مَنْ ذُكِرَ مِنْ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَالْمَدْيُونِ وَغَيْرِهِمْ قَالَ السَّرَخْسِيُّ ، وَكَذَلِكَ الْغِلْمَانُ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا إذَا أَطَاقُوا الْقِتَالَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجُوا وَيُقَاتِلُوا فِي النَّفِيرِ الْعَامِّ وَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ الْآبَاءُ وَالْأُمَّهَاتُ" .
ب- أقوال السادة المالكية رحمهم الله:
(1) قال الإمام القرطبي رحمه الله:
"وقد تكون حالة يجب فيها نفير الكل، وهي: الرابعة - وذلك إذا تعين الجهاد بغلبة العدو على قطر من الأقطار، أو بحلوله بالعقر، فإذا كان ذلك وجب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا ويخرجوا إليه خفافا وثقالا، شبابا وشيوخا، كل على قدر طاقته، من كان له أب بغير إذنه ومن لا أب له، ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج، من مقاتل أو مكثر.
فإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوهم كان على من قاربهم وجاورهم أن يخرجوا على حسب ما لزم أهل تلك البلدة، حتى يعلموا أن فيهم طاقة على القيام بهم ومدافعتهم.
وكذلك كل من علم بضعفهم عن عدو هم وعلم أنه يدركهم ويمكنه غياثهم لزمه أيضا الخروج إليهم، فالمسلمون كلهم يد على من سواهم، حتى إذا قام بدفع العدو أهل الناحية التي نزل العدو عليها واحتل بها سقط الفرض عن الآخرين.
ولو قارب العدو دار الإسلام ولم يدخلوها لزمهم أيضا الخروج إليه، حتى يظهر دين الله وتحمى البيضة وتحفظ الحوزة ويخزى العدو. ولا خلاف في هذا" .
(2) وقال الدسوقي -رحمه الله- معلقاً على كلام الشيخ الدردير شارح مختصر خليل رحمهما الله:
"( قَوْلُهُ : وَأَنَّ تَوَجُّهَ الدَّفْعِ عَلَى امْرَأَةٍ وَرَقِيقٍ ) فِيهِ أنَّ تَوَجُّهَ الدَّفْعِ هُوَ عَيْنُ فَرْضِيَّةِ الْجِهَادِ عَلَيْهِمْ فَكَأَنَّهُ قَالَ وَتَوَجَّهَ الدَّفْعُ بِفَجْءِ الْعَدُوِّ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ ، وَإِنْ كَانَ التَّوَجُّهُ عَلَى امْرَأَةٍ وَهَذَا غَيْرُ مَعْقُولٍ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ : وَإِنْ عَلَى امْرَأَةٍ مُبَالَغَةً فِي مَحْذُوفٍ ، وَالْمَعْنَى : وَتَعَيَّنَ بِفَجْءِ الْعَدُوِّ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْأَحَدُ امْرَأَةً ، كَذَا قَرَّرَ شَيْخُنَا قَالَ الْجُزُولِيُّ : وَيُسْهَمْ إذْ ذَاكَ لِلْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ لِأَنَّ الْجِهَادَ صَارَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ ، وَأَمَّا حَيْثُ لَمْ يَفْجَأْهُمْ الْعَدُوُّ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ وَلِذَا لَا يُسْهَمُ لَهُمْ .ا هـ .
بْن ( قَوْلُهُ : وَرَقِيقٍ ) ، وَكَذَا صَبِيٌّ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى الْقِتَالِ ( قَوْلُهُ : وَعَلَى مَنْ بِقُرْبِهِمْ ) أَيْ وَتَعَيَّنَ عَلَى مَنْ بِمَكَانٍ مُقَارِبٍ لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا مَعَهُمْ إنْ عَجَزَ مَنْ فَجَأَهُمْ الْعَدُوُّ عَنْ الدَّفْعِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ ، وَمَحَلُّ التَّعْيِينِ عَلَى مَنْ بِقُرْبِهِمْ إنْ لَمْ يَخْشَوْا عَلَى نِسَائِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ مِنْ عَدُوٍّ بِتَشَاغُلِهِمْ بِمُعَاوَنَةِ مَنْ فَجَأَهُمْ الْعَدُوُّ ، وَإِلَّا تَرَكُوا إعَانَتَهُمْ .
( قَوْلُهُ : وَبِتَعْيِينِ الْإِمَامِ ) أَيْ أَنَّ كُلَّ مَنْ عَيَّنَهُ الْإِمَامُ لِلْجِهَادِ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ ، وَلَوْ كَانَ صَبِيًّا مُطِيقًا لِلْقِتَالِ أَوْ امْرَأَةً أَوْ عَبْدًا أَوْ وَلَدًا أَوْ مَدِينًا ، وَيَخْرُجُونَ وَلَوْ مَنَعَهُمْ الْوَلِيُّ وَالزَّوْجُ وَالسَّيِّدُ وَرَبُّ الدَّيْنِ" .
ج- أقوال السادة الشافعية رحمهم الله:
(1) قال الإمام النووي رحمه الله:
"الضرب الثاني الجهاد الذي هو فرض عين فإذا وطئ الكفار بلدة للمسلمين أو أطلوا عليها ونزلوا بابها قاصدين ولم يدخلوا صار الجهاد فرض عين على التفصيل الذي نبينه إن شاء الله تعالى
..............................
ويجوز أن لا يحوج المزوجة إلى إذن الزوج كما لا يحوج إلى إذن السيد ولا يجب في هذا النوع استئذان الوالدين وصاحب الدين" .
(2) وقال الإمام زكريا الأنصاري رحمه الله:
"( وَ ) يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ ( بِدُخُولِ الْكُفَّارِ فَإِنْ دَخَلَ الْكُفَّارُ بِلَادَ الْمُسْلِمِينَ تَعَيَّنَ ) عَلَيْهِمْ ؛
..........................
( وَلَا حَجْرَ لِسَيِّدٍ ) عَلَى رَقِيقِهِ ( وَ ) لَا ( زَوْجٍ ) عَلَى زَوْجَتِهِ وَلَا أَصْلٍ عَلَى فَرْعِهِ وَلَا دَائِنٍ عَلَى مَدِينِهِ" .
وقال أيضاً رحمه الله:
"(وإن دخلوا) أي الكفار (بلدة لنا) مثلا (تعين) الجهاد (على أهلها)
..............................
فيجب ذلك على كل ممن ذكر، (حتى على فقير وولد ومدين ورقيق بلا إذن) من الاصل، ورب الدين والسيد" .
(3) وقال الشيخ علي الشبراملسي رحمه الله:
"( الثَّانِي ) مِنْ حَالِ الْكُفَّارِ ( يَدْخُلُونَ ) أَيْ دُخُولُهُمْ عُمْرَانَ الْإِسْلَامِ وَلَوْ جِبَالَهُ أَوْ خَرَابَهُ ، فَإِنْ دَخَلُوا ( بَلْدَةً لَنَا ) أَوْ صَارَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَنَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ كَانَ أَمْرًا عَظِيمًا ( فَيَلْزَمُ أَهْلَهَا الدَّفْعُ ) لَهُمْ ( بِالْمُمْكِنِ ) أَيْ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ أَطَاقُوهُ ، وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ ( فَإِنْ أَمْكَنَ تَأَهُّبٌ لِقِتَالٍ ) بِأَنْ لَمْ يَهْجُمُوا بَغْتَةً ( وَجَبَ الْمُمْكِنُ ) فِي دَفْعِهِمْ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ ( حَتَّى عَلَى ) مَنْ لَا جِهَادَ عَلَيْهِ مِنْ ( فَقِيرٍ وَوَلَدٍ وَمَدِينٍ وَعَبْدٍ ) وَامْرَأَةٍ فِيهَا قُوَّةٌ ( بِلَا إذْنٍ ) مِمَّنْ مَرَّ" .
د- أقوال السادة الحنابلة رحمهم الله:
(1) قال ابن قدامة رحمه الله:
"( 7433 ) وَإِنْ خَرَجَ فِي جِهَادِ تَطَوُّعٍ بِإِذْنِهِمَا ، فَمَنَعَاهُ مِنْهُ بَعْدَ سَيْرِهِ وَقَبْلَ وُجُوبِهِ ، فَعَلَيْهِ الرُّجُوعُ ، لِأَنَّهُ مَعْنًى لَوْ وُجِدَ فِي الِابْتِدَاءِ مَنَعَ ، فَإِذَا وُجِدَ فِي أَثْنَائِهِ مَنَعَ ، كَسَائِرِ الْمَوَانِعِ ، إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ فِي الرُّجُوعِ ، أَوْ يَحْدُثَ لَهُ عُذْرٌ ، مِنْ مَرَضٍ أَوْ ذَهَابِ نَفَقَةٍ أَوْ نَحْوِهِ ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْإِقَامَةُ فِي الطَّرِيقِ ، وَإِلَّا مَضَى مَعَ الْجَيْشِ ، فَإِذَا حَضَرَ الصَّفَّ ، تَعَيَّنَ عَلَيْهِ بِحُضُورِهِ ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُمَا إذْنٌ .
وَإِنْ كَانَ رُجُوعُهُمَا عَنْ الْإِذْنِ بَعْدَ تَعَيُّنِ الْجِهَادِ عَلَيْهِ ، لَمْ يُؤَثِّرْ رُجُوعُهُمَا شَيْئًا" .
وقال أيضاً رحمه الله:
"( 7435 ) فَصْلٌ وَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَالٌّ أَوْ مُؤَجَّلٌ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْخُرُوجُ إلَى الْغَزْوِ إلَّا بِإِذْنِ غَرِيمِهِ ، إلَّا أَنْ يَتْرُكَ وَفَاءً، أَوْ يُقِيمَ بِهِ كَفِيلًا ، أَوْ يُوَثِّقَهُ بِرَهْنٍ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَرَخَّصَ مَالِكٌ فِي الْغَزْوِ لِمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا تَتَوَجَّهُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ وَلَا حَبْسُهُ مِنْ أَجْلِهِ ، فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْ الْغَزْوِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَينٌ .
وَلَنَا أَنَّ الْجِهَادَ تُقْصَدُ مِنْهُ الشَّهَادَةُ الَّتِي تَفُوتُ بِهَا النَّفْسُ فَيَفُوتُ الْحَقُّ ، بِفَوَاتِهَا ، وَقَدْ جَاءَ { أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنْ قُتِلْت فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا ، تُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إلَّا الدَّيْنَ ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لِي ذَلِكَ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَمَّا إذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ ، فَلَا إذْنَ لِغَرِيمِهِ ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِعَيْنِهِ ، فَكَانَ مُقَدَّمًا عَلَى مَا فِي ذِمَّتِهِ ، كَسَائِرِ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ" .
وقال أيضاً رحمه الله:
"( 7438 ) مَسْأَلَةٌ وَوَاجِبٌ عَلَى النَّاسِ إذَا جَاءَ الْعَدُوُّ ، أَنْ يَنْفِرُوا ؛ الْمُقِلُّ مِنْهُمْ ، وَالْمُكْثِرُ ، وَلَا يَخْرُجُوا إلَى الْعَدُوِّ إلَّا بِإِذْنِ الْأَمِيرِ ، إلَّا أَنْ يَفْجَأَهُمْ عَدُوٌّ غَالِبٌ يَخَافُونَ كَلَبَهُ ، فَلَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَسْتَأْذِنُوهُ قَوْلُهُ : الْمُقِلُّ مِنْهُمْ وَالْمُكْثِرُ .
يَعْنِي بِهِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - الْغَنِيَّ وَالْفَقِيرَ ، أَيْ مُقِلٌّ مِنْ الْمَالِ وَمُكْثِرٌ مِنْهُ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ النَّفِيرَ يَعُمُّ جَمِيعَ النَّاسِ ، مِمَّنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ ، حِينَ الْحَاجَةِ إلَى نَفِيرِهِمْ ؛ لِمَجِيءِ الْعَدُوِّ إلَيْهِمْ .
وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ التَّخَلُّفُ ، إلَّا مَنْ يُحْتَاجُ إلَى تَخَلُّفِهِ لِحِفْظِ الْمَكَانِ وَالْأَهْلِ وَالْمَالِ ، وَمَنْ يَمْنَعُهُ الْأَمِيرُ مِنْ الْخُرُوجِ ، أَوْ مَنْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْخُرُوجِ أَوْ الْقِتَالِ ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا } .
وَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا } .
وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى الَّذِينَ أَرَادُوا الرُّجُوعَ إلَى مَنَازِلِهِمْ يَوْمَ الْأَحْزَابِ ، فَقَالَ تَعَالَى : { وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إنْ يُرِيدُونَ إلَّا فِرَارًا } .
وَلِأَنَّهُمْ إذَا جَاءَ الْعَدُوُّ ، صَارَ الْجِهَادُ عَلَيْهِمْ فَرْضَ عَيْنٍ فَوَجَبَ عَلَى الْجَمِيعِ ، فَلَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ التَّخَلُّفُ عَنْهُ" .
(2) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"وإذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة وأنه يجب النفير إليه بلا إذن والد ولا غريم ونصوص أحمد صريحة بهذا وهو خير مما في المختصرات لكن هل يجب على جميع أهل المكان النفير إذا نفر إليه الكفاية كلام أحمد فيه مختلف وقتال الدفع مثل أن يكون العدو كثيرا لا طاقة للمسلمين به لكن يخاف إن انصرفوا عن عدوهم عطف العدو على من يخلفون من المسلمين فهنا قد صرح أصحابنا بأنه يجب أن يبذلوا مهجهم ومهج من يخاف عليهم في الدفع حتى يسلموا ونظيرها أن يهجم العدو على بلاد المسلمين وتكون المقاتلة أقل من النصف فإن انصرفوا استولوا على الحريم فهذا وأمثاله قتال دفع لا قتال طلب لا يجوز الانصراف فيه بحال ووقعة أحد من هذا الباب" .
هـ- وقال شهيد الإسلام -كما نحسبه- الشيخ عبد الله عزام -رحمه الله- عن حالات تعين الجهاد:
"الحالة الأولى: دخول الكفار بلدة من بلاد المسلمين:
ففي هذه الحالة اتفق السلف والخلف وفقهاء المذاهب الأربعة والمحدثون والمفسرون في جميع العصور الإسلامية إطلاقا أن الجهاد في هذه الحالة يصبح فرض عين على أهل هذه البلدة -التي هاجمها الكفار- وعلى من قرب منهم، بحيث يخرج الولد دون إذن والده، والزوجة دون إذن زوجها، والمدين دون إذن دائنه، فإن لم يكف أهل تلك البلدة أو قصروا أو تكاسلوا أو قعدوا يتوسع فرض العين على شكل دوائر الأقرب فالأقرب، فإن لم يكفوا أو قصروا فعلى من يليهم ثم على من يليهم حتى يعم فرض العين الأرض كلها" .
بقيت ملحوظة أخيرة: وهي أن الكاتب قد أورد قولاً نسبه للإمام الشافعي رحمه الله، فقال الكاتب: وقد ذكر الإمام الشافعي -رحمه الله- في كتابه (الأم): "لا يجوز أن يخرج الرجل للجهاد وهو يخاف على أهله من العدو إذا خرج وتركهم". وقد بحثت مراراً عن هذا القول، واستخدمت البحث الإلكتروني في برنامجين مختلفين، فلم أعثر على هذا النص، فأرجو من الكاتب أو من أي أخ يعلم موضع هذا النص أن يدلني عليه بدقة حتى أصل إليه. هذه واحدة، والثانية؛ أن هذا النص -حتى لو كان موجوداً- لكان محمولاً على الجهاد الكفائي، وعادة الفقهاء أنهم حين يتكلمون عن الجهاد عموماً يقصدون الجهاد الكفائي، لأنه هو الأصل عندهم وفي عصورهم، ثم يستثنون منه أحكام الجهاد العيني، ولكن الحال في زماننا انقلب، وإنا لله وإنا إليه راجعون، وقد نقلت اتفاق المذاهب الأربعة على عدم وجوب استئذان الوالدين أو المدين، ومما نقلت أقوال السادة الشافعية رحمهم الله، ونقلت قول إمامهم بل إمام المسلمين جميعاً؛ الإمام النووي رحمه الله، والغالبُ أنه لا يكون لإمامهم الشافعي قولٌ مخالفٌ ثم لا يذكرونه، أو حتى لا يشيرون إليه.
4- ثم تكلم الكاتب فيما بقي من هذه الحلقة عن تصرفات المسلمين في حالات العجز والضعف، وأظن أن ما ذكرته في الفصل السابق كاف في التعليق عليه. والله أعلم.











الفصل السادس
مناقشة ما ورد في الحلقة الخامسة عن الخروج على الحاكم
1- تكلم الكاتب في بداية حلقته عن موقف السلف من حكام الجور، وهي مسألة لا أرى بحثها، لأن الجماعات المجاهدة ليست معنية بها في هذا العصر، فإن الجماعات المجاهدة تتصدى لعدوين الأول التحالف الصليبي الصهيوني والثاني الحكام العملاء الفاسدون في بلاد المسلمين، وترى ردة هؤلاء الحكام بالأدلة من الكتاب والسنة والإجماع وفتاوى العلماء المتقدمين والمعاصرين لسببين رئيسيين : أولهما حكمهم بغير الشريعة وبناء نظامهم وقوانينهم ودساتيرهم على ذلك، وثانيهما: موالاتهم لأعداء الأمة من الصليبيين واليهود على المسلمين.
2- ثم تطرق الكاتب بعد ذلك (لكفر السلطان والخروج عليه)، وتكلم عن المفاسد التي أحدثتها الجماعات الإسلامية بصدامها مع الحكومات من أجل ذلك، وطرح حلولاً ليس منها الإعداد ولا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا حتى الاحتجاج السلمي كالاجتماعات والإضرابات والاعتصامات والندوات والمؤتمرات وغيرها، حرصاً منه على (عدم تعكير صفو الأمن). وقد رددت عليه بما أراه كافياً في الفصل الرابع.
ولكن الملاحظ هنا أن الكاتب بدأ يتخبط في شروطه، فقد اشترط للجهاد شروطاً يسقط الجهاد بعدمها، ومنها دار الهجرة والنصرة التي علقت عليها، وبينت بطلان اشتراطه لها في الفصل الرابع، إلا أنه في هذا الفصل بدأ يقدم بديلين لها، فقال: "فالجهاد لا بد له من مقدمات ومقومات تعتبر من شروط وجوبه فإذا انعدمت سقط الوجوب، ومنها دار الهجرة والنصرة (كالمدينة) أو دار الأمن (كالحبشة) أو القاعدة الآمنة (كأبي بصير)". وكما ذكرت في الفصل الرابع، فالكاتب يخرج علينا بأمور لم يسبقه إليها أحد، فأول سؤال يُوجَّه إليه : مَن سبقك بهذه الشروط من أهل العلم المعتَبَرين أهل الاجتهاد والفتوى؟
ثم إن كلامه مردود عليه، فإذا كانت القاعدة الآمنة من شروط الجهاد، فهي متوفرة بفضل الله في العديد من ميادين الجهاد، وعلى مساحات شاسعة. لأنه لابد أنه يقصد أن القاعدة الآمنة غيرُ دار النصرة وغيرُ دار الأمان، لأنه ذكرها قسيمةً لهما، إلا أن يخرج علينا بعدها بتراجُعٍ جديد مفادُه أن القاعدة الآمنة لا تكون إلا دارَ هجرة ونصرة كاملة أو دار أمانٍ، فيلغي شرط "القاعدة الآمنة" بالمرة!!
3- ثم تكلم الكاتب عن المحظورات الشرعية التي وقع فيها بعض من حاولوا الالتفاف على نقص مقومات نجاح الجهاد، فذكر ستة محظورات، أجل الكلام عن اثنين منها، ثم ذكر الثالث وهو (استحلال أموال لا تحل بالسطو والخطف بدعوى تمويل الجهاد)، وقد أجبت عليه -بفضل الله- في الفصل الرابع.
ثم ذكر الرابع منها وهو "العجز عن تأمين ذراري المسلمين بما يعرضهم للتلف والفتن"، وهو موضوع شفعه الكاتب في كثير من المواضع بالسب والشتم، ولكني أقول: هل لما كانت نساء المسلمين -ومنهن أمهات المؤمنين- يسقين ويداوين الجرحى في أرض المعركة كان هذا الشرط (لوجوب الجهاد) متوفراً، وهل لما جهر النبي صلى الله عليه وسلم بدعوته في مكة، ونال الأذى نساء المسلمين كالسيدة سمية رضي الله عنها، كان النبي صلى الله عليه وسلم مضيعاً لها؟ نعم يسعى المسلمون لتأمين ذراريهم، ولكن لا يعطلون الجهاد ويقيمون بجانبهم.
4- ثم تكلم الكاتب عن المحظور الخامس، وهو: "تلقي أموال والاستعانة بأنظمة حكم في دول أخرى ليست بأفضل من بلدانهم لقتال أهل بلدهم بما أوقعهم في فخ العمالة وحروب الوكالة، فيبدأ شأنه مجاهداً ويصير عميلاً مرتزقاً".
وأعلق فأقول:
أ- الكاتب يدعو للتدقيق والتحقيق، وأنا أود أن أنبهه أن يدقق في أقواله، لأن المجاهدين لا يقاتلون أهل بلدهم، ولكنهم يقاتلون من يقاتل أهل بلدهم، ويعتدي على أهل بلدهم، وينتهك حرمات أهل بلدهم. هل سمعت عن بلد اسمه أمريكا؟ هل علمت بما جرى في سيناء؟ أقدم لك نموذجاً بسيطاً. شهادة أحد ضحايا أصدقائك الذين يدافعون عن أهالي مصر، فاقرأ هذا التقرير المخزي المؤسف، وحسبنا الله ونعم الوكيل:
"140 سيدة تم القبض عليهن كرهائن.
......................
النقاب ينزع من على وجوه النساء في الشوارع.. لم تعد هناك نساء يسرن في الشارع وحدهن.. الرجال حلقوا لحاهم خوفاً من الاشتباه.
......................
أخدوني على أمن الدولة في العريش.. شتمني بأمي.. قال لي يا ابن القحبة.. اتجننت.. صرخت قلت لهم أمي جزمتها أشرف منكم كلكم.. ضربوني بالعصاية عشر ضربات على راسي.. لقيت جوه 200 أو 300 بني آدم.. رجاله بتصرخ وبنات بنوت بتصرخ.
......................
في أمن الدولة في العريش كان الصريخ والصوات من كل مكان.. رجاله وحريم.. شتموني رديت عليهم.. قعدت هناك 10 دقايق بس شفت فيهم الويل.. شفت التعذيب على ناس تانيه بس.. شفت بعنيه رجاله بزازهم سايحه.. كهربوهم في بزازهم وفي حتت تانيه من جسمهم.
......................
في الترحيلة كان فيه 15 ست نزلوا في القناطر غالبا، قرايب الحاج فليفل (من قرية الميدان عند مدخل العريش متهم في أحداث طابا) أخدوا كل القرية ستات ورجاله وأطفال (5 أطفال).. مرات ابن أخويا سلمت نفسها عشان يخرجوا أخوها الصغير.. كانوا واخدينه بدل أخوه الكبير.. قعدت هي وهو خمس أيام وبعدين خرجوها. (تم القبض على سبعة أشخاص من هذه العائلة من بينهم سيدة).
......................
جم وش الصبح.. بالرشاشات والمسدسات.. فتشوا البيت والدواليب.. سألوا عن (م) ومراته.. قلنا لهم ما شفناهمش من يوم ما فطروا معانا في أول يوم رمضان.. أخدوا الولد الصغير لحد ما (م) يسلم نفسه.. وأخدوا أخوه.. الناس خايفه.. البنت راحت سلمت نفسها عشان يسيبوا أخوها الصغير.. خلوهم خمس أيام عندهم وبعدين خرجوهم.. كانت حامل في أربع شهور أو تلات شهور.. بعد ما خرجت رمت حملها.. حتة لحمة صغيرة عمرها ييجي أربع شهور.. العيال بقت بتصرخ والنسوان خايفه.. حتى الرجاله حلقوا دقونهم.. كانوا يمسكوا الراجل من دقنه يشدوها يطلع الشعر في إيديهم ومعاه الدم عليه.. حسبي الله ونعم الوكيل.
......................
عشرين سنة واحنا تحت احتلال اليهود ما حدش عمل فينا كده.
......................
احنا نتحمل كل ده ليه من الحكومة؟ .. ده الاحتلال ما عملش فينا كده.. هو فيه إيه؟
......................
الستات كانوا محجوزين في مسجد أمن الدولة بالعريش، وكانوا بيضربوهم بالفلكة في المسجد.
......................
أخدوا بنات عمي ونسوان إخواتي الاتنين.
......................
أخويا راح سلم نفسه لما عرف إنهم هياخدوا أمه.
......................
البيوت ما بقاش فيها غير النسوان، وحتى النسوان بياخدوهم.. البنات بتمشي في الشارع يشدوا النقاب من على وشها، واللي ما ترضاش ياخدوها.. رعب.. وبيقولوا انهم بعد العيد هيكملوا تاني.
......................
كانوا عاوزين ياخدوا البنت (12 سنة).. هربت من البيت.. العريش كلها قعدت بره بيوتها حوالي 13 يوم.
......................
أخدوا مرات حماده كانت حامل، لفوا بيها في العربية عشان تدل على أصحاب جوزها.. نزفت من كتر اللف في العربيات.. مرات اسماعيل كهربوها في صوابعها.. لما راحت البنت تسأل عن أخوها قال لها عدي جوه لحسن أطلع ميتين أمك.. وشتم سمر وقال لها يا بنت المرة الوسخة.. ومرات اسماعيل شد النقاب من على وشها.. وقت ما حجزوا مرات (ح) كان فيه 45 ست فوق بعض، ولما يدخلوا الحمام يفوتوا على الرجاله، وكانت بتسمع صوت رجاله بيصرخوا.. وشافت اسماعيل متعلق عريان قدامها.
......................
الستات اللي اتعذبوا من البدو في الشيخ زويد كان معاهم واحدة والدة من تلات أيام.. ضربوها ونزفت، فراحت على المستشفى وعليها حراسة.
......................
فيه واحدة زميلتي في الشغل كانت في السوق.. قالوا لها اخلعي النقاب.. رفضت، ضربوها رصاصة في كتفها.. بقوا يقلعوا النسوان النقاب بالعافية، ويضربوهم بالشلاليت.. أنا شفت ده بعيني.. إن شغلي قريب من السوق وباشوف الستات لما ده حصل لهم.
......................
فيه شاب تاني فتشوه وأخدوا من جيبه المصحف.. سألوه إيه ده؟ قال كلام ربنا.. راحوا شتموه. قال بلاش عشان حرام في رمضان.. راحوا ضربينه.
......................
كان معايا في سيارة الترحيلات ابن عمي.. وكان فيه واحد تاني مطلوب القبض عليه لما ما لاقوهوش أخدوا بدل منه أبوه، وأخدوا مراته من العريش من عند أهلها واتنين من اخواته.. سلم نفسه فأفرجوا عن الستات.. كانوا 200 سيدة.. أفرجوا عنهم قبلي بيوم.. جسمي تاعبني ونظري تعبان، كانوا راميينا في الرطوية في الطرقة.. كنا مقرفصين.. حوالي 40 واحد.. الستات كمان كانوا الأول في الطرقة.. قعدوا تقريبا من أسبوع لعشر أيام بعدين نقلوهم المسجد.. كان أغلبيتهم معاهم أطفال من عيال بترضع لحد 6 سنين.
......................
سمعت ان الستات كمان اتكهربوا
......................
كل يوم يهجموا على البيت، وياخدوا ستات ورجاله.
...........................
لحد النهارده عندهم.. (ف.س.ح.) راح سلم نفسه عشان كانوا أخدوا أمه واخواته الصغار.. أمه اتكهربت.
......................
شيوخ القبائل بيرهبوا الناس ويضغطوا عليهم يسلموا ولادهم بدل ما العيلة كلها تتعذب. وواحد منهم سلم اتنين من ولاده بنفسه.
......................
بعد مغادرتنا المنزل الثاني اتصلت الأسرة بالمحامين لتخبرها أن أمن الدولة جاءوا بسيارة نصف نقل، وطلبوا الأخ الوحيد المتبقي. ثار الأب، وقرر أن يسلم نفسه بدلاً منه، لكنهم أصروا على أخذ الشاب، الذي قرر أن يذهب معهم، لكي لا يعرض أمه ونساء المنزل للبهدله.
......................
بعد زيارتنا استدعوا الأخ الذي تقابلنا معه لمقابلة "الباشا"..قبل أن نغادر قابلنا المواطن الذي استدعوه لأمن الدولة لمقابلة الباشا بعد أن زرنا أسرته!! سألناه إذا كان يمكن أن يهرب.
مش أهرب.. انا هأقعد في البيت مع أمي وإخواتي.. عاوزين ييجوا ييجوا.. ما طلبوني قبل كده ورحت.. عاوزين إيه تاني.. المرة دي أنا عارف ايه اللي هيحصل.. انا مش سايب البيت إلا ميت أنا واللي فيه.. هو فاضل إيه.. وأسيب النسوان لمين.. عشان يبهدلوهم.. ما بقاش فيه حاجة.. الناس خايفة من بعض .. ما سابوش حاجة.
......................
رجال الشرطة يتوعدون الأهالي بأن ينتظروا ليشهدوا ما سوف يحدث بعد العيد.. (والله لنحرقها حرق.. لازم البلد دي تتربى)" .
هل سمعت يا صاحب الترشيد عن عماد الكبير؟ يا صاحب الترشيد إذا أردت أن تعرف من يقاتل أهل بلده ويبيعهم لأمريكا وينتهك حرماتهم.. ..فانظر حولك.
ب- ثم يتكلم الكاتب عن العمالة وحروب الوكالة، ويبدو أن الكاتب تختلط عليه المصطلحات، أيها الكاتب النحرير نحن لا نحارب بالوكالة، نحن -بفضل الله- نحارب أمريكا وجهاً لوجه. ألم يبلغك الخبر؟ اسأل من حولك. يخبروك عن العمالة وعمالة العمالة.
ج- وكنت أتمنى أن يرتفع الكاتب لمقام الترشيد فيكف عن التأثر بمصطلحات وأسلوب من حوله.
5- ثم تكلم الكاتب عن المحظور السادس وهو اللجوء السياسي، فقال: "اضطرار البعض إلى عمل لجوء سياسي لدى الدول الأجنبية (بلاد الكفار الأصليين) فيكون بذلك قد دخل تحت حكم الكفار وقوانينهم باختياره، في حين أن القوانين المخالفة للشريعة تجري عليه في بلده بغير اختياره..".
وهذه مغالطة واضحة من ناحيتين:
أ- الأولى أن الذي لجأ للجوء السياسي لم يرتكب محظوراً، وإنما فر من الهلاك والتلف على أيدي من ينشرون وثيقتك ويشرفون عليها.
ب- والثاني أنه لم يذهب إليها باختياره، بل ذهب مضطراً، ولذلك فتفرقتك بين القوانين المخالفة للشريعة في بلدك وفي بلاد الكفار الأصليين على أساس الاختيار وعدمه تفرقة غير صحيحة. ثم إن المجاهدين قد دعوك لتقيم في الإمارة الإسلامية بعيداً عن أحكام الكفار والمرتدين، فأبيت، واخترت الاستمرار في الإقامة تحت حكم علي عبد الله صالح ودولته، فلماذا تعيب على اللاجئين السياسيين أمراً قد اخترته، أو اخترتَ أشد منه سوءاً أو أضر منه على دينك؟
6- ثم قال الكاتب: "وأنبه هنا على أن تقسيم الناس إلى مدنيين وعسكريين هو تقسيم محدث، ولكنا سوف نستعمله لشيوعه لتقريب الفهم في البنود التالية"، وهو أمر غير مقبول فقهاً، بل هو خطأ يتعمده الغربيون وأجهزة إعلامهم وعملاؤهم وعلماء السلطان للزعم بأن المجاهدين لا يحترمون أحكام الشريعة، فلماذا يجاريهم الكاتب في مصطلحات هو نفسه يعتبرها خاطئة؟ أو هو التناقض الباطن المضمَرُ بين ما عند الإنسان من علمٍ وما يعرفه من الحق، وبين ما يقوله رغبةً أو رهبةً...؟!
7- ثم تكلم الكاتب عن عمليات الجهاد في مصر، وتحدث عن عمليتي الهجوم على موكبي وزير الداخلية ورئيس الوزراء، وسأؤجل الحديث عن عمليات جماعة الجهاد في مصر إلى آخر هذ الباب إن شاء الله، حتى أنتهي من عرض أدلة مسائل مهمة مثل الأمان والتأشيرة وانتقاض العقود والحلفاء والتترس والخلاف حول ضمان المقتولين فيه، حتى يسهل على القارئ أن يستفيد من تلك الأدلة، وهو يقرأ عرضي لعمليات جماعة الجهاد إن شاء الله.
8- ثم ذكر الكاتب في نهاية الحلقة تنبيهاً حول "الأسباب الشرعية والواقعية التي تدعو لعدم الصدام مع السلطات بمصر". أو إن شئت أن تترجمها بلغة المشرفين على إصدار الوثيقة لكانت "الأسباب التي تدعو لعدم تعكير صفو الأمن بمصر".
أ- وجاء فيها: "والرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يجاهد ولم يفرضه الله عليه إلا بعد ما توفرت له مقومات الجهاد، وهي من شروط وجوبه..."، ثم بدأ يتكلم عن شروط وجوب للجهاد لم يسبقه إليها أحد من العلماء مثل:
(1) دار الهجرة والنصرة وقد رددت عليها سابقاً.
(2) التكافؤ في العدد والعدة، وما أدري ماذا يقصد بهذا اللفظ المبهم (التكافؤ)، وليس من مهمتي أن أفسر مصطلحاته، ولكن على كل حال فلنتساءل؛ أهو التساوي في العدد والعدة أم النصف في العدد والعدة، أم تحصيل القوة اللازمة التي يغلب على الظن تحقيق النصر بها؟
وهل يكفي تحقيق نكايةٍ ما معتبرةٍ وهدفٍ جزئي مرحليّ؟
ومما تجدر ملاحظته أن المسلمين في معظم معاركهم الكبرى كانوا أقل عدداً وعدة من أعدائهم، وأنا أؤكد على توفر القدر اللازم من العدد والعدة، أما التكافؤ فما أدري ماذا يريد به؟ ومن أين أتى به؟
(3) وتأمين ذراري المسلمين، والكاتب يكرر هذا الأمر كثيراً، ويضخمه، وقد رددت عليه آنفاً.
(4) والنفقة اللازمة للجهاد متعذرة كما يقول، لقد ترك الكاتب المجاهدين منذ خمس عشرة سنة، فهل مات المجاهدون من الجوع بعد أن تركهم؟ أم تضاعف مجهودهم وعددهم وعدتهم ونكايتهم في العدو أضعافاً مضاعفة بحمد الله تعالى ومنته وفضله؟
(5) والفئة التي يمكن التحيز لها، إذن فلا جهاد، ولينعم الكفار والمحتلون بأراضي المسلمين وثرواتهم، لأنه ليس للمسلمين اليوم فئة ينحازون لها، وهذه الشبهة شبيهة بالشبهة التي كان الكاتب يرد عليها قديماً؛ ألا جهاد بدون خليفة، وهنيئاً للأمريكان والانجليز بغياب الخليفة، وهنيئاً لهم بغياب الفئة التي يمكن التحيز لها.
(6) وتميز الصفوف. إذن فهنيئاً للحكام المرتدين في بلادنا، وهنيئاً لعملاء الصليبيين محمود عباس والمالكي وكره زي وأحمدوف، فطالما كان الكفار يقاتلوننا بأبناء جلدتنا، فسنتورع ونترك الجهاد، وننصرف للاعتناء بالنساء والعيال، وهذا هو الخيار الشرعي في وثيقة الترشيد المرضي عنها.
وقد كان كاتبُ الوثيقة يرد على هذه الشبهة في سابق عهده عندما كان حراً مختاراً.
ب- ثم بعد أن أضاف الكاتب -في تنبيهه- منع الجهاد ضد حسني مبارك، واعتبره غير جائز شرعاً، وهو ما يتمشى مع مذهبه القديم؛ أن جهاد علماء الحركات الإسلامية أولى من جهاد حكامهم، بدأ الكاتب بعد ذلك المنع يطرح الخيارات الشرعية المسموح بها، أي التي لا (تعكر صفو الأمن)، وهي "كالدعوة والإصلاح ونحوها"، وقد فهمت الدعوة والإصلاح، ولكن لم أفهم "نحوها"، وهل هناك في الفقه أو في إرشاد المجاهدين للأساليب العملية لترشيد جهادهم "نحوها"؟
ج- وأنا أذكر القارئ بأن الحلول العملية التي طرحها الكاتب لا صلة لها بأي جهاد، بل لاصلة لها بأية مقاومة سلمية، وهو ما أشرت له في الملاحظة الأولى على منهج الوثيقة، وهو تعارض الاسم مع المضمون، فهي ليست وثيقة "ترشيد الجهاد"، ولكنها وثيقة تركيع أو تقييد أو توقيف الجهاد.
د- ثم لا صلة للحلول العملية التي يطرحها الكاتب في وثيقته مع أي جهاد داخل أو خارج مصر، مع أن عنوانها هو "ترشيد الجهاد بمصر والعالم"، أي أن الوثيقة بمفاهيمها الاستسلامية التعجيزية مطلوب منها أن تكون نوراً هادياً ونبراساً مضيئاً للمسلمين في كل مكان حتى يتم الإجهاز عليهم.
هـ- ثم لم يكتف الكاتب بالإفتاء بتحريم الجهاد في مصر، بل انتقل من الشرع إلى التاريخ، ليغلق الباب أمام أي تغيير في مصر، وهنئياً لولي عهد مصر المحروسة الجديد؛ المحروس جمال مبارك، فقد مهد له كاتب الترشيد الطريق، وضمن له انعدام المنغصات. فمصر لا تتغير إلا بغزو خارجي أو انقلاب من داخل السلطة، والسلطة في يد الرئيس وولده، وأمريكا متكفلة بالخارج، ودمتم سالمين.
و- وطالما أن الكاتب قد انتهك أبجديات الفقه في الحلقة الرابعة، فمنع الجهاد العيني إلا بإذن الوالدين والدائن، ثم اقتحم التاريخ في الحلقة الخامسة، فليسمح لي أن أتطفل على التاريخ أيضاً، فأذكره ببعض الحقائق البسيطة.
إن التغيير أي تغيير لابد له من قبول شعبي إما في ابتدائه أو استدامته أو الاثنين معاً، ثم طليعة للتغيير توفر المقومات والأسباب، وتنتهز الفرص. فحتى الغزو الخارجي إذا ووجه برفض شعبي داخلي حقيقي فسيعاني من حركة تحرير لطرده، أما التغيير من داخل السلطة، إذا أريد له أن يكون تغييراً جذرياً، يمثل تحولاً كبيراً في طبيعة النظام، وليس فقط مجرد تغيير أشخاص مع بقاء نفس طبيعة النظام، فلا بد له من حالة من السخط الشعبي تمهد له وترحب به وتتقبله بعد قيامه. وهذان العنصران (التأييد أو القبول الشعبي والطليعة المضحية الواعية) لم يذكرهما الكاتب في شروط وجوب الجهاد التي ذكرها.
مع التأكيد أني لا أتبع منهج الكاتب فأعتبرهما شرطين فقهيين لوجوب الجهاد، وإنما أطرحهما كاجتهاد في تصور التغيير.
فشروط وجوب الجهاد التي ذكرها الكاتب هي شروط من يريد أن يجاهد وقد ضمن الأمن والنصر، ولو اتبع الصحابة -رضوان الله عليهم- شروطه ما فتحوا الدنيا من حولهم، فلم يكن لديهم تكافؤ في العدد والعدة في أي معركة بينهم وبين القوى العظمى المحيطة بهم.
ولو اتبع الأفغان شروطه ما حرروا أفغانستان من الغزو الشيوعي، فلم يكن لديهم تكافؤ في العدة البتة، وكان التمويل الكافي متعذراً، ورغم المساعدات التي تدفقت عليهم من الأمريكان، ومن الحكومات العميلة لأمريكا، ومن إخوانهم العرب، فقد كان المهاجرون في فقر والمجاهدون في ضنك، لأن المساعدات لم تكن تكفي حاجاتهم، وللفساد المستشري في الحكومة الباكستانية التي ابتلعت نصيب الأسد، لأن أكثر طرق المساعدات كانت تمر عبرها، ولسوء الإدارة والفساد في عديد من أحزاب المجاهدين، حيث كانت تنفق كثير من الأموال على ما هو أقل أهمية، أو على ما لا يجب الإنفاق عليه، بينما الجبهات والمجاهدون في احتياج شديد، وكل من عايش المجاهدين في تلك الفترة يعلم ذلك جيداً.
ثم لم تكن النساء والذراري مؤمَّنين، صحيح أنه كان المهاجرون في باكستان آمنين من القصف وحملات الشيوعيين، ولكن المعيشة في مخيمات اللاجئين كانت بائسة, ثم الأهم من ذلك أن أغلبية الشعب الأفغاني -التي لم تهاجر- كانت هدفاً للقصف وحملات الشيوعيين وتنكيلهم وانتقامهم.
ولم يكن هناك دعم اجتماعي وإغاثي كاف، لا للمهاجرين في أفغانستان ولا للشعب في داخل أفغانستان.
أما الخدمة الطبية فكانت قاصرة جداً، والكاتب يعلم كيف كان حال مرضى المهاجرين وخاصة من النساء، وكيف كان حال الجرحى الذين يصلون من أفغانستان.
ولم يكن هناك تمايز في الصفوف، فكان المجاهدون والشيوعيون منتشرين في كل مكان، ومن شعب واحد، وقد ازداد اختلاطهم بعد انسحاب الروس وإسناد الأمر للحكومة الشيوعية الأفغانية. ومع كل ذلك انتصر المجاهدون في أفغانستان دون أن يلتزموا بشروط الكاتب. وكانت الفتاوى تترى من العلماء في تشريع وتأييد الجهاد في أفغانستان.
ولو اتبع المجاهدون في فلسطين مذهبه الفقهي المرضي عنه من قبل المباحث ومراكز مقاومة الإرهاب الأمريكية، لألقوا سلاحهم من عقود، فهم محاصرون من الداخل والخارج، والطائرات والدبابات الأمريكية اليهودية تتصيدهم كل يوم.
وكذلك لو اتبع صلاح الدين ومحمد علي وعبد الناصر -الذين ذكرهم- شروطه ما انتصروا، ولكن كان لدى كل منهم حركة شعبية رافضة للوضع القائم بالإضافة لقوة أساسية في يده، لا تبلغ أبداً التكافؤ في العدد والعدة مع عدوه.
إن شروط الكاتب -بمنتهى الصراحة- ليست شروطاً للنصر، ولكنها شروط للنظر في خروجه من السجن.
ثم في كل هذه الأحوال -التي ذكرتها- كان هناك عنصر المغامرة واحتمال الخطر.
وهذا يذكرني بقول المتنبي في رثاء صديقه أبي شجاع فاتك:
لَولا المَشَقَّةُ سادَ الناسُ كُلُّهُمُ الجودُ يُفقِرُ وَالإِقدامُ قَتّالُ
والتعاطف الشعبي يحتاج لثقة من الجماهير في الطليعة المجاهدة بأنها المخلصة لها من أعدائها، وذلك لن يتأتى إلا بأن تقدم الطليعة المجاهدة التضحيات بالإضافة للانتصارات ضد أعداء الأمة، فحينئذ تثق الأمة بها، وأعداء الأمة اليوم هم أمريكا وإسرائيل. أما الحكام فلا تقتنع الأمة بعدائهم إلا إذا رأتهم يقتلون أبناءها دفاعاً عن أمريكا أو إسرائيل بالإضافة لفرنسا في المغرب العربي، وصاروا هم والعدوّ الخارجيّ شيئا واحداً.
هذا هو الطريق الذي نكص عنه الكاتب من خمس عشرة سنة، وحشر في كتابه (الجامع) فقرات لا صلة لها بموضوعه يحرم فيها المجاهدين من البر والتقوى لأنهم متعجلون، ويطالب بجهاد علماء الحركات الإسلامية قبل حكامهم لأنهم لم يمتثلوا لحكمه!!
ثم جاء اليوم ليقول لنا إنه لم ينكص، ولكن المجاهدين هم الذين تسرعوا، وأن المجاهدين هم سبب البلايا والرزايا وخراب البلاد والعباد، وأنه اليوم يرشدهم أن الطريق ليس في الجبال والكهوف ولكنه من هنا؛ من بوابة مباحث أمن الدولة.
أعود لطريق المجاهدين فأقول؛ إن الحركة المجاهدة اليوم تمكنت من ضرب أمريكا ضربة تاريخية، وتمكنت من استنزافها في العراق وأفغانستان والصومال وغيرها، وتمكنت من استنزاف اليهود في فلسطين. وكل هذا تم ويتم بتضحيات جبارة، وهذا هو طريق التلاحم مع الأمة وكسب تأييدها، ذلك الطريق الذي تسير فيه الحركة الجهادية بوثبات في الاتجاه الصحيح. والواقع يشهد بذلك.
وذلك هو التلاحم الذي تسعى القوى الخارجية والداخلية المعادية للإسلام في كل ميادين الجهاد لفصمه بأمثال هذه الوثائق.
ثم نأتي لما حدده الكاتب من طرق للتغيير بالغزو الخارجي والانقلاب من داخل السلطة، فاختصاراً للنقاش سنسلم بما يقول بأن مصر لا تتغير إلا بهذين الطريقين.
أما عن الانقلاب من داخل السلطة فلماذا لا يسعى المسلمون فيه؟ هل كتب على المسلمين أن يظلوا خارج السلطة؟ وكتب على أهل السلطة أن يبقوا كفاراً؟ وأنا بالطبع أعني شيئاً آخر تماماً غير الذي يسعى إليه أمثال الإخوان المسلمين، فهم يسعون للتحول لعقيدة السلطة، ويسعون لطمأنة السلطة...إلخ.
وهذا الأمر يحتاج لطليعة منظمة مبادرة تقبل التضحية، وتنتهز الفرص، ولا يحتاج أبداً لشروط الأمن والأمان التي يوجبها الكاتب.
وقد ذكرت في أحد الكلمات بعضاً مما دار بيني وبين الأستاذ عادل حسين رحمه الله، وأعيده هنا للفائدة. أقول: نصحني الأستاذ عادل حسين -رحمه الله- بثلاث نصائحَ ضرورية للنصر: الأولى: التأكيدُ على ضرورةِ الوحدةِ بين المجاهدين، والثانية: ضرورةُ التركيزِ على ضربِ المصالحِ اليهوديةِ والأمريكيةِ، والثالثة: ضرورةُ الاستعدادِ للحظةِ انهيارِ النظامِ القائمِ، فهو نظامٌ تعفن إلى درجةٍ تحتمُ انهيارَه، ولكن التحولاتِ التاريخيةَ قد تستغرقُ سنواتٍ عديدةٍ، والرابحُ هو من ينتهزُ فرصةَ التغييرِ، ويكونُ مستعداً لاستثمارِها. أسألُ الله أن يجزيَه خيرَ الجزاءِ.
وقد نفذ المجاهدون بفضل الله اثنتين، وبقيت الثالثة، أرجو أن تتحقق قريباً بإذن الله.
أما الغزو الخارجي، فهو ما بدأت فيه الطليعة المجاهدة من إنشاء كيانات مجاهدة في الشيشان وأفغانستان والعراق والجزائر، وهو أمر سيتوسع عبر ملاحم ومعامع طويلة، فهذا هو درس التاريخ، ومن أراد مثالاً، فليدرس الحروب الصليبية عامة، وحركة آل زنكي -رحمهم الله- خاصة وبالذات تجربة نور الدين زنكي رحمه الله، الذي أرسل صلاح الدين -رحمه الله- لمصر ليمهد لفتح القدس.
كلمة أخيرة حول دروس التاريخ؛ من أراد أن يحدث تغييراً أو ينهض بأمته فلابد أن يكون صبوراً، ولا بد أن يتحمل، ولا بد ألا تغيره السجون والمعتقلات، ولا بد ألا يلقي السلاح ويجزع من أول مواجهة. ذلك هو التاريخ لمن أراد أن يستفيد من التاريخ. أرجو ألا أكون قد أطلت على القارئ، ولكن الشجى يبعث الشجى.
ز- ثم برر الكاتب تركه للجهاد بأن الجهاد كان يتم لتغيير الحكم في مصر عبر "قتل المدنيين والأجانب والسياح وتخريب الممتلكات والعدوان على دماء المعصومين وأموالهم بدعوى الجهاد"، وهذا تشويه متعمد للجهاد، سأرد عليه لاحقاً إن شاء الله، عند تعليقي على كلام الكاتب عن عمليات جماعة الجهاد في مصر، وهو تشويه متعمد من الكاتب يتفق تماماً مع ما توصي به تقارير مركز مقاومة الإرهاب في الجيش الأمريكي، وسأقتبس من أحدها لاحقاً عند الكلام عن أعمال جماعة الجهاد في مصر إن شاء الله.
9- وفي الختام أذكر القارئ بأن يحصي عدد المرات التي قال فيها الكاتب: يجوز ولا يجوز ويجب ولا يجب، ثم بعد كل ذلك يقول أنا لست مفتياً.
واستأذن القارئ هنا أن أتوقف عن متابعة التعليق على حلقات الوثيقة لأربعة فصول؛ السابع وأخصصه للكلام عن التأشيرة والأمان، والثامن وأخصصه للحديث عن التترس، والتاسع وأخصصه للحديث عن البيات والرمي بما يعم إتلافه، والعاشر وأخصصه للحديث عن المعاملة بالمثل، ثم أواصل التعليق على حلقات الوثيقة وأجعل آخر موضوعات هذا الباب عمليات جماعة الجهاد بمصر إن شاء الله. ومن الله نستمد العونَ والتوفيق.




































الفصل السابع
التأشيرة والأمان
يذكر كاتب وثيقة الترشيد أن التأشيرة أمان من الدولة مانحة التأشيرة للمسلم الداخل إليها، وبالتالي على المسلم أن يقابل أمانها له بأمان منه لها. وأنه إن تعرض لأموال تلك الدولة أو أنفس أهلها فهو من الغادرين الخائنين المستحقين للوعيد.
وأنا أتناول هذه المسألة بشيء من التفصيل في هذا الفصل، وأرى أن أناقش الموضوع تحت العناوين التالية:
1- تمهيد.
2- هل التأشيرة أمان؟
3- إذا سلمنا بأن التأشيرة أمان، فهل أمان الكافر للمسلم يترتب عليه تأمين المسلم للكافر؟
4- إذا سلمنا أن أمان الكافر للمسلم يترتب عليه أمان من المسلم للكافر، فهل يسري ذلك في حالات الحرب والعدوان على المسلمين؟
5- مناقشة أدلة الكاتب في أن التأشيرة أمان.
6- الخلاصة.
7- كلمة أخيرة.
***
1- تمهيد.
التأشيرة من المسائل الحادثة، التي ليس فيها نص من كتاب أو سنة أو إجماع، أو قول لفقهاء سابقين. بل إن بعض العلماء المعاصرين أفتى بعدم اعتبار التأشيرة مانعاً من النكاية في أمريكا كالشيخ ناصر الفهد، وعدد منهم قد رحب وفرح بأحداث أمريكا وأثنى على من قاموا بها مع علمهم بالطريقة التي تمت بها، كالشيخ حمود العقلا والشيخ حسين عمر بن محفوظ والشيخ أبي محمد المقدسي والشيخ أبي قتادة والشيخ عبد الله الرشود.
فهي مسألة خلافية تقديرية اجتهادية، فمن لم يطمئن إليها فلا يستخدمها، ومن اطمئن إليها فله أن يستخدمها، وفي فقه الجهاد أمثلة كثيرة على الخلاف بين الفقهاء الذي يترتب عليه آثار كبيرة، كالخلاف في حكم المشركين وعبدة الأوثان، والخلاف في قتل المرتدة، وغيرها من المسائل.
2- هل التأشيرة أمان؟
أ- ما هو تعريف التأشيرة؟
(1) تعرف الموسوعة البريطانية 2003 التأشيرة في مادة (جواز سفر) بما ترجمته:
"معظم الدول تطلب من المسافرين الداخلين لحدودها أن يحصلوا على تأشيرة؛ وهي مصادقة توضع على جواز السفر من السلطات المختصة، تدل على أنه قد فُحِص، وأن الحامل يمكن أن يمضي. وتسمح التأشيرة للمسافر بأن يبقى في بلد لمدة زمنية محددة" .
(2) تعرف موسوعة انكارتا 2006 التأشيرة بما ترجمته:
"الفيزا: مصادقة رسمية توضع بواسطة سلطات حكومية على جواز سفر، تبين أن الجواز قد فحص، ووجد صالحاً بواسطة الدولة التي ينوى زيارتها، وأن الحامل ممكن قانونياً أن يمضي (أو تمضي) لمقصده" .
(3) أما القاموس الملحق بتلك الموسوعة فيشرح معنى كلمة تأشيرة بما ترجمته:
(أ) الاسم:
[1] الإدراج في جواز سفر: موافقة رسمية في جواز سفر تجيز للحامل أن يدخل أو يغادر ويسافر في أو خلال بلد أو منطقة معينة .
[2] ترخيص: علامة ترخيص رسمي .
(ب) الفعل:
[1] يمد بوثيقة مع تأشيرة: يدرج التأشيرة في جواز سفر أو وثيقة أخرى .
[2] يعطي شخصاً ما تأشيرة: يزود شخصاً ما بتأشيرة .
وبهذا يتبين من تعريف التأشيرة، ومن معناها أنها لا تتضمن أية إشارة لأمان.
(4) فإن قيل إن الأمان فيها لا يقوم بناء على عقد لفظي مكتوب، ولكنه يقوم بناء على عقد عرفي تعارف عليه الناس، فهذا القول يستدعي سؤالاً هاماً؛ فمن هم أطراف هذا العقد؟
هل هناك عقد -بين المجاهدين لأمريكا من ناحية، وبينها وبين حلفائها من ناحية أخرى- يفيد هذا المعنى لفظاً أو عرفاً؟ أم أن العكس هو الواقع، وهو ما سيتبين للقارئ تفصيلاً فيما يلي.
ب- فإن قيل إن هذا العقد قام على أساس الاتفاقات الدولية حول التأشيرة والعمل القنصلي وما يتعلق بهما، فالجواب واضح أن هذه الاتفاقات لا تلزمنا، وكلام الشيخ حمود العقلا رحمه الله، والشيخ ناصر الفهد فك الله أسره يؤكد ذلك.
فإن قيل؛ سلمنا لكم بأن المجاهدين ليسوا في أمان من أمريكا لا لفظاً ولا عرفاً، ولكن المجاهدين -مثل المنفذين لأحداث الحادي عشر من سبتمبر- دخلوا أمريكا بجوازات ليست للإمارة الإسلامية، ولكن بجوازات مصرية وسعودية ولبنانية وإماراتية، وهذه دول في أمان مع أمريكا، فهذا أيضاً خطأ، فالمسلمون من كل هذه الدول وغيرها في مصائب وكوارث بسبب أمريكا، سواء كانوا في داخلها أو خارجها.
وأي مسلم يعارض سياسة أمريكا معرض للويل والثبور ليس في أمريكا فقط بل وفي بلده. ومقتل الشيخ أبي على الحارثي رحمه الله دليل واضح على ذلك.
وكاتب هذه الوثيقة يعاني من سياسة أمريكا، فقد كان يعيش في تعايش عجيب مع النظام اليمني باسمه الحقيقي لمدة سبع سنوات، ثم لما شاءت أمريكا أن تسجنه سجنته، ولكنه يقلب الحقائق، ويزعم أن المجاهدين هم سبب مصائبه، لأنهم الطرف الأضعف، ولأنه يسعى لاسترضاء السادة الكبار، عله يجد مخرجاً. والذين يشرفون على إصدار وثيقته -في الحقيقة- ليسوا هم فلان باشا وفلان بك في مباحث أمن الدولة، بل هم خبراء مكافحة الإرهاب في المباحث والاستخبارات الأمريكية والمستشرقين والخبراء في تلك الأجهزة.
فالحقيقة أن المسلمين في أمريكا والغرب أو في بلادهم بل في العالم كله ليسوا آمنين من أمريكا بل في خوف وفزع ومعاناة منها، فهي التي ارتكبت ضدهم أبشع الجرائم. بل حتى المعاهدات التي أقرت بها مثل معاهدات جنيف المتعلقة بالأسرى خالفتها أمريكا مع المسلمين، وعذبتهم وأنشأت لهم معتقل جوانتانامو، حتى أن تقرير الكونجرس عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر قد أقر بهذا ولكن بصورة هادئة .
فأين الأمن من سياسة أمريكا؟
وأمريكا تزعم أنها تحترم حقوق المعتقلين وحقوق الإنسان، وتشجب التعذيب والاعتقال التعسفي وكل صور الاعتداء على حقوق الإنسان، بينما الأمريكان باعترافهم يمارسون التعذيب ضد المعتقلين المسلمين، ويعتقلونهم من أي مكان في العالم بلا أمر قضائي ولا توجيه تهمة، بل فقط بأهوائهم، ثم يحبسونهم للمدد التي يشاءونها في سجون سرية، لا يعلم أحد عنها، يمارسون فيها أبشع التعذيب وأخس وسائل انتزاع المعلومات، فأي أمن من أمريكا؟ التي تعتدي على المسلمين، ولا تلتزم حتى باتفاقاتها التي وقعت عليها، ولا بالتزاماتها الدولية.
ففي العراق زعمت أمريكا أن صدام لديه أسلحة دمار شامل، وطلبت من الأمم المتحدة ضرب العراق، فلما لم تحصل على ما تريده، هاجمت بنفسها العراق ودمرته، ولم تجد أسلحة للدمار الشامل، رغم أن أمريكا تحاسب غيرها على عدم الالتزام بقرارت الأمم المتحدة.
وأمريكا تمتلك مخزوناً ضخماً من الأسلحة الذرية والكيماوية والجرثومية، ولكنها تحرم ذلك على غيرها، حتى يبقى العالم تحت تهديدها، فالمسلمون بل وسائر البشر في أذى ومعاناة وخوف من أمريكا.
فأي أمان عرفي هذا الذي يتحدث عنه الكاتب؟ ثم يستدل على ذلك بالقواعد الفقهية مثل (المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً) و(العادة محكمة) بل العرف والعادة أن الناس كلهم في خوف من أمريكا ومن جرائم أمريكا، ومن غدر أمريكا، ومن سياساتها المزدوجة. هذا هو الواقع، والمتغافل عنه لا يحق له أن يفتي ولا أن يتكلم في أحوال المسلمين المعاصرة. إذ أن الإلمام بالواقع وإدراكه هو ركن الفتوى. فالفتوى هي حكم الشرع في الواقع.
وأمريكا تعطي نفسها الحق في القبض على أي مسلم دون النظر في تأشيرته ولا إقامته ولا لجوازه. ومن الأمثلة على ذلك:
(1) حادثة خطف أبي طلال الأنصاري طلعت فؤاد من كرواتيا، مع أنه كان يحمل جوازاً دانمركياً وتأشيرة دخول لكرواتيا، ولكن المخابرات الأمريكية خطفته، وسلمته لمصر، حيث لا يعلم أحد مصيره حتى الآن!!
(2) وحادثة إخوة جماعة الجهاد الذين رحلوا من ألبانيا وغيرها. تمت على أيدي رجال الاستخبارات الأمريكية. وأولئك الإخوة رحلوا من ألبانيا لمصر، حيث تعرضوا للتعذيب والسجن، وأعدم منهم اثنان، هما الأخوان أحمد النجار وأحمد إسماعيل رحمهما الله، ومنهم من قتل في الاشتباك مع الشرطة في ألبانيا.
وأولئك الإخوة لم يرحلوا برغبة حكومة ألبانيا، وإلا فإن ألبانيا كانت مستفيدة من إقامتهم فيها، لأنهم كانوا يعملون في هيئات للإغاثة،ولكن بضغط من أمريكا.
بل إن القاضي الألباني الذين عرض عليه بعضهم أمر بالإفراج عنهم، لأنهم يحملون إقامات قانونية، ولأنهم لم يرتكبوا أي جريمة يستحقون عليها العقوبة، ولكن المخابرات الأمريكية مع المخابرات الألبانية، قبضت عليهم بعد إفراج القاضي عنهم.
وكاتب الوثيقة يعلم ذلك جيداً فهو محكوم عليه بالسجن لخمسة وعشرين عاماً في نفس قضية أولئك الإخوة؛ (قضية العائدين من ألبانيا)، وهو مسجون على ذمة ذلك الحكم في السجون المصرية، التي يحاول الخروج منها بالتنكر للحقائق والتغافل عنها.
(3) حادثة خطف الشيخ أبي هاجر العراقي فك الله أسره.
حيث قبض عليه بعد أيام من وصوله لألمانيا بتأشيرة رسمية، ولم يرتكب أية مخالفة للقوانين الألمانية، بل إن القاضي الألماني قال له صراحة؛ إن مشكلتك مع أمريكا، وليست مع ألمانيا!!
وواقعتي أبي هاجر وإخوة ألبانيا وقعتا قبل الحادي عشر من سبتمبر، التي يزعم كاتب الوثيقة أنها سبب المصائب على المسلمين.
(4) حادثة خطف الشيخ أبي عمر من إيطاليا، ثم ترحيله حيث عذب في مصر، مع أنه كان يحمل تأشيرة صالحة وإقامة قانونية.
وفي كل تلك الحوادث وغيرها، التي لا تحصر، كان الضحايا يحملون جوازات صالحة، وتأشيرات رسمية، وإقامات سليمة، ولم يعصمهم ذلك من الترحيل والتعذيب والسجن والقتل. فأين أمان التأشيرة الذي لا وجود له إلا في تصورات بعضنا؟
فإذا كان الأمريكان والغربيون لا يقيمون أي اعتبار لتأشيرة ولا لجواز فلماذا نقيم نحن اعتباراً لذلك؟ حتى لو كانت التأشيرة عقد أمان. وهم ينتهكونه، ألا يحق لنا أن نعاملهم بالمثل؟ ودون إعلان. كما سأنقل عن ابن القيم بعون الله.
ج- هل تمنح التأشيرة المسلم في بلاد الكفار أماناً على نفسه وماله وأهله ودينه؟
(1) لا تمنح التأشيرة المسلم أماناً على نفسه:
(أ) فهو معرض للترحيل لمكان يعذب أو يقتل فيه، وقد رحل لمصر ولغيرها عدد من اللاجئين السياسيين، حيث تعرضوا للتعذيب، ومنهم من لا يزال في السجن حتى اليوم.
ومع الكاتب في السجن ومن المظهرين الموافقة على ما يقول من سلمته الدولة لجأ إليها، ليعذب في مصر، بل إن أحد الإخوة اللاجئين السياسيين في دولة غربية تزعم حماية اللاجئين السياسيين واحترام حقوق الإنسان، حققت معه مخابرات تلك الدولة لمجرد أني استشهدت ببعض أقواله في إحدى كلماتي، وحاسبوه على ما لم يفعله. وعلى آرائه التي كانوا يسمحون له بنشرها بزعم حرية الرأي، ولكن لما استشهدت ببعض كلامه تبخرت حرية الرأي، ولم يعد للأمان الذي يتوهمه كاتب الوثيقة أثراً، وهددوا ذلك الأخ بالترحيل والعقوبة، ولو كانت التأشيرة تمنح حاملها أماناً لكان يجب أن يرحل لمأمنه، وليس لبلد يسجن فيها أو يعذب أو يقتل.
وليس للمرحل -من تلك الدول إلى حيث يلقى العذاب والسجن والقتل- من حق إلا الشكوى للمحاكم، التي ترى لنفسها وحدها الحق في تقدير الأمر، ولا تعتبر أن تأشيرته تحميه من ذلك، أو تخول له حق التأمين من الترحيل. إذاً فالدولة التي منحت التأشيرة هي صاحبة السلطة في ترحيله أو بقائه، وليس للمهدد بالترحيل من حق إلا التوسل للمحاكم بأنه معرض للتعذيب أو القتل، ولكن لا يجرؤ أصلاً أن يطعن على قرار الترحيل بأنه مناف لعقد الأمان الذي منحته له التأشيرة، الذي لا يتصورون في محاكم الغرب وجوده أصلاً.
(ب) ومن المسلمين في الغرب من سجن، ومنهم من لا يزال مسجوناً، ومنهم من يهددونه بالترحيل لبلده، حيث يمكن أن يعذب أو يقتل. ومنهم من أفرج عنه ولكن تحت المراقبة أو الإقامة الجبرية، التي إن خالف قواعدها أعيد للسجن، وكل ذلك دون توجيه أية تهمة لهم. ولا يرى الغربيون أن تأشيرة الدخول، أو اللجوء السياسي يمنعهم من أي إجراء من هذا القبيل، بل يرون أنهم أحرار في التصرف مع من يعيش بينهم، أو يدخل بلدَهم، ومن حقهم إصدار أية قوانين تقيد حريته، دون التزام أو اعتبار أو حتى تصور عقد أمان. وفي الحقيقة إن مسألة عقد الأمان هذا تخيل في عقولنا، لا يدري أهل الغرب عنه شيئاً، ولو دروا لسخروا منه.
(ج) كذلك قد يكون المسلم المسافر مطلوباً لدى دولة غربية في قضية ما، وهو لا يعرف، وإذا ذهب لسفارتها وطلب تأشيرة قد يعطونه إياها دون أن يخبروه بشيء، فإذا وصل لمطارهم أو مينائهم قبضوا عليه، ولو كانت التأشيرة أماناً لما استطاعوا أن يفعلوا معه ذلك. وقصة الشيخ محمد المؤيد اليمني فك الله أسره، معروفة مشهورة، حيث تم استدراجه لألمانيا بحيلة تسليمه أموال تبرعات لحماس، ثم قبض عليه هناك، ورحل لأمريكا، حيث لا يزال مسجوناً، وقصة محمد النافع السوداني الذي استدرجه صهره الجاسوس الخائن جمال الفضل لألمانيا، حيث عرض عليه العمل كمرشد للمباحث الفيدرالية الأمريكية، فلما رفض رحل لأمريكا، حيث لا يزال مسجوناً بها، والقصص لا تنتهي.
(2) هل تمنح التأشيرة المسلم أماناً على أهله؟
الحاصل على التأشيرة في الدول الغربية قد يتعرض للعدوان على أهله، ومن أمثلة ذلك:
(أ) يجبر ولده على تعلم المناهج الغربية، وإذا رفض الوالد أن يرسل ولده للمدارس يؤخذ منه ولده قسراً، وقد يسلم لأبوين غير مسلمين.
(ب) لا يستطيع المسلم أن يلزم ابنه أو ابنته بالصلاة أو الصيام أو الحج أو حتى أحكام الطهارة. ولو حاول أن يلزمهم بذلك، أو أن ينفذ مثلاً حديث النبي صلى الله عليه وسلم:
"مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرِ سِنِينَ.." الحديث . فمن حق ولده الرافض أو أمه الرافضة -وخاصة إذا كانت غير مسلمة- أو جاره أو مدرس الطفل أن يشتكيه، وقد ينزع الطفل منه ويسلم لأسرة أخرى قد تكون غير مسلمة.
(ج) لا تستطيع ابنته أن ترتدي مجرد غطاء الرأس، وليس الحجاب الكامل في مدارس فرنسا. وفي بعض الدول الأخرى يمنع النقاب.
(د) لو أرادت ابنته أن تخرج لتلهو في ملهى ليلي مع صديقها لا يستطيع أن يمنعها، ولو حاول يمكنها إحضار الشرطة لتعاقبه.
(هـ) لو أحضرت ابنته عشيقها للبيت، فليس من حقه أن يمنعها، ولو حاول فلها أن تستعين بالشرطة لتمكنها مما تريد.
(و) لو خشي المسلم في الغرب على ولده من الفساد، وأراد أن يهاجر به لبلاد المسلمين، واعترضت زوجته من أهل البلد، فيمنع بالقوة من ذلك، بالإضافة للعقوبات التي تلحق به مثل الترحيل أو الحرمان من مجرد الاقتراب من سكن ولده. والقصص في هذا الشأن متكررة ومشهورة.
(ز) لا يستطيع المسلم أن يمنع ابنه أو ابنته من ممارسة الفاحشة أو شرب الخمر أو لعب الميسر أو مشاهدة الأشرطة الخليعة أو سماع الأغاني الخليعة.
(ح) لا يستطيع المسلم أن يعترض على زواج ابنته ممن تشاء فاسقاً كان أو كافراً.
(ط) لو تزوج المسلم بزوجة ثانية يعاقب وقد يحبس، ويفسخون زواجه. وهذا عدوان على عرضه بمنعه من حقه الشرعي في زوجته الثانية. ولذلك يتزوج المسلمون بالزوجة الثانية سراً، ولا يجرؤون على إعلان الزواج أو تسجيله.
(ي) لا يستطيع المسلم أن ينفذ حكم القرآن في زوجته إذا نشزت عليه وامتنعت من فراشه وحرمته من حقه في أن يعف نفسه، يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾. وإذا حاول أن يأخذ حقه بغير رضاها، فمن حقها أن تقاضيه لأنه (اغتصبها)، وإذا حاول أن ينفذ حكم القرآن بالضرب فالسجن له بالمرصاد.
(ك) لا يستطيع الزوج المسلم أو الزوجة المسلمة أن يمنع أي منهما شريكه الفاسق من أن يحضر للبيت خمراً أو يشاهد مواداً خليعة، وإذا حاول أحدهما أن يعترض حرصاً على أخلاق الأبناء فالشرطة له بالمرصاد.
(ل) لا يستطيع المسلم أن يمنع زوجته -إذا كانت فاسقة أو غير مسلمة- من أن تصادق من تشاء مسلماً أو غير مسلم أو أن تراسله أو تدعوه للبيت وتمازحه.
(3) هل المسلم آمن على ماله بمقتضى تلك التأشيرة؟
كذلك لا يأمن المسلم في الغرب على ماله، ومن أمثلة عدوانهم على ماله:
(أ) فرض الضرائب عليه، التي ينفق منها على قتل وقتال المسلمين. وهذه الضرائب لا يجوز أن تدفع لدول الغرب المحاربة للمسلمين إلا تحت القسر والإكراه، أما الرضا بعقد هي من لوازمه فهو إثم عظيم.
فإن قيل إن تجار المسلمين كانوا يدفعون للكفار عشوراً، فالجواب: إن الأمر مختلف:
[1] فتلك العشور كانت تدفع لمصلحة متبادلة بين المسلمين والكفار، فيدفعها التجار المسلمون إذا دخلوا لديار الكفر، ويدفع مثلها التجار الكفار إذا دخلوا لديار الإسلام. فهي مال مقابل حق الانتفاع بالسوق.
أما تلك الضرائب الخاصة بالدفاع والأمن، التي ينفق منها على قتل وقتال المسلمين، فليس فيها أية مصلحة، بل هي بلاء وضرر وكوارث على المسلمين.
[2] ثم إن تلك العشور التي تحصلها الدول الكافرة من التجار المسلمين لا يلزم أن تنفق على حرب المسلمين، أما تلك الضرائب التي للدفاع والأمن، فلها أغراض محددة يحددونها بقوانينهم، ويجعلون لها أسماء خاصة، ونسب مئوية خاصة يعلنونها، فهي ضرائب في الأساس لقتال عدوهم الأساسي؛ وهم المسلمون.
[3] ولأوضح الفرق بين عشور التجارة وضرائب الدفاع والأمن أسأل سؤالاً؛ ما حكم المسلم الذي يتبرع اليوم بماله للجيش الأمريكي أو البريطاني أو حلف شمال الأطلسي؟ الجواب معروف؛ إنه قد ارتكب إثماً عظيماً قد يصل به للكفر، ويقع به تحت طائلة قول الحق تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وقد فصل الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله- في فتواه التي نقلتها في الفصل الثالث حكم ذلك الفاعل تفصيلاً.
إذن فهذه الضرائب التي تدفع للدفاع والأمن لا يجب أن يدفعها المسلم إلا تحت الإكراه والقسر، وهل المسلم الذي يؤخذ ماله قسراً وقهراً يعد آمناً؟
(ب) لو تأخر عليه دين لشخص أو للحكومة كإيجار أو قيمة استهلاك كهرباء أو غيرها من الديون، فعليه أن يدفع -بحكم القانون- ربا كفوائد على الدين، ولا يستطيع أن يحتج بأن هذا عدوان على مالي، لأن الربا حرام. وأنكم بمقتضى عقد أمان التأشيرة لا يحق لكم العدوان على مالي.
(ج) من المسلمين في الغرب من جمدت أمواله، وفرض الحجر عليه، بل وحرم على أي شخص أن يمنحه أي مبلغ من المال، ومنهم من فرض عليه ذلك بقرار من الأمم المتحدة، دون توجيه أي اتهام أو إثبات أي دليل ضده. وكذلك جمدت أموال العديد من الهيئات الخيرية والجمعيات، التي تقدم العون للمسلمين في فلسطين وغيرها من ديار الإسلام. ولم تمنعهم تأشيرات أولئك الأشخاص أو حصولهم على اللجوء السياسي، ولا التصاريح الممنوحة للهيئات والجمعيات المذكورة من تجميد أموالهم، بل يرى الغربيون أن أولئك يعيشون في أرضهم، التي من حقهم أن يتخذوا فيها أي إجراء، أو أن يطبقوا فيها أي قانون، طالما وافقت عليه أغلبية النواب في البرلمان.
ومن الأمثلة على ذلك قضية الدكتور موسى أبو مرزوق، الذي سجن في أمريكا بتهمة جمع أموال لحماس، وقضية أبي محمود السوري ، الذي لا زال مسجوناً لأمريكا بتهمة جمع تبرعات للشعب الشيشاني.
ومن العجيب أن الأمريكان يعتبرون أن حماساً وغيرها من الجماعات الجهادية جماعات إرهابية لا يجوز جمع التبرعات لها، وأن فاعل ذلك معرض للسجن والعقوبة، بينما يرون لأنفسهم الحق في أن يأخذوا من المسلمين عندهم بالقوة والإكراه الأموال، التي ينفقونها صراحة على إسرائيل وعلى العدوان على المسلمين وقتلهم واحتلال بلادهم، فأي أمان متبادل هذا؟
بل والأنكى من ذلك أنهم يرون جمع التبرعات لإسرائيل عملاً عظيماً يتبارون فيه؟
(4) هل المسلم آمن على دينه بمقتضى تلك التأشيرة؟
(أ) سب النبي -صلى الله عليه وسلم- عدوان صارخ على دين المسلم وعقيدته، والدول الغربية كأمريكا وبريطانيا لا تسمح بالسب فقط، بل تكرم ساب النبي صلى الله عليه وسلم، وتعتبره من الأبطال، فسلمان رشدي منح الجوائز المتعددة في بريطانيا وغيرها من الدول، واستقبله كلينتون في البيت الأبيض. ومنحته ملكة بريطانيا لقب فارس، وسب النبي صلى الله عليه وسلم يبطل الأمان. كما سيرد لاحقاً إن شاء الله.
والحكومات والشعوب الغربية تعتبر أن من حق أي كاتب أو رسام أن يسخر من النبي صلى الله عليه وسلم، كما حدث في الرسوم الكرتونية المسيئة لحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، التي انتشرت في عدد من الدول الغربية. وترفض تلك الحكومات أن تمنع ناهيك أن تعاقب فاعلها. ولو نكثت طائفة من قوم العهد ووافقهم الباقون، بطل أمانهم، وقوتلوا جميعاً. كما سيأتي لاحقاً إن شاء الله.
فإن قيل إن المسلمين في تاريخهم كانوا يدخلون لدار الحرب بأمان مع أنهم يعلمون أن فيهم من يسب الإسلام والنبي صلى الله عليه وسلم، فالجواب: نعم، ولكن كان يحق لهم أن يقتلوا ذلك الساب، وإن كانوا لا يحملون فقط تلك التأشيرة التي لا نسلم بها، بل لو كانوا قد دخلوا بأمان صحيح صريح معتبر شرعاً كما سنبين بعون الله.
فيحق لأي مسلم دخل بتأشيرة أو بما هو أصرح منها في الأمان أن يقتل سلمان رشدي والرسامين، الذين سخروا من النبي صلى الله عليه وسلم، دون اعتبار لتأشيرة ولا لأمان ولا لعهد، وهذا الحكم لا يتعلق فقط بالأشخاص الماديين الذين قاموا بذلك السب وشاركوا فيه، بل يمتد أيضاً للكيانات المعنوية والاعتبارية التي قامت أو شاركت في ذلك، وسيأتي تفصيل ذلك بعون الله. أي أنه لو كان هذا السب قد قامت به دولة بكاملها أو شعب بأكمله، أو شاركوا فيه، أو تواطئوا عليه، فيجوز للمسلم أن يعاقبهم، ويسقط أي أمان بينه وبين ذلك الكيان، سواء كان ذلك الأمان تأشيرة (وهو ما لا نسلم به)، أو غير ذلك من صور الأمان.
(ب) قوانين الإرهاب الموجودة حالياً تعاقب على مجرد التحريض على الإرهاب، أي أن مطالبة المسلمين بالجهاد ضد المعتدي عليهم تعرض المسلم لعقوبة تلك القوانين.
(ج) لا يستطيع المسلم في الغرب أن يجاهر بأوصاف القرآن لليهود وإلا سجن لمعاداته للسامية.
(د) العدوان على المسلمين في بلد ما هو عدوان على المسلمين في كل مكان، وسيأتي –إن شاء الله- أن العدوان على المسلمين يبطل الأمان. كما سيأتي -إن شاء الله- بطلان أمان المستأمنين في دار الحرب إذا أسر أهل الحرب قوماً من المسلمين.
د- طالب التأشيرة في أية سفارة أو قنصلية يطلب منه ملء استمارة بيانات، ويوقع في آخرها على تعهد بأن تلك البيانات صحيحة، ولا تتضمن أي بند يتعلق بالأمان من دولة السفارة ولا من طالب التأشيرة. ولا حتى الالتزام باحترام قوانينهم.
هـ- أما القول بأن العرف جرى على أن حامل التأشيرة آمن من أذى الدولة المانحة للتأشيرة، ففي الأمثلة التي ذكرناها آنفاً دليل على ضد ذلك.
و- وحتى لو سلمنا بأن التأشيرة هي عقد (أمان في مقابل أمان) لكان هذا العقد باطلاً، لأن الأمان الذي يمنحونه لا ينفك عن القوانين المعادية للشريعة التي يفرضونها على المسافر لهم أو المقيم عندهم، ولا ينفك عن دفع الضرائب لهم، وفي دفع الضرائب لهم إعانة لهم على العدوان على المسلمين، وكل من يسافر لبلادهم يعرف ذلك قبل سفره، فلو فرضنا أنه بحصوله على التأشيرة قد تعاقد على هذا عن رضا، فقد أثم إثماً عظيماً. ولا يجوز دفع الضرائب لهم إلا على سبيل الاضطرار والإكراه، وليس بطريق التعاقد والرضا. ولكان بناء على هذا كل المسافرين لبلاد الغرب أو المقيمين بها آثمون إثماً عظيماً بمجرد أخذ التأشيرة. أما إن اعتبرنا التأشيرة مجرد إذن بالمرور أو الدخول فلا يترتب على طلبها أياً من هذه النتائج.
سئل ابن حزم -رحمه الله- عن التجارة إلى أرض الحرب، فقال:
"1568 مسألة: وإن كان التجار المسلمون إذا دخلوا أرض الحرب أذلوا بها وجرت عليهم أحكام الكفار فالتجارة إلى أرض الحرب حرام ويمنعون من ذلك وإلا فنكرهها فقط والبيع منهم جائز إلا ما يتقوون به على المسلمين من دواب أو سلاح أو حديد أو غير ذلك فلا يحل بيع شئ من ذلك منهم أصلا قال تعالى: (فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون) فالدخول إليهم بحيث تجرى على الداخل أحكامهم؛ وهنٌ وانسفالٌ ودعاءٌ إلى السلم وهذا كله محرم وقال تعالى: (ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) فتقويتهم بالبيع وغيره مما يقوون به على المسلمين حرام وينكل من فعل ذلك ويبالغ في طول حبسه" .
ز- ثم إذا كانت التأشيرة عقداً، فالعقد يكون بين طرفين أو أكثر، وفي حالة من يزعمون أنها عقد، فهي عقد بين الحاصل على التأشيرة والدولة المانحة لها، وفي قولهم أنها تلزم كل طرف بالتزامات، فإذا أخل طرف بالتزاماته بطل العقد، والكاتب تكلم عن التزام حامل التأشيرة، ولكنه لم يتكلم عن التزام الدولة المانحة للتأشيرة وأثر نكثها لما زعمه عقداً.
قال الإمام محمد بن الحسن الشيباني -رحمه الله- عن الأسرى يؤمنهم الكفار ثم يغدرون بهم:
"784 - ولو أن قوما منهم لقوا الاسراء فقالوا: من أنتم ؟ فقالوا:
نحن قوم تجار دخلنا بأمان أصحابكم.
أو قالوا: نحن رسل الخليفة.
فليس ينبغى لهم بعد هذا أن يقتلوا أحدا منهم.
لأنهم أظهروا ما هو دليل الاستئمان.
فيجعل ذلك استيمانا منهم، فلا يحل لهم أن يغدروا بهم بعد ذلك.
ما لم يتعرض لهم أهل الحرب.
785 - فإن علم أهل الحرب أنهم أسراء فأخذوهم ثم انفلتوا منهم حل لهم قتالهم وأخذ أموالهم.
لان حكم الاستئمان إليهم يرتفع بما فعلوا.
ألا ترى أن المستأمنين لو غدر بهم ملك أهل الحرب فأخذ أموالهم وحبسهم، ثم انفلتوا، حل لهم قتل أهل الحرب وأخذ أموالهم ؟ باعتبار أن ذلك نقض للعهد من ملكهم.
786 - وكذلك لو فعل ذلك بهم رجل بأمر ملكه أو بعلمه ولم يمنعه من ذلك.
فإن السفيه إذا لم ينه مأمور.
فأما إذا فعلوا بغير علم الأمير أو علم جماعتهم لم يحل للمستأمنين أن يستحلوا حريم القوم بما صنع هذا بهم" .
ح- فإن قيل؛ سلمنا لكم بكل ما ذكرتموه من اعتداء للكفار على نفس ومال وأهل الداخل إليهم بتأشيرة، ولكن الداخل إليهم بتلك التأشيرة قد علم وقوع ذلك مسبقاً، ورضي به، فهو عقد عرفي بينه وبين الدولة الداخل إليها يجب الالتزام له.
فالجواب: إن قولكم هذا يقتضي أن ما تم التعاقد عليه ليس هو الأمان الذي يعرفه الفقهاء، ولكنه حالة يكون فيها المسلم مهدداً على نفسه وأهله وماله ودينه، وإقراركم بهذا يقتضي نقض وانهيار كل نظرية أمان التأشيرة، فليس ثمة أمان، وبالتالي فلا يجب أن يكون هناك أمان مقابل من المسلم. فكما هددوا المسلم في نفسه ودينه وأهله وماله، يجوز له أن يهددهم.
ط- فإن قيل بأن ما ذكرت من اعتداءات على المسلم حامل التأشيرة، إنما هو فيمن يقيم عندهم إقامة طويلة، وليس للمسافر المقيم إقامة قصيرة.
فالجواب عليه:
(1) إن معظم أنواع الاعتداء التي أشرت إليها تتساوى فيها المدة القصيرة أو الطويلة، وخاصة في السجن والترحيل.
(2) وقد ضربت أمثلة بأبي هاجر العراقي والشيخ محمد المؤيد ومحمد النافع السوداني فك الله أسرهم، وهؤلاء قبض عليهم فور دخولهم أو بعده بفترة بسيطة، ومنهم من استدرج ليقبض عليه.
(3) ثم هل يبيح المعترض للمقيم إقامة طويلة أن يقتلهم ويأخذ من أموالهم، ولا يبيح ذلك للمقيم إقامة قصيرة؟!
ي- أطلب ممن يعتبر أن التأشيرة أمان أن يذكر لي مادة واحدة من قوانين أو دساتير أمريكا والغرب تفيد أن حامل التأشيرة لا يجوز العدوان على نفسه ولا ماله ولا أهله ولا دينه بصورة من صور الاعتداء، التي ذكرت أمثلة منها، وأنه معصوم من قوانينهم التي تجيز تلك الاعتداءات، بمقتضى التأشيرة التي يحملها، وليس بأي مقتضى آخر! وأنهم إن خافوا من حامل التأشيرة، فليس لهم إلا أن يخرجوه لمكان يأمن فيه باختياره هو، وليس برأيهم!!
ك- الأصل في الشريعة إباحة دماء الكفار وأموالهم إلا بصلح أو أمان أو ذمة، لأن دار العدو دار قتال ودار نهبة ودار إباحة . فعلى المدعي أن التأشيرة أمان أن يأتي بالدليل الواضح البين السالم من المعارض على ذلك، وإلا فالأمر على أصله.
3- إذا سلمنا بأن التأشيرة أمان، فهل أمان الكافر للمسلم يترتب عليه تأمين المسلم للكافر؟
للفقهاء في المسألة رأيان، والكاتب لم يلتزم الأمانة العلمية فأورد رأياً واحداً.
أ- القول الأول: وهو قول جمهور الفقهاء؛ أن من دخل دار الكفر بأمان فالكفار في أمان منه.
قَالَ الشَّافِعِيُّ‏‏ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى‏:‏
"إذا دخل قوم من المسلمين بلاد الحرب بأمان فالعدو منهم آمنون إلى أن يفارقوهم، أو يبلغوا مدة أمانهم، وليس لهم ظلمهم ولا خيانتهم.
وإن أسر العدو أطفال المسلمين ونساءهم لم أكن أحب لهم الغدر بالعدو ولكن أحب لهم لو سألوهم أن يردوا إليهم الأمان وينبذوا إليهم فإذا فعلوا قاتلوهم عن أطفال المسلمين ونسائهم‏" .‏
وقال أيضاً رحمه الله:
"وإذا دخل رجل مسلم دار الحرب بأمان فوجد امرأته أو امرأة غيره أو ماله أو مال غيره من المسلمين أو أهل الذمة مما غصبه المشركون كان له أن يخرج به من قبل أنه ليس بملك للعدو ولو أسلموا عليه لم يكن لهم فليس بخيانة كما لو قدر على مسلم غصب شيئا فأخذه بلا علم المسلم فأداه إلى صاحبه لم يكن خان إنما الخيانة أخذ مالا يحل له أخذه ولكنه لو قدر على شئ من أموالهم لم يحل له أن يأخذ منه شيئا قل أو كثر لأنه إذا كان منهم في أمان فهم منه في مثله" .
وقال صاحب الدر المختار رحمه الله:
"باب المستأمن أي الطالب للأمان. هو من يدخل دار غيره بأمان مسلماً كان أو حربياُ. دخل مسلم دار الحرب بأمان حرم تعرضه لشيء من دم ومال وفرج" .
وقال ابن قدامة رحمه الله:
"مسألة قال من دخل إلى أرض العدو بأمان لم يخنهم في مالهم ولم يعاملهم بالربا.
...................
وأما خيانتهم فمحرمة لأنهم إنما أعطوه أماناً مشروطا بتركه خيانتهم وأمنه إياهم من نفسه وإن لم يكن ذلك مذكورا في اللفظ فهو معلوم في المعنى ولذلك من جاءنا منهم بأمان فخاننا كان ناقضا لعهده. فإذا ثبت هذا لم تحل له خيانتهم لأنه غدر ولا يصلح في ديننا الغدر" .
وكلام الشافعي وابن قدامة -رحمهما الله- في الأمان مقابل الأمان يفهم منه؛ أنه من يسمح للأجنبي أن يدخل بلده ويتعهد بسلامته من الاعتداء فإنه يتوقع ويطالب الأجنبي بألا يعتدي على أهل البلد الداخل إليها، وأن هذا بمثابة عقد عرفي، وينبني عليه أن من يسمح للأجنبي أن يدخل بلده ثم يعتدي عليه فيها فإنه لا يجب أن يتوقع ولا يطالب الأجنبي بعدم العدوان عليه، أي أمان بأمان وعدوان بعدوان.
ثم إن القول بأن أمان الكافر للمسلم يقتضي أماناً من المسلم للكافر فيه دليل لنا، لأنه إذا لم يكن أمان من الكافر للمسلم، وكان المسلم مروعاً في نفسه وماله وأهله فإن المسلم غير ملتزم بأمان للكافر.
ويؤيد هذا الرأي ما ذكره الشيباني عن الأسرى الذين يغدر بهم الكفار أو ملكهم أو من ينوب عنه، الذي ذكرته آنفاً.
ب- القول الثاني: وهو قول الإمام الشوكاني رحمه الله.
قال شارحاً قول صاحب (حدائق الأزهار):
"قوله (وأمانهم لمسلم أمان لهم منه). أقول لا ملازمة بين الأمانين لا شرعا ولا عقلا ولا عادة، فيجوز للمسلم الداخل دار الحرب بأمان أهلها أن يأخذ ما قدر عليه من أموالهم ويسفك ما تمكن منه من دمائهم" .
ونقله الماوردي عن داود الظاهري، فقال:
"وَإِذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ أَوْ كَانَ مَأْسُورًا مَعَهُمْ فَأَطْلَقُوهُ وَأَمَّنُوهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَغْتَالَهُمْ فِي نَفْسٍ وَلَا مَالٍ وَعَلَيْهِ أَنْ يُؤَمِّنَهُمْ ، وَقَالَ دَاوُد يَجُوزُ أَنْ يَغْتَالَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ إلَّا أَنْ يَسْتَأْمِنُوهُ فَيَلْزَمُهُ الْمُوَادَعَةُ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الِاغْتِيَالُ" .
وهذا القول قوي، وقد أشار لاعتبار العادة في الحكم، وإذا نظرنا للعادة في التأشيرة لوجدناها منحة من طرف واحد، ولا ينعقد بها عقد، ولو انعقد لكان باطلاً.
4- إذا سلمنا أن أمان الكافر للمسلم يترتب عليه أمان من المسلم للكافر، فهل يسري ذلك في حالات الحرب والعدوان على المسلمين؟ الجواب: لا. وسأبين ذلك تحت العناوين التالية:
أ- الأدلة من السنة المطهرة على أن الأمان ليس بعاصم لمن حرض على قتال المسلمين واعتدى عليهم وحارب الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- وسب النبي صلى الله عليه وسلم.
ب- الدولة المعتدية على المسلمين -أمريكا مثلاً- كيان معنوي واحد.
ج- حلفاء المعتدي على المسلمين -إذا رضوا- مشتركون معه في العقاب، فما بالك إذا شاركوه في العدوان؟
***
أ- الأدلة من السنة المطهرة على أن الأمان ليس بعاصم لمن حرض على قتال المسلمين واعتدى عليهم وحارب الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- وسب النبي صلى الله عليه وسلم.
(1) حادثة قتل كعب بن الأشرف.
أخرج البخاري -رحمه الله- عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما:
"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ؟ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ". فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ فَأْذَنْ لِي أَنْ أَقُولَ شَيْئًا. قَالَ" "قُلْ". فَأَتَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ سَأَلَنَا صَدَقَةً، وَإِنَّهُ قَدْ عَنَّانَا. وَإِنِّي قَدْ أَتَيْتُكَ أَسْتَسْلِفُكَ. قَالَ: وَأَيْضًا وَاللَّهِ لَتَمَلُّنَّهُ. قَالَ: إِنَّا قَدْ اتَّبَعْنَاهُ، فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَدَعَهُ، حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ يَصِيرُ شَأْنُهُ. وَقَدْ أَرَدْنَا أَنْ تُسْلِفَنَا وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ
....................
فَقَالَ: نَعَمِ. ارْهَنُونِي. قَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ تُرِيدُ؟ قَالَ: ارْهَنُونِي نِسَاءَكُمْ. قَالُوا: كَيْفَ نَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا وَأَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَبِ؟ قَالَ: فَارْهَنُونِي أَبْنَاءَكُمْ. قَالُوا: كَيْفَ نَرْهَنُكَ أَبْنَاءَنَا؟ فَيُسَبُّ أَحَدُهُمْ، فَيُقَالُ: رُهِنَ بِوَسْقٍ أَوْ وَسْقَيْنِ. هَذَا عَارٌ عَلَيْنَا. وَلَكِنَّا نَرْهَنُكَ اللَّأْمَةَ. قَالَ: سُفْيَانُ يَعْنِي السِّلَاحَ. فَوَاعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ، فَجَاءَهُ لَيْلًا، وَمَعَهُ أَبُو نَائِلَةَ، وَهُوَ أَخُو كَعْبٍ مِنْ الرَّضَاعَةِ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الْحِصْنِ، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ. فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: أَيْنَ تَخْرُجُ هَذِهِ السَّاعَةَ؟ فَقَالَ إِنَّمَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَأَخِي أَبُو نَائِلَةَ. وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو: قَالَتْ أَسْمَعُ صَوْتًا، كَأَنَّهُ يَقْطُرُ مِنْهُ الدَّمُ. قَالَ: إِنَّمَا هُوَ أَخِي مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَرَضِيعِي أَبُو نَائِلَةَ، إِنَّ الْكَرِيمَ لَوْ دُعِيَ إِلَى طَعْنَةٍ بِلَيْلٍ لَأَجَابَ. قَالَ: وَيُدْخِلُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ مَعَهُ رَجُلَيْنِ.
...............
فَقَالَ: إِذَا مَا جَاءَ فَإِنِّي قَائِلٌ بِشَعَرِهِ فَأَشَمُّهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمُونِي اسْتَمْكَنْتُ مِنْ رَأْسِهِ فَدُونَكُمْ فَاضْرِبُوهُ. وَقَالَ مَرَّةً: ثُمَّ أُشِمُّكُمْ. فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ مُتَوَشِّحًا، وَهُوَ يَنْفَحُ مِنْهُ رِيحُ الطِّيبِ. فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ رِيحًا أَيْ أَطْيَبَ. وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو: قَالَ: عِنْدِي أَعْطَرُ نِسَاءِ الْعَرَبِ، وَأَكْمَلُ الْعَرَبِ. قَالَ عَمْرٌو: فَقَالَ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَشُمَّ رَأْسَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَشَمَّهُ، ثُمَّ أَشَمَّ أَصْحَابَهُ. ثُمَّ قَالَ: أَتَأْذَنُ لِي؟ قَالَ: نَعَمْ. فَلَمَّا اسْتَمْكَنَ مِنْهُ قَالَ: دُونَكُمْ. فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ أَتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرُوهُ" .
ففي هذا الحديث يتبين أن محمد بن مسلمة وصحبه -رضي الله عنهم- قد تصرفوا تصرفات وقالوا أقوالاً تبعث الأمان في نفس كعب بن الأشرف، وخدعوه، فلم يبينوا له غرضهم الحقيقي، ولم يصرحوا له بإعطائه أماناً. ومن ناحيته أعطاهم إجازة التعامل معه والدخول إلى حصنه والاقتراب منه (أي ما يقابل التأشيرة)، فاستغلوا هذه الإجازة في قتله، قد اتضح ذلك فيما يلي:
(أ) أنهم قد ذموا النبي -صلى الله عليه وسلم- أمامه فقالوا: "قد عنانا" أي أرهقنا. وهذا ظاهره الكفر. إلا أن يضمروا في أنفسهم معنى آخر مثل أنهم قد تعبوا من مكابدة الجهاد، الذي لهم فيه الأجر بسبب تعبهم ، وما أشبه، وهذه الحالة مثل أن يأتي اليوم مجاهد للأمريكان، ويقول لهم إن الإرهابيين قد أرهقونا وأتعبونا، وأنا أريد منكم قرضاً، لكي يتمكن بهذا من الدخول لبلادهم والنكاية فيهم. وهذا الأمر تم بإقرار من النبي صلى الله عليه وسلم.
(ب) إنهم لم يظهروا له غرضهم الحقيقي، بل ادعوا أنهم يريدون قرضاً، وهذا مثل من يذهب لبلاد الأعداء المحاربين فيظهر أسباباً غير حقيقية، كأن يطلب من سفارة الأعداء تأشيرة سياحة مثلاً ليتمكن من قتل مجرميهم لا للسياحة.
ولذلك قال ابن حجر -رحمه الله- في فوائد قصة قتل كعب بن الأشرف:
"وفيه جواز الكلام الذي يحتاج اليه في الحرب ولو لم يقصد قائله إلى حقيقته" .
وإخواننا لما أخذوا التأشيرات لم يكذبوا، ولكنهم استخدموا المعاريض، فإنهم لم يقولوا لهم أنتم آمنون منا، ثم قتلوهم، ولكنهم قالوا جئنا للدراسة، ومقصدهم دراسة الطيران لقتلكم، وقالوا جئنا للسياحة، وسياحة الأمة المسلمة الجهاد، وقالوا جئنا للتجارة، والجهاد هو التجارة المنجية بنص القرآن.
(ج) أنه قد واعدهم على رهن السلاح، فجاءوا إليه في المرة الثانية بالسلاح، لتكتمل خديعتهم.
قال ابن حجر رحمه الله:
"وَقَالَ اِبْن التِّين : لَيْسَ فِيهِ مَا بَوَّبَ لَهُ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَقْصِدُوا إِلَّا الْخَدِيعَة ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ جَوَاز رَهْن السِّلَاح مِنْ الْحَدِيث الَّذِي قَبْله ، قَالَ : وَإِنَّمَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَرَهْنُهُ عِنْدَ مَنْ تَكُونُ لَهُ ذِمَّةٌ أَوْ عَهْدٌ بِاتِّفَاقٍ ، وَكَانَ لِكَعْبٍ عَهْد وَلَكِنَّهُ نَكَثَ مَا عَاهَدَ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ لَا يُعِينُ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْتَقَضَ عَهْده بِذَلِكَ ، وَقَدْ أَعْلَنَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ آذَى اللَّه وَرَسُوله ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَادًا عِنْدهمْ رَهْن السِّلَاح عِنْد أَهْل الْعَهْد لَمَا عَرَضُوا عَلَيْهِ ، إِذْ لَوْ عَرَضُوا عَلَيْهِ مَا لَمْ تَجْرِ بِهِ عَادَتهمْ لَاسْتَرَابَ بِهِمْ وَفَاتَهُمْ مَا أَرَادُوا مِنْ مَكِيدَتِهِ ، فَلَمَّا كَانُوا بِصَدَدِ الْمُخَادَعَة لَهُ أَوْهَمُوهُ بِأَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ مَا يَجُوزُ لَهُمْ عِنْدهمْ فِعْلُهُ ، وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ لِمَا عَهِدَهُ مِنْ صِدْقِهِمْ فَتَمَّتْ الْمَكِيدَة بِذَلِكَ ، وَأَمَّا كَوْن عَهْده اِنْتَقَضَ فَهُوَ فِي نَفْس الْأَمْر لَكِنَّهُ مَا أَعْلَنَ ذَلِكَ وَلَا أَعْلَنُوا لَهُ بِه" .
وهذا مثل المجاهد الذي يطلب من سفارة الأعداء تأشيرة لتجارة، ليتمكن بها من دخول بلادهم للنكاية فيهم، فيظهر لموظفي السفارة مراسلات مع شركات في بلادهم كغطاء لسبب طلبه للتأشيرة.
(د) أنه قد أدخلهم الحصن (فَدَعَاهُمْ إِلَى الْحِصْنِ). أي مثل سماح موظف الجوازات لحامل التأشيرة بالدخول من المطار أو الميناء.
(هـ) أنه كان آمناً منهم، فقال لامرأته لما خافت: "ِإنَّمَا هُوَ أَخِي مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَرَضِيعِي أَبُو نَائِلَةَ". ومحمد ابن مسلمة ابن أخته ، وأبو نائلة أخوه من الرضاعة. وفي هذا رد على من يقول إن المجاهدين لا يجوز لهم أن يدخلوا أمريكا مثلاً بتأشيرة ثم يعتدوا عليها، ويعلل ذلك بقوله: إن أمريكا لو لم تكن آمنة منهم لما أدخلتهم.
(و) أنهم قد نادوه لينزل لهم من الحصن، ثم تمشوا معه، ثم طلبوا أن يشموا شعره مرة، ثم مرة أخرى، وهذا كله ليطمئن لهم. وهذا مثل المجاهد الذي يذهب لأمريكا لتدمير برجيها، ثم يطلب تأشيرة لدراسة الطيران، ويشرع في دراسة الطيران فعلاً، أو يزعم أنه قدم للسياحة، ثم يتجول بين الشواطئ والفنادق ليغطي سبب مجيئه الحقيقي، في انتظار الفرصة المواتية.
وهذه كلها تصرفات يفهم منها الأمان أو شبهة الأمان، وتضمنت الكذب في الحرب لخداع الأعداء. وقد فصل شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الأمر ورد على من يخالف ذلك، وأوضح بجلاء أن كعب بن الأشرف كان له أمان أو على الأقل شبهة أمان، ولكن ذلك لا ينفعه مع تعديه على المسلمين. حين قال رحمه الله:
"الوجه الثاني من الاستدلال به أن النفر الخمسة الذين قتلوه من المسلمين محمد بن مسلمة وأبا نائله وعباد بن بشر والحارث بن أوس وأبا عبس بن جبر قد أذن لهم النبي أن يغتالوه، ويخدعوه بكلام، يظهرون به أنهم قد أمنوه، ووافقوه ثم يقتلوه ومن المعلوم أن من أظهر لكافر أمانا لم يجز قتله بعد ذلك لأجل الكفر، بل لو اعتقد الكافر الحربي أن المسلم أمنه وكلمه على ذلك صار مستأمنا. قال النبي فيما رواه عنه عمرو بن الحمق: "من أمن رجلا على دمه وماله ثم قتله فأنا منه بريء وإن كان المقتول كافرا". رواه الإمام أحمد وابن ماجه. وعن سليمان بن صرد عن النبي قال: "إذا أمنك الرجل على دمه وماله فلا تقتله". رواه ابن ماجه وعن أبي هريرة عن النبي قال: "الإيمان قيد الفتك لا يفتك مؤمن". رواه أبو داود وغيره. وقد زعم الخطابي أنهم إنما فتكوا به لأنه كان قد خلع الأمان ونقض العهد قبل هذا وزعم أن مثل هذا جائز في الكافر الذي لا عهد له كما جاز البيات والإغارة عليهم في أوقات الغرة. لكن يقال هذا الكلام الذي كلموه به صار مستأمنا، وأدنى أحواله أن يكون له شبهة أمان، ومثل ذلك لا يجوز قتله بمجرد الكفر، فإن الأمان يعصم دم الحربي ويصير مستأمنا بأقل من هذا، كما هو معروف في مواضعه. وإنما قتلوه لأجل هجائه وأذاه لله ورسوله. ومن حل قتله بهذا الوجه لم يعصم دمه بأمان ولا بعهد. كما لو أمن المسلم من وجب قتله لأجل قطع الطريق ومحاربة الله ورسوله والسعي في الأرض بالفساد الموجب للقتل، أو أمن من وجب قتله لأجل زناه، أو أمن من وجب قتله لأجل الردة أو لأجل ترك أركان الإسلام ونحو ذلك. ولا يجوز أن يعقد له عقد عهد، سواء كان عقد أمان أو عقد هدنة أو عقد ذمة، لأن قتله حد من الحدود، وليس قتله لمجرد كونه كافراً حربياً، كما سيأتي وأما الإغارة والبيات فليس هناك قول أو فعل صاروا به آمنين، ولا اعتقدوا أنهم قد امنوا، بخلاف قصة كعب بن الأشرف فثبت أنه آذى الله ورسوله بالهجاء، ونحوه لا يحقن معه الدم بالأمان" .
وقال أيضاً رحمه الله:
"ومعلوم أن شبهة الأمان كحقيقته في حقن الدم. والنفر الذين أرسلهم النبي إلى كعب بن الأشرف جاؤوا إليه على أن يستسلفوا منه، وحادثوه وماشوه وقد أمنهم على دمه وماله، وكان بينه وبينهم قبل ذلك عهد ، وهو يعتقد بقاءه، ثم إنهم استأذنوه في أن يشموا ريح الطيب من رأسه، فأذن لهم مرة بعد أخرى، وهذا كله يثبت الأمان، فلو لم يكن في السب إلا مجرد كونه كافرا حربيا لم يجز قتله بعد أمانه إليهم، وبعد أن أظهروا له أنهم مأمنون له واستئذانهم إياه في إمساك يديه. فعلم بذلك أن إيذاء الله ورسوله موجب للقتل، لا يعصم منه أمان ولا عهد" .
وقد أفتى الشيخ ناصر الفهد فك الله أسره، بأن التأشيرة -وإن كانت أماناً في رأيه- إلا أنها لا تعصم أمريكا من نكاية المسلمين فيها، ولا يجب أن يعترض على أحداث الحادي عشر من سبتمبر بتلك الشبهة. وأنقل نص فتواه فك الله أسره:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فضيلة الشيخ...
هل تعتبر تأشيرة "الفيزا" عقد أمان؟ وإذا كانت كذلك فهل يُعتبر المجاهدون الذين فجروا برجي مركز التجارة الأمريكي ناقضين لذلك العقد؟
* * *
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
وبعد...
فإن الصحيح؛ أن التأشيرة تعتبر كعقد الأمان عرفاً، ولا بد من الوفاء بهذا العقد، فمن دخل بلاد الكفار ولو كانوا حربيين عن طريق التأشيرة فقد أمنهم، فلا يجوز له بعد ذلك الغدر، سواء في أنفسهم أو أموالهم، ومن فعل ذلك فإنه يدخل تحت الوعيد الشديد.
وأما عمليات "11 سبتمبر"...
فهي صحيحة، بناء على أن الأمريكان رؤوس الكفر في هذا الزمان، وممن آذى الله ورسوله أعظم الأذى، فهم شعب كامل يكمل بعضه بعضا؛ لأنه لا وزن للرئيس ولا للبنتاجون ولا للجيش بدون الشعب، ولو خالفوا أهواء الشعب في سياستهم لأطاحوا بهم كما هو معروف، ولا ينفرد بهذه الدولة الحكومة فقط، بل دولتهم كأنها مشاعة لكل واحد منهم من الأسهم فيها بقدره وبحسبه.
فإذا علمت هذا؛ تبين لك أنهم كشخصية اعتبارية أشبهت من هذا الوجه كعب بن الأشرف، الذي حث الرسول -صلى الله عليه وسلم- على قتله، واحتال عليه محمد بن مسلمة، وأظهر له الأمان، ثم قتله، لأنه آذى الله ورسوله.
فكان أعظم من كونه محارباً فقط، فلم يكن الاحتيال عليه لكونه محاربا فقط، بل لأنه جمع مع ذلك الأذى العظيم لله ولرسوله.
وهذا هو حال الأمريكان في هذا الزمن، فليسوا محاربين فقط، بل هم أئمة الكفر في هذا الزمن، وممن عظم إيذاؤهم لله ولرسوله وللمسلمين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في "الصارم" [2/179]: (إن النفر الخمسة الذين قتلوه من المسلمين - محمد بن مسلمة وأبا نائله وعباد بن بشر والحارث بن أوس وأبا عبس بن جبر - قد أذن لهم النبي أن يغتالوه ويخدعوه بكلام يظهرون به أنهم قد أمنوه ووافقوه، ثم يقتلوه، ومن المعلوم أن من أظهر لكافر أمانا لم يجز قتله بعد ذلك لأجل الكفر، بل لو اعتقد الكافر الحربي أن المسلم أمنه وكلمه على ذلك صار مستأمنا...).
ثم ذكر أدلة على تحريم قتل المستأمن، ثم قال: (وقد زعم الخطابي؛ أنهم إنما فتكوا به لأنه كان قد خلع الأمان ونقض العهد قبل هذا، وزعم أن مثل هذا جائز في الكافر الذي لا عهد له، كما جاز البيات والإغارة عليهم في أوقات الغرة، لكن يقال؛ هذا الكلام الذي كلموه به صار مستأمنا، وأدنى أحواله أن يكون له شبهة أمان، ومثل ذلك لا يجوز قتله بمجرد الكفر، فان الأمان يعصم دم الحربي ويصير مستأمنا بأقل من هذا - كما هو معروف في مواضعه –
وإنما قتلوه لأجل هجائه وأذاه لله ورسوله، ومن حل قتله بهذا الوجه؛ لم يعصم دمه بأمان ولا بعهد، كما لو امن المسلم من وجب قتله لأجل قطع الطريق ومحاربة الله ورسوله والسعي في الأرض بالفساد الموجب للقتل، أو امن من وجب قتله لأجل زناه، أو امن من وجب قتله لأجل الردة، أو لأجل ترك أركان الإسلام، ونحو ذلك).
ولابن القيم رحمه الله نحو هذا الكلام في "أحكام أهل الذمة".
والمقصود هنا؛ أن هناك قسماً من المحاربين - ممن هم على شاكلة كعب بن الأشرف - يجوز الاحتيال عليهم ولو بإعطائهم الأمان، كما فعل الصحابة معه، وكما فعل المجاهدون في أحداث سبتمبر.
وقد أبعد النجعة؛ من زعم أن محمد بن مسلمة أظهر لكعب بن الأشرف الكفر، وفرّع على ذلك أنه يجوز الكفر لمثل هذه المصلحة، وفرع عليه أيضا أن قولهم له ليس تأميناً، بناء على أنه أظهر الكفر، وهذا قول باطل تأصيلا وتفريعا.
وقد اخطأ في هذا الباب فريقان:
أحدهما؛ من لم يجعل لتأمين المسلم للكفار حرمة مطلقا، فأحل للمسلم أن يغدر بمن أعطاهم الأمان في أنفسهم وأموالهم.
والثاني؛ من ساوى بين جميع الكفار في هذا التأمين، فيساوي أئمة الكفر ومن آذى الله ورسوله أعظم الأذى بغيرهم من الكفار.
قال شيخ الإسلام رحمه الله في "الصارم" في التفريق بين أصناف الكفار من حيث العهد والأمان [2/503]: (فرق بين من اقتصر على نقض العهد، وبين من آذى المسلمين مع ذلك، وكان - يعني النبي صلى الله عليه وسلم - لا يبلغه عن أحد من المعاهدين انه آذى المسلمين إلا ندب إلى قتله، وقد أجلى كثير، ومنّ على كثير ممن نقض العهد فقط، وأيضا فإن أصحاب رسول الله عاهدوا أهل الشام من الكفار ثم نقضوا العهد فقاتلوهم، ثم عاهدوهم مرتين أو ثلاثا، وكذلك مع أهل مصر، ومع هذا فلم يظفروا بمعاهد آذى المسلمين بطعن في الدين، أو زني بمسلمة، ونحو ذلك؛ إلا قتلوه، وأمر بقتل هؤلاء الأجناس عينا من غير تخيير، فعلم أنهم فرقوا بين النوعين)" .
فإن قيل إن قصة كعب بن الأشرف هي في رجل كان بينه وبين المسلمين عهد فنكثه فأرسل له النبي صلى الله عليه وسلم- من يخادعه ليقتله، إنما مسألتنا ففي قوم محاربين أصلاً للمسلمين ليس بينهم وبين المسلمين عهد، كيف تستحلون أن تحتالوا عليهم لتدخلوا بلادهم ثم تقتلونهم؟
فالجواب:
(أ) بين ابن تيمية أن قتل كعب بن الأشرف ليس بسبب نكثه للعهد، وإنما بسبب تحريضه الكفار لحرب المسلمين وهجائهم والتشبيب بنسائهم ...إلخ.
(ب) إن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعث لمن ليس بينهم وبينه عهد ويحرضون على قتاله من يغتالهم. (يحتالون عليهم ثم يقتلونهم). كما في قصة أبي رافع بن أبي الحقيق، وخالد بن سفيان الهذلي، ويسير بن رزام اليهودي، الذي استدرجته سرية عبد الله بن رواحة ثم قتلته مع ثلاثين من أنصاره. فأما قصتي خالد بن سفيان الهذلي ويسير بن رزام اليهودي فتأتيان لاحقاً بعون الله، وأما قصة أبي رافع فأوردها هنا.
أخرج الإمام البخاري -رحمه الله- عن البراء بن عازب -رضي الله عنه- قال:
"بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَبِي رَافِعٍ الْيَهُودِيِّ رِجَالًا مِنْ الْأَنْصَارِ فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَتِيكٍ وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُعِينُ عَلَيْهِ وَكَانَ فِي حِصْنٍ لَهُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ فَلَمَّا دَنَوْا مِنْهُ وَقَدْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَرَاحَ النَّاسُ بِسَرْحِهِمْ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لِأَصْحَابِهِ اجْلِسُوا مَكَانَكُمْ فَإِنِّي مُنْطَلِقٌ وَمُتَلَطِّفٌ لِلْبَوَّابِ لَعَلِّي أَنْ أَدْخُلَ فَأَقْبَلَ حَتَّى دَنَا مِنْ الْبَابِ ثُمَّ تَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ كَأَنَّهُ يَقْضِي حَاجَةً وَقَدْ دَخَلَ النَّاسُ فَهَتَفَ بِهِ الْبَوَّابُ يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَدْخُلَ فَادْخُلْ فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُغْلِقَ الْبَابَ فَدَخَلْتُ فَكَمَنْتُ فَلَمَّا دَخَلَ النَّاسُ أَغْلَقَ الْبَابَ ثُمَّ عَلَّقَ الْأَغَالِيقَ عَلَى وَتَدٍ قَالَ فَقُمْتُ إِلَى الْأَقَالِيدِ فَأَخَذْتُهَا فَفَتَحْتُ الْبَابَ وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ يُسْمَرُ عِنْدَهُ وَكَانَ فِي عَلَالِيَّ لَهُ فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْهُ أَهْلُ سَمَرِهِ صَعِدْتُ إِلَيْهِ فَجَعَلْتُ كُلَّمَا فَتَحْتُ بَابًا أَغْلَقْتُ عَلَيَّ مِنْ دَاخِلٍ قُلْتُ إِنْ الْقَوْمُ نَذِرُوا بِي لَمْ يَخْلُصُوا إِلَيَّ حَتَّى أَقْتُلَهُ فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ وَسْطَ عِيَالِهِ لَا أَدْرِي أَيْنَ هُوَ مِنْ الْبَيْتِ فَقُلْتُ يَا أَبَا رَافِعٍ قَالَ مَنْ هَذَا فَأَهْوَيْتُ نَحْوَ الصَّوْتِ فَأَضْرِبُهُ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ وَأَنَا دَهِشٌ فَمَا أَغْنَيْتُ شَيْئًا وَصَاحَ فَخَرَجْتُ مِنْ الْبَيْتِ فَأَمْكُثُ غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ دَخَلْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ مَا هَذَا الصَّوْتُ يَا أَبَا رَافِعٍ فَقَالَ لِأُمِّكَ الْوَيْلُ إِنَّ رَجُلًا فِي الْبَيْتِ ضَرَبَنِي قَبْلُ بِالسَّيْفِ قَالَ فَأَضْرِبُهُ ضَرْبَةً أَثْخَنَتْهُ وَلَمْ أَقْتُلْهُ ثُمَّ وَضَعْتُ ظِبَةَ السَّيْفِ فِي بَطْنِهِ حَتَّى أَخَذَ فِي ظَهْرِهِ فَعَرَفْتُ أَنِّي قَتَلْتُهُ فَجَعَلْتُ أَفْتَحُ الْأَبْوَابَ بَابًا بَابًا حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى دَرَجَةٍ لَهُ فَوَضَعْتُ رِجْلِي وَأَنَا أُرَى أَنِّي قَدْ انْتَهَيْتُ إِلَى الْأَرْضِ فَوَقَعْتُ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ فَانْكَسَرَتْ سَاقِي فَعَصَبْتُهَا بِعِمَامَةٍ ثُمَّ انْطَلَقْتُ حَتَّى جَلَسْتُ عَلَى الْبَابِ فَقُلْتُ لَا أَخْرُجُ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَعْلَمَ أَقَتَلْتُهُ فَلَمَّا صَاحَ الدِّيكُ قَامَ النَّاعِي عَلَى السُّورِ فَقَالَ أَنْعَى أَبَا رَافِعٍ تَاجِرَ أَهْلِ الْحِجَازِ فَانْطَلَقْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَقُلْتُ النَّجَاءَ فَقَدْ قَتَلَ اللَّهُ أَبَا رَافِعٍ فَانْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَدَّثْتُهُ فَقَالَ ابْسُطْ رِجْلَكَ فَبَسَطْتُ رِجْلِي فَمَسَحَهَا فَكَأَنَّهَا لَمْ أَشْتَكِهَا قَطُّ" .
وقال ابن حجر رحمه الله في فوائد هذا الحديث:
"جَوَازُ التَّجسِيسِ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ وَتَطَلُّبُ غِرَّتِهِمْ" .
فهذا سيدنا عبد الله بن عتيك رضي الله عنه احتال على البواب حتى تمكن من دخول الحصن. فيستفاد من هذه الحادثة أيضاً جواز التحايل على الكفار، بأن يزعم المسلم أنه منهم، أو من أهل دولتهم، وهذا مثل من يزعم أنه أمريكي أو انجليزي، فيدخل أمريكا أو بريطانيا ليفتك بهم.
وفي دول الاتحاد الأوروبي الآن تيسير كبير في التنقل، حتى أنه في مطارات كثيرة وأحيان كثيرة يكتفي رعايا الدول الداخلة في اتفاقيات تيسير التنقل برفع جوازاتهم فقط، وهي في أيديهم ثم يمرون، فيجوز للمجاهد بناء على قصة أبي رافع أن يفعل ذلك.
(ج) وأمريكا قد آذت المسلمين وحاربتهم واحتلت بلادهم وأعانت على احتلالها في فلسطين وأفغانستان والعراق والصومال والشيشان، وسرقت بترولهم، وأكرمت من سب نبيهم صلى الله عليه وسلم، وحاصرت الإمارة الإسلامية بأنواع الحصار واعتدت عليها، وحاصرت الشعب العراقي، وقصفته وقتلت منه مئات الألوف. فتعين دفع آذاها عن المسلمين، ومعاقبتها على إكرام من سب النبي صلى الله عليه وسلم.
(2) قصة قتل خالد بن سفيان الهذلي:
عن عبد الله بن أنيس قال: "دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ خَالِدَ بْنَ سُفْيَانَ بْنِ نُبَيْحٍ يَجْمَعُ لِي النَّاسَ لِيَغْزُوَنِي وَهُوَ بِعُرَنَةَ فَأْتِهِ فَاقْتُلْهُ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ انْعَتْهُ لِي حَتَّى أَعْرِفَهُ قَالَ إِذَا رَأَيْتَهُ وَجَدْتَ لَهُ أُقْشَعْرِيَرَةً قَالَ فَخَرَجْتُ مُتَوَشِّحًا بِسَيْفِي حَتَّى وَقَعْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ بِعُرَنَةَ مَعَ ظُعُنٍ يَرْتَادُ لَهُنَّ مَنْزِلًا وَحِينَ كَانَ وَقْتُ الْعَصْرِ فَلَمَّا رَأَيْتُهُ وَجَدْتُ مَا وَصَفَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْأُقْشَعْرِيرَةِ فَأَقْبَلْتُ نَحْوَهُ وَخَشِيتُ أَنْ يَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مُحَاوَلَةٌ تَشْغَلُنِي عَنْ الصَّلَاةِ فَصَلَّيْتُ وَأَنَا أَمْشِي نَحْوَهُ أُومِئُ بِرَأْسِي الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَيْهِ قَالَ مَنْ الرَّجُلُ قُلْتُ رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ سَمِعَ بِكَ وَبِجَمْعِكَ لِهَذَا الرَّجُلِ فَجَاءَكَ لِهَذَا قَالَ أَجَلْ أَنَا فِي ذَلِكَ قَالَ فَمَشَيْتُ مَعَهُ شَيْئًا حَتَّى إِذَا أَمْكَنَنِي حَمَلْتُ عَلَيْهِ السَّيْفَ حَتَّى قَتَلْتُهُ ثُمَّ خَرَجْتُ وَتَرَكْتُ ظَعَائِنَهُ مُكِبَّاتٍ عَلَيْهِ فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَآنِي فَقَالَ أَفْلَحَ الْوَجْهُ قَالَ قُلْتُ قَتَلْتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ صَدَقْتَ قَالَ ثُمَّ قَامَ مَعِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَخَلَ فِي بَيْتِهِ فَأَعْطَانِي عَصًا فَقَالَ أَمْسِكْ هَذِهِ عِنْدَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ قَالَ فَخَرَجْتُ بِهَا عَلَى النَّاسِ فَقَالُوا مَا هَذِهِ الْعَصَا قَالَ قُلْتُ أَعْطَانِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَرَنِي أَنْ أَمْسِكَهَا قَالُوا أَوَلَا تَرْجِعُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَسْأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ قَالَ فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ أَعْطَيْتَنِي هَذِهِ الْعَصَا قَالَ آيَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ أَقَلَّ النَّاسِ الْمُتَخَصِّرُونَ يَوْمَئِذٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَرَنَهَا عَبْدُ اللَّهِ بِسَيْفِهِ فَلَمْ تَزَلْ مَعَهُ حَتَّى إِذَا مَاتَ أَمَرَ بِهَا فَصُبَّتْ مَعَهُ فِي كَفَنِهِ ثُمَّ دُفِنَا جَمِيعًا" .
وفي رواية أبي داود رحمه الله:
"فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً حَتَّى إِذَا أَمْكَنَنِي عَلَوْتُهُ بِسَيْفِي حَتَّى بَرَدَ".
وفي هذه الحادثة تظاهر سيدنا عبد الله بن أنيس -رضي الله عنه- بأنه كافر محارب لله وللرسول صلى الله عليه وسلم، وأخفى إسلامه حتى أنه صلى إيماء ولغير القبلة وهو ماش، ثم مشى مع خالد بن سفيان وتكلم معه، حتى يطمئنه ويتمكن منه.
وهذا مثاله الآن أن يذهب أحد المجاهدين لأمريكا للنكاية في الأمريكان، ويتوصل للدخول لبلدهم بخداعهم أنه أتى ليساعدهم في قتال المجاهدين، ثم يحلق لحيته، ويخفي صلاته ليكمل خداعهم. فالذي يعترض عليه بأنه خان العهد يعارض الدليل الواضح من سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
(3) قصة قتل أبي بصير لأحد آسريه.
أخرج الإمام البخاري رحمه الله:
"ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُوَ مُسْلِمٌ فَأَرْسَلُوا فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ فَقَالُوا الْعَهْدَ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا فَدَفَعَهُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ فَخَرَجَا بِهِ حَتَّى بَلَغَا ذَا الْحُلَيْفَةِ فَنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى سَيْفَكَ هَذَا يَا فُلَانُ جَيِّدًا. فَاسْتَلَّهُ الْآخَرُ فَقَالَ أَجَلْ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَجَيِّدٌ لَقَدْ جَرَّبْتُ بِهِ ثُمَّ جَرَّبْتُ. فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْهِ. فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ، فَضَرَبَهُ حَتَّى بَرَدَ. وَفَرَّ الْآخَرُ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ يَعْدُو فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَآهُ لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ قُتِلَ وَاللَّهِ صَاحِبِي وَإِنِّي لَمَقْتُولٌ فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَدْ وَاللَّهِ أَوْفَى اللَّهُ ذِمَّتَكَ قَدْ رَدَدْتَنِي إِلَيْهِمْ ثُمَّ أَنْجَانِي اللَّهُ مِنْهُمْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سِيفَ الْبَحْرِ قَالَ وَيَنْفَلِتُ مِنْهُمْ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ فَجَعَلَ لَا يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ أَسْلَمَ إِلَّا لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ فَوَاللَّهِ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ إِلَى الشَّأْمِ إِلَّا اعْتَرَضُوا لَهَا فَقَتَلُوهُمْ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُنَاشِدُهُ بِاللَّهِ وَالرَّحِمِ لَمَّا أَرْسَلَ فَمَنْ أَتَاهُ فَهُوَ آمِنٌ فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ" .
ففي هذه القصة أخذ أبو بصير السيف من آسره، بحيلة أمنه بها، أنه ينظر إليه فقط، دون أن يخبره بما أبطن أنه يقصد قتله. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:
"وَفِي قِصَّة أَبِي بَصِير مِنْ الْفَوَائِد جَوَاز قَتْل الْمُشْرِك الْمُعْتَدِي غِيلَة ، وَلَا يُعَدّ مَا وَقَعَ مِنْ أَبِي بَصِير غَدْرًا لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي جُمْلَة مَنْ دَخَلَ فِي الْمُعَاقَدَة الَّتِي بَيْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْن قُرَيْش ، لِأَنَّهُ إِذْ ذَاكَ كَانَ مَحْبُوسًا بِمَكَّة ، لَكِنَّهُ لَمَّا خَشِيَ أَنَّ الْمُشْرِك يُعِيدهُ إِلَى الْمُشْرِكِينَ دَرَأَ عَنْ نَفْسه بِقَتْلِهِ ، وَدَافَعَ عَنْ دِينه بِذَلِكَ ، وَلَمْ يُنْكِر النَّبِيّ قَوْله ذَلِكَ" .
والاستدلال هنا ليس بأن أبا بصير لم يغدر بالعهد الذي بين النبي –صلى الله عليه وسلم- وقريش، ولكن الاستدلال هنا بأنه يجوز تأمين الآسر بأمان أو شبهة أمان ثم قتله، لأنه معتد. وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد أقر ذلك، بل مدحه -صلى الله عليه وسلم- بقوله: "وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ". قال ابن حجر رحمه الله:
"قَوْله : ( وَيْلُ اُمِّهِ)
............. وَهِيَ كَلِمَة ذَمّ تَقُولهَا الْعَرَب فِي الْمَدْح وَلَا يَقْصِدُونَ مَعْنَى مَا فِيهَا مِنْ الذَّمّ" .
ومثل هذا ما ذكره محمد بن الحسن الشيباني -رحمه الله- في السير الكبير عن الأسير المسلم في يد الكفار يخادعهم ويقتلهم وهم أمنون منه:
"ولو قال الأسير لهم: أنا أعلم الطب فسألوه أن يسقيهم الدواء فسقاهم السم فقتلهم فإن سقى الرجال منهم لم يكن به بأس؛ لأن ذلك نكاية فيهم، وأكره له أن يسقي الصبيان والنساء، كما أكره له قتلهم. إلا أن تكون امرأة منهم قد أضرت به، وقصدت قتله، فحينئذ لا بأس بأن يسقيها، كما لا بأس بأن يقتلها إن تمكن من ذلك" .
ب- الدولة المعتدية على المسلمين -أمريكا مثلاً- كيان معنوي واحد.
الشعب الأمريكي كيان معنوي واحد. وهو وكثير من شعوب الغرب ارتضوا النظام الديمقراطي، أي أنهم جميعاً اختاروا أن يكون الحكم والقرار وإصدار القوانين للأغلبية، والأقلية تطيعهم برضا في ذلك، ولذلك فإن ما يفعله الرئيس الأمريكي مثلاً، يتم برضا الأغلبية، وبموافقة الأقلية على أن تصرفاته دستورية وصحيحة، لأن الأغلبية تؤيدها، ولذلك ترى الأقلية المخالفة له أن من واجبها وحقه عليها -حتى وإن خالفته في أمر- أن تطيعه وتذعن له. هذا أمر معلوم بالضرورة من أحوالهم.
قال الشيخ حمود العقلا -رحمه الله- في فتواه عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر:
"لابد أن نعرف أن أي قرار يصدر من الدولة الأمريكية الكافرة خاصة القرارات الحربية والمصيرية لا تقوم إلا عن طريق استطلاع الرأي العام أو عن طريق التصويت من قبل النواب في مجالسهم الكفرية والتي تمثل تلك المجالس بالدرجة الأولى رأي الشعب عن طريق وكلائهم البرلمانيين ، وعلى ذلك فإن أي أمريكي صوت على القتال فهو محارب ، وعلى أقل تقدير فهو معين ومساعد".
ثم أفراد الشعب الأمريكي يدفعون الضرائب التي ينفق منها على العدوان علينا، ويخدمون في الجيش والأمن.
فهم طائفة محاربة معتدية ممتنعة، فصاروا كالشخص الواحد. قال ابن تيمية رحمه الله:
"فأعوان الطائفة الممتنعة وأنصارها منها فيما لهم وعليهم. وهكذا المقتتلون على باطل لا تأويل فيه مثل المقتتلين على عصبية ودعوى جاهلية كقيس ويمن نحوهما ظالمتان. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار". قيل: يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: "أراد قتل صاحبه". أخرجاه في الصحيحين. وتضمن كل طائفة ما أتلفته الأخرى من نفس ومال، وإن لم يعرف عين القاتل، لأن الطائفة الواحدة الممتنع بعضها ببعض كالشخص الواحد" .
وقد أوردنا من قبل قول العلامة أحمد شاكر -رحمه الله- بأن الإنجليز والفرنسيين ومن حالفهم يجب على جميع المسلمين ضربهم في كل مكان.
كما أن الشيخ ناصر الفهد فك الله أسره أشار أيضاً إلى أن أمريكا كيان معنوي واحد في فتواه عن التأشيرة، التي ذكرتها آنفاً.
وقال الشيخ حمود العقلا رحمه الله في الفتوى المشار لها آنفاً:
"وإذا تقرر هذا فاعلم أن أمريكا دولة كافرة معادية للإسلام والمسلمين، وقد بلغت الغاية والاستكبار وشن الهجمات على كثير من الشعوب الإسلامية".
وقد دعاهم الشيخ أسامة للتبرؤ من أفعال بوش وعدم مشاركته في عدوانه، فلم يستجيبوا، بل إنه -حفظه الله- قال إن الولايات التي ستمتنع عن العدوان علينا ستكون لها معاملة أخرى، فلم يستيجبوا أيضاً، فأي إقامة للحجة أوضح من هذه.
ج- حلفاء المعتدي على المسلمين -إذا رضوا- مشتركون معه في العقاب، فما بالك إذا شاركوه في العدوان؟
وحتى لو سلمنا بأن التأشيرة عقد أمان لرعايا الدولة صاحبة التأشيرة، فإن شعوب أمريكا وحلفاءها قد انتقض عهدهم جميعاً بما ارتكبه بعضهم، ورضي عنه الآخرون أو لم ينكروا شرعيته، ورأوه عملاً دستورياً، لأن الأغلبية وافقت عليه، وكذلك ينتقض عهد حلفاء أمريكا في حربها مثل حلف الناتو، الذين لم يرضوا فقط بما ارتكبته أمريكا من جرائم، بل وشاركوها فيها، وكانوا طليعتها ومخلبها في محاربة المسلمين في أفغانستان والعراق وفلسطين والصومال.
قال ابن القيم رحمه الله:
"وكان هديه أنه إذا صالح قوما فنقض بعضهم عهده وصلحه وأقرهم الباقون ورضوا به غزا الجميع، وجعلهم كلهم ناقضين، كما فعل بقريظة والنضير وبني قينقاع وكما فعل في أهل مكة فهذه سنته في أهل العهد" .
وقال أيضاً رحمه الله:
"وكان هدية وسنته إذا صالح قوما وعاهدهم فانضاف إليهم عدو له سواهم فدخلوا معهم في عقدهم وانضاف إليه قوم آخرون فدخلوا معه في عقده صار حكم من حارب من دخل معه في عقده من الكفار حكم من حاربه. وبهذا السبب غزا أهل مكة فإنه لما صالحهم على وضع الحرب بينهم وبينه عشر سنين تواثبت بنو بكر بن وائل فدخلت في عهد قريش وعقدها وتواثبت خزاعة فدخلت في عهد رسول الله وعقده ثم عدت بنو بكر على خزاعة فبيتتهم وقتلت منهم وأعانتهم قريش في الباطن بالسلاح فعد رسول الله قريشا ناقضين للعهد بذلك واستجاز غزو بني بكر بن وائل لتعديهم على حلفائه وسيأتي ذكر القصة إن شاء الله تعالى.
وبهذا أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية بغزو نصارى المشرق لما أعانوا عدو المسلمين على قتالهم فأمدوهم بالمال والسلاح وإن كانوا لم يغزونا ولم يحاربونا ورآهم بذلك ناقضين للعهد كما نقضت قريش عهد النبي بإعانتهم بني بكر بن وائل على حرب حلفائه" .
وقال ابن القيم في الفوائد الفقهية المستفادة من فتح مكة:
"فصل
وفيها أن أهل العهد إذا حاربوا من هم في ذمة الإمام وجواره وعهده صاروا حربا له بذلك ولم يبق بينهم وبينه عهد فله أن يبيتهم في ديارهم ولا يحتاج أن يعلمهم على سواء وإنما يكون الإعلام إذا خاف منهم الخيانة فإذا تحققها صاروا نابذين لعهده
فصل
وفيها انتقاض عهد جميعهم بذلك ردئهم ومباشريهم إذا رضوا بذلك وأقروا عليه ولم ينكروه فإن الذين أعانوا بني بكر من قريش بعضهم لم يقاتلوا كلهم معهم ومع هذا فغزاهم رسول الله كلهم وهذا كما أنهم دخلوا في عقد الصلح تبعا ولم ينفرد كل واحد منهم بصلح إذ قد رضوا به وأقروا عليه فكذلك حكم نقضهم للعهد هذا هدي رسول الله الذي لا شك فيه كما ترى" .
وانظر للتعليل القيم من ابن القيم –رحمه الله- حيث بين أن العهد أو الصلح مع زعيم القوم، هو عهد لكل فرد من القوم، ولا ينفرد كل منهم بعقد منفرد، ويصير كل فرد من القوم آمناً بعقد زعيمهم، وكذلك إذا نقض زعيمهم العهد صار كل منهم ناقضاً، ولا يحتاج لنقض مستقل.
وانظر لقوله: "فله أن يبيتهم في ديارهم ولا يحتاج أن يعلمهم على سواء، وإنما يكون الإعلام إذا خاف منهم الخيانة". أي أن المسلمين إذا اعتدى عليهم صاحب العهد، ونكث عهده، فلهم أن يفاجئوه بالحرب دون إعلام، لأن النكث كان منه بداية، وإنما يعلموه بنبذ العهد إذا خافوا منه الخيانة.
فإن قيل ولكن المسلمين في تاريخهم كان بينهم وبين غيرهم حروب ولكن كان الأمان معتبراً في حقن الدم للكافر إذا دخل إلينا بأمان وفي المسلم إذا دخل إليهم بأمان.
فالجواب ما ذكره الشيخ ناصر الفهد في فتواه عن التأشيرة، التي ذكرتها آنفاً حيث قال:
" فإذا علمت هذا؛ تبين لك أنهم كشخصية اعتبارية أشبهت من هذا الوجه كعب بن الأشرف، الذي حث الرسول -صلى الله عليه وسلم- على قتله، واحتال عليه محمد بن مسلمة، وأظهر له الأمان، ثم قتله، لأنه آذى الله ورسوله.
فكان أعظم من كونه محارباً فقط، فلم يكن الاحتيال عليه لكونه محاربا فقط، بل لأنه جمع مع ذلك الأذى العظيم لله ولرسوله.
وهذا هو حال الأمريكان في هذا الزمن، فليسوا محاربين فقط، بل هم أئمة الكفر في هذا الزمن، وممن عظم إيذاؤهم لله ولرسوله وللمسلمين.
....................
والمقصود هنا؛ أن هناك قسماً من المحاربين -ممن هم على شاكلة كعب بن الأشرف- يجوز الاحتيال عليهم ولو بإعطائهم الأمان، كما فعل الصحابة معه، وكما فعل المجاهدون في أحداث سبتمبر" .
فإن قيل إذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد قتل واحداً فكيف تستدلون بهذا على قتل الآلاف؟
فالجواب:
(أ) لا فرق، لأننا بينا أن أمريكا شخصية اعتبارية واحدة.
(ب) ثم لنفترض أن المجاهدين أرسلوا سرية لقتل بوش لأنه يجمع الحشود لقتال المسلمين، فذهبوا إليه بأمان أو شبه أمان، كما فعل محمد بن مسلمة وأصحابه، ثم لنفترض أنهم أرسلوا سرية ثانية لقتل ديك تشيني، وثالثة لقتل رامسفيلد، أليست هي نفس المسألة؟
ولنفترض أنهم أرسلوا رابعة لقتل الرسام الذي سخر من النبي صلى الله عليه وسلم.
وهبهم أرسلوا مائة سرية لقتل رؤوس الكفر، واتبعوا نفس أسلوب محمد بن مسلمة، أليست هي نفس المسألة؟
وهبهم أرسلوا سرية واحدة لتقوم بكل هذه المهام، فنفذتها، أليست هي نفس المسألة؟
وهب أنهم في سعيهم لقتل رؤوس الكفار هؤلاء قتلوا العديد من أنصارهم، أو ممن لا يجوز قتله بالتبع وليس بالقصد، أليس هذا جائزاً؟
وإن قيل هل كان في سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قد أرسل من ذهب لمكة أو فارس الروم بأمان ثم فتك بهم، وأخذ أموالهم؟
فالجواب:
(1) أنا لا نسلم أولاً أن التأشيرة أمان.
(2) نعم أرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- سراياه لقتل كعب بن الأشرف وابن أبي الحقيق ويسير بن رزام، وسفيان بن خالد الهذلي من احتال عليهم في بلادهم، ثم قتلهم.
فإن قيل ولكن المجاهدين الذين دخلوا أمريكا لم ينذروها بنبذ الأمان.
فالجواب: أن إنذار الدولة الخائنة مختلف فيه بين الفقهاء، هذا إذا سلمنا بأن التأشيرة أمان. ونحن لا نسلم بهذا أصلاً.
قال الشافعي رحمه الله:
"إذا دخل قوم من المسلمين بلاد الحرب بأمان فالعدو منهم آمنون إلى أن يفارقوهم، أو يبلغوا مدة أمانهم، وليس لهم ظلمهم ولا خيانتهم.
وإن أسر العدو أطفال المسلمين ونساءهم لم أكن أحب لهم الغدر بالعدو ولكن أحب لهم لو سألوهم أن يردوا إليهم الأمان وينبذوا إليهم فإذا فعلوا قاتلوهم عن أطفال المسلمين ونسائهم‏" .‏
وقال أيضاً رحمه الله:
"وإذا دخل جماعة من المسلمين دار الحرب بأمان فسبى أهل الحرب قوما من المسلمين لم يكن للمستأمنين قتال أهل الحرب عنهم حتى ينبذوا إليهم فإذا نبذوا إليهم فحذروهم وانقطع الامان بينهم كان لهم قتالهم فأما ما كانوا في مدة الامان فليس لهم قتالهم" .
أما ابن القيم والأحناف فلا يشترطون وجوب نبذ عهد من بدأ بالخيانة.
يقول ابن القيم رحمه الله:
"فصل
وفيها أن أهل العهد إذا حاربوا من هم في ذمة الإمام وجواره وعهده صاروا حربا له بذلك ولم يبق بينهم وبينه عهد فله أن يبيتهم في ديارهم ولا يحتاج أن يعلمهم على سواء وإنما يكون الإعلام إذا خاف منهم الخيانة فإذا تحققها صاروا نابذين لعهده" .
قال ابن الهمام الحنفي رحمه الله:
"وَلَوْ أَغَارَ أَهْلُ الْحَرْبِ الَّذِي فِيهِمْ مُسْلِمُونَ مُسْتَأْمَنُونَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَأَسَرُوا ذَرَارِيَّهُمْ فَمَرُّوا بِهِمْ عَلَى أُولَئِكَ الْمُسْتَأْمَنِينَ وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْقُضُوا عُهُودَهُمْ وَيُقَاتِلُوهُمْ إذَا كَانُوا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ رِقَابَهُمْ فَتَقْرِيرُهُمْ فِي أَيْدِيهِمْ تَقْرِيرٌ عَلَى الظُّلْمِ ، وَلَمْ يَضْمَنُوا ذَلِكَ لَهُمْ ، بِخِلَافِ الْأَمْوَالِ ؛ لِأَنَّهُمْ مَلَكُوهَا بِالْإِحْرَازِ ، وَقَدْ ضَمِنُوا لَهُمْ أَنْ لَا يَتَعَرَّضُوا لِأَمْوَالِهِمْ ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمَأْخُوذُونَ ذَرَارِيَّ الْخَوَارِجِ ؛ لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ" .
بل إن الأحناف يرون أن دعوة الكفار الذين بلغتهم الدعوة مندوبة، ولكن تترك إذا خيف الضرر على المسلمين، أما ابن عابدين -رحمه الله- فيرى أن ترك تلك الدعوة لا يقتصر على الاستحباب فقط، بل يمكن في الوجوب أيضاً، فقال في حاشيته:
"( وَنَدْعُو نَدْبًا مَنْ بَلَغَتْهُ إلَّا إذَا تَضَمَّنَ ذَلِكَ ضَرَرًا ) وَلَوْ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ كَأَنْ يَسْتَعِدُّونَ أَوْ يَتَحَصَّنُونَ فَلَا يَفْعَلُ..)
................................
قوله (إلا إذا تضمن ذلك ضرراً) ذكروا هذا الاستثناء في الاستحباب مع إمكانه في الوجوب أيضاً" .
ولا شك أن الأمريكان قد بلغتهم دعوة الإسلام.
أضف إلى ذلك أن المجاهدين قد أنذروا الأمريكان مرات كثيرة.
5- مناقشة أدلة الكاتب في أن التأشيرة أمان، وأن أحداث نيويورك وواشنطن من باب الغدر.
أ- اعتمد كاتب الوثيقة فيما ذهب إليه من أن أحداث نيويورك من باب الغدر على أدلة ذكرها في وثيقته وكتاب (الجامع) موجزها ما يلي:
(1) أن حقيقة الأمان عصمة هي المال والدم. وأن الداخل للغرب بتأشيرة يعصمون ماله ودمه، فتعتبر التأشيرة أماناً، وإن كانت لا تنص على ذلك، لأن العرف جرى بذلك وأن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، وأن العادة محكمة.
والجواب على هذا الاستدلال ما يلي:
(أ) ما بينته آنفاً من أن حامل التأشيرة في الغرب ليس آمناً على نفسه ولا دينه ولا أهله ولا ماله.
(ب) أما استدلاله بالقاعدة الفقهية بأن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، وأن العادة محكمة، فأعلق على ذلك فأقول:
[1] قد بينت من قبل في الملاحظات على منهج الوثيقة أن الكاتب يأتي بعمومات وقواعد دون ذكر تفصيلها، وهي الملاحظة الحادية عشرة من الملاحظات على منهج الوثيقة.
[2] فهذه القاعدة تناولها الفقهاء عند بحثهم للعادة أو للعرف ، وتناول هذه المسألة ليس مجال بحثنا، ولكني أذكر هنا أن الفقهاء لا يعتبرون العادة ولا العرف إذا صادم الشرع . ومن أمثلة تعارض العرف والشرع في مسألة التأشيرة:
[أ] اعتبار تأشيرة الدول المحاربة للمسلمين والمعتدية عليهم والسابة لنبيهم مانعة من عقوبة المسلمين لهم، وقد بينت هذا من قبل، وأن هذا القول مخالف للسنة الصحيحة الثابتة.
[ب] مسألة الحصانة الدبلوماسية، فهي من المسائل التي جرى بها العرف الدولي، ووثقتها المعاهدات الدولية، ولكنها مخالفة للشريعة. فليس في دار الإسلام من هو محصن من نفاذ الشريعة عليه .
(2) أقوال الفقهاء في أن الأمان يقتضي أماناً مقابلاً.
والجواب عليه:
(أ) أننا لم نسلم بأن التأشيرة أمان، وعلى الكاتب أن يثبت ذلك. وقد رددت على استدلاله بأن حقيقة الأمان عصمة المال والدم.
(ب) بينت أن المسألة فيها قولان.
(ج) بينت أن الأمان لا يعصم دم من حشد الجيوش لقتال المسلمين ولا من يعتدي عليهم ولا من سب نبيهم.
(3) زعم المؤلف في كتابه (الجامع) أن محمد بن الحسن الشيباني اعتبر أن تزوير خط أهل الحرب أمان، وقاس الكاتب عليها التأشيرة المزورة، ثم كرر نفس المعني في وثيقته.
وهذا الزعم خطأ.
(أ) فمحمد بن الحسن الشيباني -رحمه الله- لم يتكلم عن تزوير خط أهل الحرب، بل تكلم عمن يزعمون أنهم رسل الخليفة، وقد يظهرون كتاباً بذلك. وهذه مسألة مختلفة عن تزوير خط أهل الحرب أو تزوير التأشيرة. وبالتالي فليس هناك أساس لقياس الكاتب التأشيرة المزورة على كلام الشيباني.
والمتأمل في كلام الشيباني -رحمه الله- يجد أنه يعتمد على العرف والعادة، فالشيباني يتكلم عمن يدعون أنهم رسل الخليفة، وقد جرت العادة بأن الرسل والسفراء لا يتعرض لهم. بل هذه سنة نبوية ثابتة. أخرج الإمام أحمد -رحمه الله- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رضي الله عنه- قَالَ:
"جَاءَ ابْنُ النَّوَّاحَةِ وَابْنُ أُثَالٍ رَسُولَا مُسَيْلِمَةَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُمَا أَتَشْهَدَانِ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ قَالَا نَشْهَدُ أَنَّ مُسَيْلِمَةَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ لَوْ كُنْتُ قَاتِلًا رَسُولًا لَقَتَلْتُكُمَا".
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ فَمَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ" .
وفي نفس الفصل يتكلم الشيباني عن آخرين يجوز لهم قتل وأخذ أموال أهل الحرب بحيل أخرى اعتماداً على العرف.
يقول الشيباني رحمه الله:
"ولو أن رهطا من المسلمين أتوا أول مسالح أهل الحرب فقالوا: نحن رسل الخليفة.
وأخرجوا كتاباً يشبه كتاب الخليفة، أو لم يخرجوا، وكان ذلك خديعة منهم للمشركين.
فقالوا لهم: ادخلوا.
فدخلوا دار الحرب.
فليس يحل لهم قتل أحد من أهل الحرب، ولا أخذ شئ من أموالهم ما داموا في دارهم" .
ثم قال رحمه الله:
"وكذلك لو قالوا: جئنا نريد التجارة.
وقد كان قصدهم أن يغتالوهم.
لأنهم لو كانوا تجارا حقيقة كما أظهروا لم يحل لهم أن يغدروا بأهل الحرب، فكذلك إذا أظهروا ذلك لهم" .
وذلك لأن العرف في ذلك الوقت أن الرسل والتجار لا يعتدى عليهم، ويؤمنون.
قال ابن قدامة رحمه الله:
"وَإِذَا دَخَلَ حَرْبِيٌّ دَارَ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ أَمَانٍ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَ مَعَهُ مَتَاعٌ يَبِيعُهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، وَقَدْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِدُخُولِهِمْ إلَيْنَا تُجَّارًا بِغَيْرِ أَمَانٍ ، لَمْ يُعْرَضْ لَهُمْ" .
أما اليوم فالعكس هو الحال، فلو جاء رجل لسفارة أمريكا أو بريطانيا أو لمطار لندن أو نيويورك وقال لهم أنا رسول الملا عمر أو أبي عمر البغدادي أو من دوكو عمروف أمير إمارة القوقاز الإسلامية، لقبضوا عليه وسجنوه وعذبوه. والعالم كله يشهد على ما فعلت باكستان وأمريكا بالملا عبد السلام ضعيف سفير الإمارة الإسلامية في باكستان، مع أنه كان سفيراً رسمياً في باكستان، ويتمتع بالحصانة الدبلوماسية. فقد اعتقل ثم سلم للأمريكان حيث عذب وسجن في باجرام ثم في جوانتانامو. وكذلك لو قال لهم أنا تاجر جئت أشتري منكم أشياء للإمارة الإسلامية في أفغانستان أو لدولة العراق الإسلامية أو لإمارة القوقاز الإسلامية.
(ب) ثم في نفس الفصل يتكلم الشيباني -رحمه الله- عن صور أخرى من التحايل الجائز على الكفار، اعتماداً أيضاً على العرف والعادة.
قال الشيباني رحمه الله:
"ولو كانوا تشبهوا بالروم ولبسوا لباسهم، فلما قالوا لهم:
من أنتم ؟ قالوا: نحن قوم من الروم كنا في دار الإسلام بأمان.
وانتسبوا لهم إلى من يعرفونه من أهل الحرب، أو لم ينتسبوا، فخلوا سبيلهم.
ولا بأس بأن يقتلوا من يقدرون عليه منهم ويأخذوا الأموال.
لأن ما أظهروا لو كان حقيقة لم يكن بينهم وبين أهل الحرب أمان.
فان بعضهم ليس في أمان من بعض حتى لو استولى عليه أو على ماله بملكه، وإذا أسلم عليه كان سالما له" .
وقال أيضاً رحمه الله:
"وكذلك لو أخبروهم أنهم قوم من أهل الذمة أتوهم ناقضين للعهد مع المسلمين، فأذنوا لهم في الدخول.
فهذا والأول سواء" .
فهنا أيضاً اعتبر العادة والعرف.
ومن هنا يتبين خطأ استدلال كاتب الوثيقة بكلام الشيباني -رحمه الله- ليتوصل بأن التأشيرة المزورة أمان يعصم دماء وأموال الكفار.
ب- كاتب الوثيقة وهو يصف أحوال الغرب والأمريكان تجاهل الواقع تماماً، ويقدم وصفاً للواقع يتماشى مع حملات العلاقات العامة الأمريكية، التي تتغنى بالنعيم الذي يعيش فيه المسلمون في الغرب.
فكاتب الوثيقة تغافل عن اعتقال كل من تريد أمريكا اعتقاله، وتغافل عن تخلي أمريكا عن التزاماتها باتفاقيات جنيف للأسرى، وتغافل عن جوانتانامو، وتغافل عن سجون أمريكا السرية.
بل الكاتب تجاهل حتى واقعه هو نفسه؛ فقد كان يقيم بإقامة رسمية باسمه الحقيقي في اليمن، وكانت المخابرات اليمنية تطلب جوازه للاطلاع عليه، وتسمح له بإقامة رسمية، ثم لما أمرتها أمريكا باعتقاله لم تعتبر اليمن ولا سيدتها أمريكا الإقامة ولا وهم الأمان الذي يشغب به الكاتب ليصرف الناس عن جهاد أمريكا، واليمن لم تعتقله من نفسها، بل لأنها حليفة أمريكا في حربها على الإرهاب، فلا أمريكا ولا اليمن اعتبرتا الإقامة الرسمية في اليمن أماناً ولا غيره. والكاتب يعلم ذلك علم اليقين.
ج- ثم هل يفهم من كلام الكاتب أنه يرى أن العمليات الاستشهادية التي تمت في فلسطين المحتلة من مجاهدين دخلوا إسرائيل بتصاريح إسرائيلية؛ هي غدر ولا تجوز، وأن من قام بها أو أعان عليها بناء على هذه التصاريح أو الإقامات غادرون؟
د- الأصل أن الكافر لا يعصم دمه إلا بأمان أو ذمة أو عهد، فعلى مدعي أن التأشيرة أمان أن يثبت ذلك بدليل بين، وإلا فالأمر على أصله. ولا تثريب على المتمسك بالأصل، ولا يصح وصفه بأوصاف الكاتب؛ أنه غادر وخائن إلى آخر ما أطلقه في حق المجاهدين.
ومثاله أيضاً فيما أورده الكاتب أن جهاد الحكام المرتدين لا يجب للعجز، فعلى مدعي العجز أن يثبت ذلك بدليل بين، وإلا فالأمر على أصله، وليترفع الكاتب عن أسلوبه من السباب في هذا الأمر وغيره.
6- الخلاصة:
أ- إذا سلمنا جدلاً بأن التأشيرة لأمريكا -أو لغيرها من الدول الصليبية المتحالفة معها في عدوانها على المسلمين منذ أكثر من خمسين سنة- أمان، فإن هذا الأمان باطل من وجهين: الأول: أن المحارب لله ورسوله المؤذي للمسلمين الساب لنبيهم ولينهم لا يعصم الأمان دمه. والثاني: أن أمريكا وحليفاتها ينكثن العهد كل يوم.
ب- الشعب الأمريكي كيان معنوي واحد في سلمهم وحربهم، فكما أنه ليس لكل واحد منهم عقد مستقل في السلم، فكذلك ليس لكل واحد منهم عقد مستقل في الحرب، إذا رضوا عما يرتكبه زعيمهم، فما بالك إذا كانوا يساعدونه بالضرائب والتأييد السياسي في الانتخابات والإعلام والتجنيد في الجيش وأجهزة الأمن.
ج- الحلفاء مشتركون في المسؤولية، إذا رضوا ولم ينكروا، فما بالك إذا شاركوا في العدوان؟ ومثال ذلك حلف الناتو في إعانتهم لأمريكا وإسرائيل.
د- لا يلزم المسلمين أن يعلنوهم ببدء الحرب إذا تحققوا منهم الخيانة، فما بالك إذا كانوا قد أعلنوهم مراراً وتكراراً؟
هـ- يجوز للمجاهدين أن يستخدموا كافة الحيل بما في ذلك ذم الإسلام والمسلمين والتظاهر بعدم الإسلام للتوصل لضرب الكفار المعتدين في بلادهم.
7- كلمة أخيرة:
أ- نحن اليوم أمام خيارين:
إما أننا نريد أن نصد عدوان الأمريكان واليهود وفرنسا والروس والهندوس عنا، ونطهر بلادنا من عملائهم الفاسدين الخارجين على الشريعة والمعتدين على حرماتها، لنعيش مسلمين أعزاء أحراراً، نعبد ربنا كما أمر وننشر رسالة الإسلام والعدل والشورى. فهذه هي السنة النبوية المطهرة ترسم لنا الطريق، وتقدم لنا أعلى الأمثلة في البذل والتضحية والشجاعة والإقدام.
وإما أننا نريد الخنوع والخضوع والهروب، والبحث -بأي ثمن- عن مخرج من السجن، والانشغال بتحصيل القوت ورعاية العيال والنسوان، وترك الصليبيين واليهود والمباحث والاستخبارات يعيثون فساداً، ويفرضون علينا -إلى ما شاء الله- الاحتلال والقتل والخوف والذل والقمع وتوريث الحكم من فاسد لفاسد، فها هي وثيقة (تركيع الجهاد) تهوي بنا لكل ذلك.
قال المتلمس الضبعي:
وَلَن يُقيمَ عَلى خَسفٍ يُسامُ بِهِ إِلاّ الأَذَلاّنِ عَيرُ الأَهلِ وَالوَتِدُ
هَذا عَلى الخَسفِ مَربوطٌ بِرُمَّتهِ وَذا يُشَجُّ فما يَرثي لَهُ أَحَدُ
واقتبس منه الأمير الصنعاني رحمه الله فقال:
لكنه حين كان الْبَيْنُ في سَفَرٍ يرضى به رَبُّنا ما فَتَّ في عضدي
فإنه هجرة عن كل منكرة قد أحدثتها ملوك الجور في بلدي
مثلي يقيم بأرض لا تقام بها شريعة المصطفى والواحد الصمد
إن كنت أرضى بحمل الذل في بلد إذاً فلا رَفَعَتْ سوطي إلى يَدِ
ولا يقيم على ذل يراد به غَيْر الأَذَلَّيْن عَيْرُ الْحَيِّ والوتد
ب- أعود فأكرر أن هذا هو اجتهاد اطمئننت له أنا وإخواني المجاهدين في مسألة حادثة، استدللنا عليه بسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- والواقع والعادة والعرف وأقوال العلماء الأحرار الصادعين بالحق، فمن اطمئن لهذا الاجتهاد فليعمل به مع تقدير المصلحة، ومن لم يطمئن له فليبحث عن وسائل أخرى يجاهد بها الصليبيين المحتلين لديار الإسلام، أما ثالثة الأثافي التي أحذر منها كل مسلم؛ فهي أن يصدق فينا قول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾.
يقول محمد إقبال رحمه الله:
الفاظ ومعاني ميں تفاوت نھيں ليکن
ملا کا اذان اور مجاھد کا اذان اور
وترجمته:
ولم يتفاوتا لفظاً ومعنىً، وشأنُهما على التحقيقِ آخر
أذانٌ للمجاهدِ قد تميز، وللملا أذانٌ ذاك آخر




















الفصل الثامن
حكم رمي الكفار إذا اختلط بهم مسلمون أو من لا يجوز قتله
1- عرض أقوال العلماء في المسألة:
اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
أ- الأول : وهو منع رمي الكفار إذا اختلط بهم مسلمون وحكي عن مالك والأوزاعي وخالفه فيه متأخرو المالكية كما سيأتي إن شاء الله .
قال القرطبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاء لَوْ تَزَيَّلُوا..﴾. الآية :
"الثالثة : هذه الآية دليل على مراعاة الكافر في حرمة المؤمن ; إذ لا يمكن إذاية الكافر إلا بإذاية المؤمن .
قال أبو زيد قلت لابن القاسم: أرأيت لو أن قوماً من المشركين في حصن من حصونهم، حصرهم أهل الإسلام وفيهم قوم من المسلمين أسارى في أيديهم ; أيحرق هذا الحصن أم لا؟ قال : سمعت مالكاً وسئل عن قوم من المشركين في مراكبهم أنرمي في مراكبهم بالنار ومعهم الأسارى في مراكبهم؟ قال : فقال مالك لا أرى ذلك، لقوله تعالى لأهل مكة : ﴿لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً﴾.
وكذلك لو تترس كافر بمسلم لم يجز رميه. وإن فعل ذلك فاعل فأتلف أحداً من المسلمين فعليه الدية والكفارة . فإن لم يعلموا فلا دية ولا كفارة، وذلك أنهم إذا علموا فليس لهم أن يرموا، فإذا فعلوه صاروا قتلة خطأ والدية على عواقلهم . فإن لم يعلموا فلهم أن يرموا. وإذا أبيحوا الفعل لم يجز أن يبقى عليهم فيها تباعة .
قال ابن العربي ( وقد قال جماعة إن معناه لو تزيلوا عن بطون النساء وأصلاب الرجال . وهذا ضعيف، لأن من في الصلب أو في البطن لا يوطأ ولا تصيب منه معرة . وهو سبحانه قد صرح فقال : ( ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم ) وذلك لا ينطلق على من في بطن المرأة وصلب الرجال، وإنما ينطبق على مثل الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، وأبي جندل بن سهيل .
وكذلك قال مالك : وقد حاصرنا مدينة الروم فحبس عنها الماء، فكانوا ينزلون الأسارى يستقون لهم الماء، فلا يقدر أحد على رميهم بالنبل، فيحصل لهم الماء بغير اختيارنا .
وقد جوز أبو حنيفة وأصحابه والثوري الرمي في حصون المشركين وإن كان فيهم أسارى من المسلمين وأطفالهم . ولو تترس كافر بولد مسلم رمي المشرك، وإن أصيب أحد من المسلمين فلا دية فيه ولا كفارة .
وقال الثوري : فيه الكفارة ولا دية .
وقال الشافعي بقولنا . وهذا ظاهر ; فإن التوصل إلى المباح بالمحظور لا يجوز سيما بروح المسلم ; فلا قول إلا ما قاله مالك رضي الله عنه . والله أعلم".
قلت : قد يجوز قتل الترس، ولا يكون فيه اختلاف إن شاء الله، وذلك إذا كانت المصلحة ضرورية كلية قطعية. فمعنى كونها ضرورية، أنها لا يحصل الوصول إلى الكفار إلا بقتل الترس. ومعنى أنها كلية، أنها قاطعة لكل الأمة، حتى يحصل من قتل الترس مصلحة كل المسلمين، فإن لم يفعل قتل الكفار الترس واستولوا على كل الأمة . ومعنى كونها قطعية، أن تلك المصلحة حاصلة من قتل الترس قطعاً . قال علماؤنا : وهذه المصلحة بهذه القيود لا ينبغي أن يختلف في اعتبارها ; لأن الفرض أن الترس مقتول قطعاً ; فإما بأيدي العدو فتحصل المفسدة العظيمة التي هي استيلاء العدو على كل المسلمين . وإما بأيدي المسلمين فيهلك العدو وينجو المسلمون أجمعون . ولا يتأتى لعاقل أن يقول : لا يقتل الترس في هذه الصورة بوجه ; لأنه يلزم منه ذهاب الترس والإسلام والمسلمين، لكن لما كانت هذه المصلحة غير خالية من المفسدة، نفرت منها نفس من لم يمعن النظر فيها ; فإن تلك المفسدة بالنسبة إلى ما يحصل منها عدم أو كالعدم . والله أعلم" .
قلت: أما قول ابن العربي رحمه الله عن الشافعي رحمه الله ( وقال الشافعي بقولنا ) فإن كان يقصد تحريم رمي المشركين إذا تترسوا بمسلمين وأظنه يقصد ذلك بدليل ما أورده بعد ذلك حيث قال (وهذا ظاهر ; فإن التوصل إلى المباح بالمحظور لا يجوز ; سيما بروح المسلم فلا قول إلا ما قاله مالك رضي الله عنه ) فقد خالف فيه الصواب فإن الشافعي أباح رمي المشركين إذا اختلط بهم المسلمون سواء تترسوا بهم أم لا كما سيأتي إن شاء الله .
وإن كان قصد أن الشافعي أوجب الدية على من رمى مسلماً وسط المشركين فإن الشافعي رحمه الله فرق في هذه المسألة بين من رمى فأصاب مسلماً وهو لا يعلمه فعليه الكفارة ولا دية وإن كان يعلمه مسلماً ورمى وهو مضطر إلى الرمي فعليه الدية والكفارة . كما سيأتي إن شاء الله .
أما قول القرطبي رحمه الله فقد حاول التوفيق فيه بين إجازة رمي الترس وبين كلام الإمام مالك رحمه الله فوضع شروطاً صعبة لا أظنها تتحقق في الواقع، لأن أحد هذه الشروط أن الكفار إذا لم يُرموا، قتل الكفار الترس واستولوا على كل الأمة ! ! !
ب- القول الثاني في المسألة: وهو جواز رمي الكفار وإن كان فيهم مسلمون، وإذا قتل مسلم فليس على من رمى دية ولا كفارة.
قال أبو بكر الجصاص: (قَالَ أَبُو بَكْرٍ : نَقَلَ أَهْلُ السِّيَرِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاصَرَ أَهْلَ الطَّائِفِ وَرَمَاهُمْ بِالْمَنْجَنِيقِ مَعَ نَهْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ } ، وَقَدْ عَلِمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَدْ يُصِيبُهُمْ وَهُوَ لَا يَجُوزُ تَعَمُّدُهُمْ بِالْقَتْلِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ كَوْنَ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا بَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ لَا يَمْنَعُ رَمْيَهُمْ ؛ إذْ كَانَ الْقَصْدُ فِيهِ الْمُشْرِكِينَ دُونَهُمْ.
وَرَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ قَالَ { : سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَهْلِ الدِّيَارِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ يُبَيَّتُونَ فَيُصَابُ مِنْ ذَرَارِيّهِمْ وَنِسَائِهِمْ ، فَقَالَ هُمْ مِنْهُمْ } .
{ وَبَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَقَالَ : أَغِرْ عَلَى أُبْنَى صَبَاحًا وَحَرِّقْ ، وَكَانَ يَأْمُرُ السَّرَايَا بِأَنْ يَنْتَظِرُوا بِمَنْ يَغْزُو بِهِمْ ، فَإِنْ أَذَّنُوا لِلصَّلَاةِ أَمْسَكُوا عَنْهُمْ ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعُوا أَذَانًا أَغَارُوا } وَعَلَى ذَلِكَ مَضَى الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ أَغَارَ عَلَى هَؤُلَاءِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يُصِيبَ مِنْ ذَرَارِيّهِمْ وَنِسَائِهِمْ الْمَحْظُورِ قَتْلُهُمْ ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ فِيهِمْ مُسْلِمُونَ وَجَبَ أَنْ لَا يَمْنَعَ ذَلِكَ مِنْ شَنِّ الْغَارَةِ عَلَيْهِمْ وَرَمْيِهِمْ بِالنَّشَّابِ وَغَيْرِهِ ، وَإِنْ خِيفَ عَلَيْهِ إصَابَةُ الْمُسْلِمِ.
فَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا جَاءَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ ذَرَارِيَ الْمُشْرِكِينَ مِنْهُمْ ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ قِيلَ لَهُ : لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي ذَرَارِيّهِمْ أَنَّهُمْ مِنْهُمْ فِي الْكُفْرِ ؛ لِأَنَّ الصِّغَارَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا كُفَّارًا فِي الْحَقِيقَةِ وَلَا يَسْتَحِقُّونَ الْقَتْلَ وَلَا الْعُقُوبَةَ لِفِعْلِ آبَائِهِمْ فِي بَابِ سُقُوطِ الدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ .
وَأَمَّا احْتِجَاجُ مِنْ يَحْتَجُّ بِقَوْلِهِ : { وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ } الْآيَةَ ، فِي مَنْعِ رَمْيِ الْكُفَّارِ ؛ لِأَجْلِ مَنْ فِيهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنَّ الْآيَةَ لَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى مَوْضِعِ الْخِلَافِ وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهَا أَنَّ اللَّهَ كَفَّ الْمُسْلِمِينَ عَنْهُمْ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ قَوْمٌ مُسْلِمُونَ لَمْ يَأْمَنْ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ دَخَلُوا مَكَّةَ بِالسَّيْفِ أَنْ يُصِيبُوهُمْ وَذَلِكَ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ تَرْكِ رَمْيِهِمْ وَالْإِقْدَامِ عَلَيْهِمْ ، فَلَا دَلَالَةَ عَلَى حَظْرِ الْإِقْدَامِ عَلَيْهِمْ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ فِيهِمْ مُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يُبِيحَ الْكَفَّ عَنْهُمْ ؛ لِأَجْلِ الْمُسْلِمِينَ وَجَائِزٌ أَيْضًا إبَاحَةُ الْإِقْدَامِ عَلَى وَجْهِ التَّخْيِيرِ ، فَإِذًا لَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى حَظْرِ الْإِقْدَامِ فَإِنْ قِيلَ : فِي فَحَوَى الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْحَظْرِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : { لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ } فَلَوْلَا الْحَظْرُ مَا أَصَابَتْهُمْ مَعَرَّةٌ مِنْ قَتْلِهِمْ بِإِصَابَتِهِمْ إيَّاهُمْ قِيلَ لَهُ : قَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْمَعَرَّةِ هَهُنَا .
فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّهُ غُرْمُ الدِّيَةِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : الْكَفَّارَةُ ، وَقَالَ غَيْرُهُمَا : الْغَمُّ بِاتِّفَاقِ قَتْلِ الْمُسْلِمِ عَلَى يَدِهِ ؛ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ يَغْتَمُّ لِذَلِكَ ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهُ وَقَالَ آخَرُونَ : الْعَيْبُ وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ : " الْمَعَرَّةُ الْإِثْمُ " ، وَهَذَا بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهُ - تَعَالَى - قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ ذَلِكَ لَوْ وَقَعَ كَانَ بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنَّا ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى - : { لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ } ، وَلَا مَأْثَمَ عَلَيْهِ فِيمَا لَمْ يَعْلَمْهُ ، وَلَمْ يَضَعْ اللَّهُ عَلَيْهِ دَلِيلًا ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - : { وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ } فَعَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الْمَأْثَمَ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَانَ خَاصًّا فِي أَهْلِ مَكَّةَ لِحُرْمَةِ الْحَرَمِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ لِلْقَتْلِ إذَا لَجَأَ إلَيْهَا لَمْ يُقْتَلْ عِنْدَنَا ؟ وَكَذَلِكَ الْكَافِرُ الْحَرْبِيُّ إذَا لَجَأَ إلَى الْحَرَمِ لَمْ يُقْتَلْ ، وَإِنَّمَا يُقْتَلُ مَنْ انْتَهَكَ حُرْمَةَ الْحَرَمِ بِالْجِنَايَةِ فِيهِ فَمَنْعُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْإِقْدَامِ عَلَيْهِمْ خُصُوصِيَّةٌ لِحُرْمَةِ الْحَرَمِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ : وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٍ قَدْ عُلِمَ أَنَّهُمْ سَيَكُونُونَ مِنْ أَوْلَادِ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ إذَا لَمْ يُقْتَلُوا فَمَنَعَنَا قَتْلَهُمْ لِمَا فِي مَعْلُومِهِ مِنْ حُدُوثِ أَوْلَادِهِمْ مُسْلِمِينَ .
وَإِذَا كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ إذَا أَبْقَاهُمْ كَانَ لَهُمْ أَوْلَادٌ مُسْلِمُونَ أَبْقَاهُمْ وَلَمْ يَأْمُرْ بِقَتْلِهِمْ وَقَوْلُهُ : { لَوْ تَزَيَّلُوا } عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ ، لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ فِي أَصْلَابِهِمْ قَدْ وَلَدُوهُمْ وَزَايَلُوهُمْ لَقَدْ كَانَ أَمَرَ بِقَتْلِهِمْ ، وَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ جَوَازِ الْإِقْدَامِ عَلَى الْكُفَّارِ مَعَ الْعِلْمِ بِكَوْنِ الْمُسْلِمِينَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ وَجَبَ جَوَازُ مِثْلِهِ إذَا تَتَرَّسُوا بِالْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ فِي الْحَالَيْنِ رَمْيُ الْمُشْرِكِينَ دُونَهُمْ وَمَنْ أُصِيبَ مِنْهُمْ فَلَا دِيَةَ فِيهِ وَلَا كَفَّارَةَ ، كَمَا أَنَّ مَنْ أُصِيبَ بِرَمْيِ حُصُونِ الْكُفَّارِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ فِي الْحِصْنِ لَمْ تَكُنْ فِيهِ دِيَةٌ وَلَا كَفَّارَةٌ وَلِأَنَّهُ قَدْ أُبِيحَ لَنَا الرَّمْي مَعَ الْعِلْمِ بِكَوْنِ الْمُسْلِمِينَ فِي تِلْكَ الْجِهَةِ ، فَصَارُوا فِي الْحُكْمِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أُبِيحَ قَتْلُهُ فَلَا يَجِبُ بِهِ شَيْءٌ ، وَلَيْسَتْ الْمَعَرَّةُ الْمَذْكُورَةُ دِيَةً وَلَا كَفَّارَةً ؛ إذْ لَا دَلَالَةً عَلَيْهِ مِنْ لَفْظِهِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ .
وَالْأَظْهَرُ مِنْهُ مَا يُصِيبُهُ مِنْ الْغَمِّ وَالْحَرَجِ بِاتِّفَاقِ قَتْلِ الْمُؤْمِنِ عَلَى يَدِهِ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِمَّنْ يَتَّفِقُ عَلَى يَدِهِ ذَلِكَ وَقَوْلُ مَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى الْعَيْبِ مُحْتَمَلٌ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يُعَابُ فِي الْعَادَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْعُقُوبَةِ" .
وقال ابن عابدين في حاشيته رد المحتار على الدر المختار . قال صاحب الحاشية:
"( وَنَدْعُو نَدْبًا مَنْ بَلَغَتْهُ إلَّا إذَا تَضَمَّنَ ذَلِكَ ضَرَرًا ) وَلَوْ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ كَأَنْ يَسْتَعِدُّونَ أَوْ يَتَحَصَّنُونَ فَلَا يَفْعَلُ فَتْحٌ ( وَإِلَّا ) يَقْبَلُوا الْجِزْيَةَ ( نَسْتَعِينُ بِاَللَّهِ وَنُحَارِبُهُمْ بِنَصْبِ الْمَجَانِيقِ وَحَرْقِهِمْ وَغَرَقِهِمْ وَقَطْعِ أَشْجَارِهِمْ ) وَلَوْ مُثْمِرَةً وَإِفْسَادِ زُرُوعِهِمْ إلَّا إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ ظَفَرُنَا فَيُكْرَهُ فَتْحٌ ( وَرَمْيِهِمْ ) بِنَبْلٍ وَنَحْوِهِ ( وَإِنْ تَتَرَّسُوا بِبَعْضِنَا ) وَلَوْ تَتَرَّسُوا بِنَبِيٍّ سُئِلَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ( وَنَقْصِدُهُمْ ) أَيْ الْكُفَّارَ ( وَمَا أُصِيبَ مِنْهُمْ ) أَيْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ( لَا دِيَةَ فِيهِ وَلَا كَفَّارَةَ) ؛ لِأَنَّ الْفُرُوضَ لَا تُقْرَنُ بِالْغَرَامَاتِ".
قوله (إلا إذا تضمن ذلك ضرراً) ذكروا هذا الاستثناء في الاستحباب مع إمكانه في الوجوب أيضاً ط زاد في شرح الملتقى عن المحيط أن يطمع فيهم ما يدعوهم إليه ط (قوله كأن يستعدون الخ) المناسب إسقاط النون لأنه منصوب بأن المصدرية (قوله بنصب المجانيق) أي على حصونهم لأنه عليه الصلاة والسلام نصبها على الطائف. رواه الترمذي. نهر وهو جمع منجنيق بفتح الميم عند الأكثر وإسكان النون الأولى وكسر الثانية فارسية معربة تذكر وتأنيثها أحسن، هي آلة ترمى بها الحجارة الكبار، قلت وقد تركت اليوم للاستغناء عنها بالمدافع الحادثة (قوله وحرقهم) أراد حرق دورهم وأمتعتهم، قال العيني: والظاهر أن المراد حرق ذاتهم بالمجانيق وإذا جازت محاربتهم بحرقهم فمالهم أولى نهر، وقوله بالمجانيق أي برمي النار بها عليهم لكن جواز التحريق والتغريق مقيد كما في شرح السير بما إذا لم يتمكنوا من الظفر بهم بدون ذلك بلا مشقة عظيمة فإن تمكنوا بدونها فلا يجوز لأن فيه هلاك أطفالهم ونساءهم ومن عندهم من المسلمين (قوله إلا إذا غلب الخ) كذا قيد في الفتح إطلاق المتون وتبعه في البحر والنهر وعلله بأنه فساد في غير محل الحاجة وما أبيح إلا لها ولا يخفى حسنه لأن المقصود كسر شوكتهم وإلحاق الغيظ بهم فإذا غلب الظن بحدوث ذلك بلا إتلاف وأنه يصير لنا لا نتلفه (قوله ونحوه) كرصاص وقد استغنى به عن النبل في زماننا (قوله سئل ذلك النبي) كذا نقله في النهر عن أبي الليث أي بأن نقول له هل نرمي أم لا ونعمل بقوله ولم يذكر إذا لم يمكن سؤاله (قوله وما أصيب منهم) أي إذا قصدنا الكفار بالرمي وأصبنا أحدا من المسلمين الذين تترس الكفار بهم لا نضمنه، وذكر السرخسي أن القول للرامي بيمينه في أنه قصد الكفار لا لولي المسلم المقتول أنه تعمد قتله (قوله لأن الفروض لا تقرن بالغرامات) أي كما لو مات المحدود بالجلد أو القطع" .
وقال ابن الهمام الحنفي رحمه الله:
" ( قَوْلُهُ وَلَا بَأْسَ بِرَمْيِهِمْ وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مُسْلِمٌ أَسِيرٌ أَوْ تَاجِرٌ ) بَلْ وَلَوْ تَتَرَّسُوا بِأُسَارَى الْمُسْلِمِينَ وَصِبْيَانِهِمْ سَوَاءٌ عَلِمَ أَنَّهُمْ إنْ كَفُّوا عَنْ رَمْيِهِمْ انْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ أَوْ لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ لَا يُقْصَدُ بِرَمْيِهِمْ إلَّا الْكُفَّارُ" .
وبالإضافة للأحناف فقد أجاز بعض متأخري المالكية، رمي الأعداء إن تترسوا بمسلم ولكن لا يقصد الترس، فإن خيف على أكثر الجيش قصد الترس، وقالوا: وإن كان الجيش عدده أقل من الترس. وتساهلوا في اشتراط القرطبي الخوف على كل المسلمين بأن قالوا أن المسلمين هنا هم جماعة الجيش. أي على قولهم لو كان المتترس بهم مثلاً خمسمائة والجيش ثلاثمائة، وخيف على أكثر الجيش، فيجوز قصد الترس. قال الدسوقي في حاشيته على الشرح الكبير:
"( قَوْلُهُ : وَإِنْ تَتَرَّسُوا بِمُسْلِمٍ قُوتِلُوا ) أَيْ ، وَأَوْلَى إذَا تَتَرَّسُوا بِأَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ فَيُقَاتَلُونَ ، وَلَا يُتْرَكُونَ وَيَنْبَغِي ضَمَانُ قِيمَتِهِ عَلَى مَنْ رَمَاهُمْ قِيَاسًا عَلَى مَا يُرْمَى مِنْ السَّفِينَةِ لِلنَّجَاةِ مِنْ الْغَرَقِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا إتْلَافُ مَالٍ لِلنَّجَاةِ قَالَهُ شَيْخُنَا ( قَوْلُهُ : وَإِنْ خِفْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا ) أَيْ جِنْسِ أَنْفُسِنَا الْمُتَحَقِّقُ فِي بَعْضِ الْجَيْشِ ( قَوْلُهُ : إنْ لَمْ يُخَفْ عَلَى أَكْثَرِ الْمُسْلِمِينَ ) هَذَا شَرْطٌ فِي عَدَمِ قَصْدِ التُّرْسِ أَيْ أَنَّ مَحَلَّ كَوْنِهِمْ إذَا تَتَرَّسُوا بِمُسْلِمٍ يُقَاتَلُونَ وَلَا يُقْصَدُ التُّرْسُ إذَا لَمْ يُخَفْ عَلَى أَكْثَرِ الْمُسْلِمِينَ أَيْ بِأَنْ لَمْ يُخَفْ عَلَيْهِمْ أَصْلًا أَوْ خِيفَ عَلَى أَقَلِّ الْمُسْلِمِينَ أَوْ عَلَى نِصْفِهِمْ فَإِنْ خِيفَ عَلَى أَكْثَرِهِمْ جَازَ رَمْيُ التُّرْسِ وَالْمُرَادُ بِالْمُسْلِمِينَ هُنَا جَمَاعَةُ الْجَيْشِ الْمُقَاتِلِينَ لِلْكُفَّارِ دُونَ الْمُتَتَرَّسِ بِهِمْ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا خِيفَ عَلَى أَكْثَرِ الْجَيْشِ يَجُوزُ أَنْ يُرْمَى التُّرْسُ ، وَلَوْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ الْمُتَتَرَّسُ بِهِمْ أَكْثَرَ مِنْ الْمُجَاهِدِينَ " .
ج- القول الثالث في المسألة : جواز رمي الكفار ومن اختلط بهم من المسلمين ومن نهي عن قتلهم من الكفار مع التفصيل .
قال الشافعي رحمه الله :
"فإن قال قائل كيف أجزت الرمي بالمنجنيق وبالنار على جماعة المشركين فيهم الولدان والنساء وهم منهي عن قتلهم؟ قيل أجزنا بما وصفنا وبأن النبي صلى الله عليه وسلم شن الغارة على بني المصطلق غارين وأمر بالبيات وبالتحريق والعلم يحيط أن فيهم الولدان والنساء وذلك أن الدار دار شرك غير ممنوعة.
وإنما نهى أن تقصد النساء والوالدان بالقتل إذا كان قاتلهم يعرفهم بأعيانهم للخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم وأن النبي صلى الله عليه وسلم سباهم فجعلهم مالا وقد كتب هذا قبل هذا فإن كان في الدار أسارى من المسلمين أو تجار مستأمنون كرهت النصب عليهم بما يعم من التحريق والتغريق وما أشبه غير محرم له تحريما بينا وذلك أن الدار إذا كانت مباحة فلا يبين أن تحرم بأن يكون فيها مسلم يحرم دمه وإنما كرهت ذلك احتياطا ولان مباحا لنا لو لم يكن فيها مسلم أن نجاوزها فلا نقاتلها وإن قاتلناها قاتلناها بغير ما يعم من التحريق والتغريق ولكن لو التحم المسلمون أو بعضهم، فكان الذي يرون أنه ينكأ من التحمهم يغرقوه أو يحرقوه كان ذلك رأيت لهم أن يفعلوا ذلك ولم أكرهه لهم بأنهم مأجورون أجرين أحدهما الدفع عن أنفسهم والآخر نكاية عدوهم غير ملتحمين فتترسوا بأطفال المشركين فقد قيل لا يتوقون ويضرب المتترس منهم ولا يعمد الطفل وقد قيل يكف عن المتترس به ولو تترسوا بمسلم رأيت أن يكف عمن تترسوا به إلا أن يكون المسلمون ملتحمين فلا يكف عن المتترس ويضرب المشرك ويتوقى المسلم جهده فإن أصاب في شئ من هذه الحالات مسلما أعتق رقبة" .
وقال أيضاً رحمه الله : "ولو رمى في بلاد الحرب فأصاب مسلماً مستأمناً أو أسيراً أو كافراً أسلم فلم يقصد قصده بالرمية ولم يره فعليه تحرير رقبة ولا دية له وإن رآه وعرف مكانه ورمى وهو مضطر إلى الرمي فقتله فعليه دية وكفارة وإن كان عمده وهو يعرفه مسلماً فعليه القصاص إذا رماه بغير ضرورة ولا خطأ وعمد قتله فإن تترس به مشرك وهو يعلمه مسلماً وقد التحم فرأى أنه لا ينجيه إلا ضربة المسلم فضربه يريد قتل المشرك فإن أصابه درأنا عنه القصاص وجعلنا عليه الدية وهذا كله إذا كان في بلاد المشركين أو صفهم فأما إذا انفرج عن المشركين فكان بين صف المسلمين والمشركين فذلك موضع يجوز أن يكون فيه المسلم والمشرك فإن قتل رجل رجلاً وقال ظننته مشركاً فوجدته مسلماً فهذا من الخطأ وفيه العقل فإن اتهمه أولياؤه أحلف لهم ما علمه مسلماً فقتله" .
وقال أيضاً رحمه الله : في العدو يغلقون الحصون على النساء والأطفال والأسرى هل ترمى الحصون بالمنجنيق؟
قال : "إذا كان في حصن المشركين نساء وأطفال وأسرى مسلمون فلا بأس بأن ينصب المنجنيق على الحصن دون البيوت التي فيها الساكن ألا أن يلتحم المسلمون قريباً من الحصن فلا بأس أن ترمى بيوته وجدرانه فإذا كان في الحصن مقاتلة محصنون رميت البيوت والحصون، وإذا ترسوا بالصبيان المسلمين أو غير المسلمين والمسلمون ملتحمون فلا بأس أن يعمدوا المقاتلة دون المسلمين والصبيان وإن كانوا غير ملتحمين أحببت له الكف عنهم حتى يقاتلوهم غير متترسين، وهكذا إن أبرزوهم فقالوا إن رميتمونا وقاتلتمونا قاتلناهم، والنفط والنار مثل المنجنيق وكذلك الماء والدخان" .
وقال ابن تيمية رحمه الله : ( وقد اتفق العلماء على أن جيش الكفار إذا تترسوا بمن عندهم من أسرى المسلمين، وخيف على المسلمين إذا لم يقاتلوا، فإنهم يقاتلون ; وإن أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم . وإن لم يخف على المسلمين ففي جواز القتال المفضي إلى قتل هؤلاء المسلمين قولان مشهوران للعلماء . وهؤلاء المسلمون إذ قتلوا كانوا شهداء، ولا يترك الجهاد الواجب لأجل من يقتل شهيداً . فإن المسلمين إذا قاتلوا الكفار فمن قتل من المسلمين يكون شهيداً، ومن قتل وهو في الباطن لا يستحق القتل لأجل مصلحة الإسلام كان شهيداً. وقد ثبت في الصحيحين عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال : ( يغزو هذا البيت جيش من الناس، فبينما هم ببيداء من الأرض إذ خسف بهم . فقيل يا رسول الله وفيهم المكره . فقال : يبعثون على نياتهم ) فإذا كان العذاب الذي ينزله الله بالجيش الذي يغزو المسلمين ينزله بالمكره، فكيف بالعذاب الذي يعذبهم الله به أو بأيدي المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين، ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا﴾" .
وأشار شيخ الإسلام أيضاً إلى جواز قتل الترس في مسألة : لو ضاق المال عن الجهاد وإطعام الجياع فقال رحمه الله :
"( قال أبو العباس ) سئلت عمن عليه دين وله ما يوفيه وقد تعين الجهاد فقلت من الواجبات ما يقدم على وفاء الدين كنفقة النفس والزوجة والولد الفقير ومنها ما يقدم وفاء الدين عليه كالعبادات من الحج والكفارات ومنها ما يقدم عليه إلا إذا طولب به كصدقة الفطر فإن كان الجهاد المتعين لدفع الضرر كما إذا حضره العدو أو حضر الصف قدم على وفاء الدين كالنفقة وأولى وإن كان استنفار فقضاء الدين أولى إذ الإمام لا ينبغي له استنفار المدين مع الاستغناء عنه ولذلك قلت لو ضاق المال عن إطعام جياع والجهاد الذي يتضرر بتركه قدمنا الجهاد وإن مات الجياع كما في مسألة التترس وأولى فإن هناك نقتلهم بفعلنا وهنا يموتون بفعل الله" .
وقال ابن قدامة الحنبلي رحمه الله :
" (فصل) وكذلك الحكم في فتح البثوق عليهم ليغرقهم إن قدر عليهم بغيره لم يجز . إذا تضمن ذلك إتلاف النساء والذرية الذين يحرم إتلافهم قصداً، وإن لم يقدر عليهم إلا به جاز كما يجوز البيات المتضمن لذلك، ويجوز نصب المنجنيق عليهم وظاهر كلام أحمد جوازه مع الحاجة وعدمها لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- نصب المنجنيق على أهل الطائف، وممن رأى ذلك الثوري والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي قال ابن المنذر جاء الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه نصب المنجنيق على أهل الطائف، وعن عمرو ابن العاص أنه نصب المنجنيق على أهل الإسكندرية 0 ولأن القتال به معتاد فأشبه الرمي بالسهام" .
وقال أيضاً رحمه الله :
" ( 7577 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَتَرَّسُوا فِي الْحَرْبِ بِنِسَائِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ ، جَازَ رَمْيُهُمْ ، وَيَقْصِدُ الْمُقَاتِلَةَ ؛ { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَمَاهُمْ بِالْمَنْجَنِيقِ وَمَعَهُمْ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ } ، وَلِأَنَّ كَفَّ الْمُسْلِمِينَ عَنْهُمْ يُفْضِي إلَى تَعْطِيلِ الْجِهَادِ ، لِأَنَّهُمْ مَتَى عَلِمُوا ذَلِكَ تَتَرَّسُوا بِهِمْ عِنْدَ خَوْفِهِمْ فَيَنْقَطِعُ الْجِهَادُ .
وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْحَرْبُ مُلْتَحِمَةً أَوْ غَيْرَ مُلْتَحِمَةٍ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَتَحَيَّنُ بِالرَّمْيِ حَالَ الْتِحَامِ الْحَرْبِ" .
وقال أيضاً رحمه الله :
"(فصل) وإن تترسوا بمسلم ولم تدع حاجة إلى رميهم لكون الحرب غير قائمة أو لإمكان القدرة عليهم بدونه أو للأمن من شرهم لم يجز رميهم، فإن رماهم فأصاب مسلماً فعليه ضمانه، وإن دعت الحاجة إلى رميهم للخوف على المسلمين جاز رميهم لأنها حال ضرورة ويقصد الكفار، وإن لم يخف على المسلمين لكن لم يقدر عليهم إلا بالرمي فقال الأوزاعي والليث لا يجوز رميهم لقول الله تعالى : ( ولولا رجال مؤمنون ) الآية قال الليث ترك فتح حصن قدر على فتحه أفضل من قتل مسلم بغير حق . وقال الأوزاعي : كيف يرمون من لا يرونه؟ إنما يرمون أطفال المسلمين، وقال القاضي والشافعي يجوز رميهم إذا كانت الحرب قائمة لأن تركه يفضي إلى تعطيل الجهاد فعلى هذا إن قتل مسلماً فعليه كفارة وفي الدية على عاقلته روايتان .
إحداهما : يجب لأنه قتل مؤمناً خطأ فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله﴾.
والثانية : لا دية لأنه قتل في دار الحرب برمي مباح فيدخل في عموم قوله تعالى ( وإن كان من قومٍ عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة ) ولم يذكر دية .
وقال أبو حنيفة لا دية ولا كفارة فيه لأنه رمي أبيح مع العلم بحقيقة الحال فلم يوجب شيئاً كرمي من أبيح دمه.
ولنا : الآية المذكورة وأنه قتل معصوماً بالإيمان والقاتل من أهل الضمان فأشبه لو لم يتترس به" .
2- الخلاصة : والآن بعد أن سردنا ما تيسر لنا من أقوال العلماء من المذاهب المختلفة في مسألة رمي الكفار إذا اختلطوا أو تترسوا بالمسلمين أو بمن لا يجوز قتلهم من النساء والصبيان أو الذميين أو المستأمنين .
نلخص المسألة فنقول :
(1) افترقت أقوال الفقهاء إلى ثلاثة أقول : -
أ - المنع : وهو المحكي عن مالك والأوزاعي.
ب- الجواز مطلقاً وسقوط الدية والكفارة : وهو قول الأحناف ومن وافقهم من متأخري المالكية .
جـ- التفصيل : وهو قول الشافعية والحنابلة حيث لم يمنعوا الرمي طالما كانت هناك ضرورة أو حاجة للمسلمين ولا يقصد المسلمون بالرمي إلا في حالة الضرورة لأن تركه يفضي إلى تعطيل الجهاد، واختلفوا فيمن يقتل من المسلمين هل ليس على قاتله شيء أم على قاتله الدية مع الكفارة أم الكفارة فقط كما ذكرنا .والله أعلم.











الفصل التاسع
البيات والقتال بما يعم إتلافه
1- أجازت الشريعة للمسلمين أن يغيروا على أعدائهم ليلاً إذا احتاجوا إلى ذلك، مع أن هذه الإغارة لا يتميز فيها الطفل والمرأة اللذان لا يقاتلان عن غيرهما من أهل القتال.
أ- عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: مَرَّ بِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ وَسُئِلَ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ يُبَيَّتُونَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ قَالَ: "هُمْ مِنْهُمْ". وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "لَا حِمَى إِلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ". صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قال ابن حجر رحمه الله:
"وَمَعْنَى الْبَيَات الْمُرَاد فِي الْحَدِيث أَنْ يُغَار عَلَى الْكُفَّار بِاللَّيْلِ بِحَيْثُ لَا يُمَيَّز بَيْن أَفْرَادهمْ .
.............
قَوْله : ( هُمْ مِنْهُمْ )
أَيْ فِي الْحُكْم تِلْكَ الْحَالَة ، وَلَيْسَ الْمُرَاد إِبَاحَة قَتْلهمْ بِطَرِيقِ الْقَصْد إِلَيْهِمْ ، بَلْ الْمُرَاد إِذَا لَمْ يُمْكِن الْوُصُول إِلَى الْآبَاء إِلَّا بِوَطْءِ الذُّرِّيَّة فَإِذَا أُصِيبُوا لِاخْتِلَاطِهِمْ بِهِمْ جَازَ قَتْلهمْ" .
قال النووي رحمه الله:
"وَتَقْدِيره : سُئِلَ عَنْ حُكْم صِبْيَان الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَبِيتُونَ فَيُصَاب مِنْ نِسَائِهِمْ وَصِبْيَانهمْ بِالْقَتْلِ ، فَقَالَ : هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ أَيْ لَا بَأْس بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ أَحْكَام آبَائِهِمْ جَارِيَة عَلَيْهِمْ فِي الْمِيرَاث وَفِي النِّكَاح وَفِي الْقِصَاص وَالدِّيَات وَغَيْر ذَلِكَ ، وَالْمُرَاد إِذَا لَمْ يَتَعَمَّدُوا مِنْ غَيْر ضَرُورَة .
وَأَمَّا الْحَدِيث السَّابِق فِي النَّهْي عَنْ قَتْل النِّسَاء وَالصِّبْيَان ، فَالْمُرَاد بِهِ إِذَا تَمَيَّزُوا ، وَهَذَا الْحَدِيث الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ جَوَاز بَيَاتهمْ وَقَتْل النِّسَاء وَالصِّبْيَان فِي الْبَيَات ، هُوَ مَذْهَبنَا وَمَذْهَب مَالِك وَأَبِي حَنِيفَة وَالْجُمْهُور .
وَمَعْنَى ( الْبَيَات ، ويُبَيَّتون )
أَنْ يُغَار عَلَيْهِمْ بِاللَّيْلِ بِحَيْثُ لَا يُعْرَف الرَّجُل مِنْ الْمَرْأَة وَالصَّبِيّ .
وَأَمَّا ( الذَّرَارِيّ )
فَبِتَشْدِيدِ الْيَاء وَتَخْفِيفهَا لُغَتَانِ ، التَّشْدِيد أَفْصَح وَأَشْهَر ، وَالْمُرَاد بِالذَّرَارِيِّ هُنَا النِّسَاء الصِّبْيَان.
وَفِي هَذَا الْحَدِيث : دَلِيل لِجَوَازِ الْبَيَات ، وَجَوَاز الْإِغَارَة عَلَى مَنْ بَلَغَتْهُمْ الدَّعْوَة مِنْ غَيْر إِعْلَامهمْ بِذَلِكَ" .
وقول النووي رحمه الله: " إِذَا لَمْ يَتَعَمَّدُوا مِنْ غَيْر ضَرُورَة ". يفيد جواز تبييتهم عند الضرورة.
ب- وعن سلمة بن الأكوع -رضي الله عنه- قال:
"كَانَ شِعَارُنَا لَيْلَةَ بَيَّتْنَا فِي هَوَازِنَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَأَمَّرَهُ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمِتْ أَمِتْ وَقَتَّلْتُ بِيَدَيَّ لَيْلَتَئِذٍ سَبْعَةً أَهْلَ أَبْيَاتٍ" .
ج- وقال الإمام الجصاص رحمه الله:
"وَبَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَقَالَ : أَغِرْ عَلَى أُبْنَى صَبَاحًا وَحَرِّقْ ، وَكَانَ يَأْمُرُ السَّرَايَا بِأَنْ يَنْتَظِرُوا بِمَنْ يَغْزُو بِهِمْ ، فَإِنْ أَذَّنُوا لِلصَّلَاةِ أَمْسَكُوا عَنْهُمْ ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعُوا أَذَانًا أَغَارُوا وَعَلَى ذَلِكَ مَضَى الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ أَغَارَ عَلَى هَؤُلَاءِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يُصِيبَ مِنْ ذَرَارِيّهِمْ وَنِسَائِهِمْ الْمَحْظُورِ قَتْلُهُمْ ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ فِيهِمْ مُسْلِمُونَ وَجَبَ أَنْ لَا يَمْنَعَ ذَلِكَ مِنْ شَنِّ الْغَارَةِ عَلَيْهِمْ وَرَمْيِهِمْ بِالنَّشَّابِ وَغَيْرِهِ ، وَإِنْ خِيفَ عَلَيْهِ إصَابَةُ الْمُسْلِمِ" .
د- وقال الإمام الكاساني رحمه الله:
"وَلَا بَأْسَ بِالْإِغَارَةِ وَالْبَيَاتِ عَلَيْهِمْ" .
هـ- وقال ابن قدامة المقدسي رحمه الله:
"فَصْلٌ : وَيَجُوزُ تَبْيِيتُ الْكُفَّارِ ، وَهُوَ كَبْسُهم لَيْلًا ، وَقَتْلُهُمْ وَهُمْ غَارُّونَ .
قَالَ أَحْمَدُ : لَا بَأْسَ بِالْبَيَاتِ ، وَهَلْ غَزْوُ الرُّومِ إلَّا الْبَيَاتُ ، قَالَ : وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا كَرِهَ بَيَاتَ الْعَدُوِّ .
وَقَرَأَ عَلَيْهِ: سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ.
قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْأَلُ عَنْ الدِّيَارِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ، نُبَيِّتُهُمْ فَنُصِيبُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ ؟ فَقَالَ : " هُمْ مِنْهُمْ ".
فَقَالَ : إسْنَادٌ جَيِّدٌ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ .
قُلْنَا : هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى التَّعَمُّدِ لِقَتْلِهِمْ .
قَالَ أَحْمَدُ : أَمَّا أَنْ يَتَعَمَّدَ قَتْلَهُمْ ، فَلَا ." .
و- وقال الإمام الشيرازي رحمه الله:
"فصل: وإن نصب عليهم منجنيقاً أوبيتهم ليلاً وفيهم نساء وأطفال: جاز لما روى علي -كرم الله وجهه- أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نصب المنجنيق على أهل الطائف وإن كانت لا تخلو من النساء والأطفال)، وروى الصعب بن جثامة، قال: سألت النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الذراري من المشركين يبيتون؛ فيصاب من نسائهم وذراريهم؟ فقال: "هم منهم". ولأن الكفار لا يخلون من النساء والأطفال، فلو تركنا رميهم لأجل النساء والأطفال بطل الجهاد" .
2- القتال بما يعم إتلافه:
كذلك أجازت الشريعة رمي الكفار بما يعم إتلافه من تحريق وتغريق ومنجنيق، وقد مر بنا قول ابن عابدين رحمه الله عن المنجنيق: " هي آلة ترمى بها الحجارة الكبار، قلت وقد تركت اليوم للاستغناء عنها بالمدافع الحادثة" . أي جواز القصف المدفعي لحاجة الجهاد أو ضرورته.
وقال الأمير الصنعاني رحمه الله:
"وَعَنْ مَكْحُولٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِف } .
أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، وَوَصَلَهُ الْعُقَيْلِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
......................
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُ الْكُفَّارِ إذَا تَحَصَّنُوا بِالْمَنْجَنِيقِ وَيُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنْ الْمَدَافِعِ وَنَحْوِهَا" .
وقال الشيخ حسين عمر بن محفوظ:
"ويقاس على المنجنيق غيره من الأسلحة الثقيلة كالمدافع والدبابات والهجوم بالطائرات الحربية" .
قال الإمام النووي رحمه الله:
"3284 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ قَالَا أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ و حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَعَ وَهِيَ الْبُوَيْرَةُ زَادَ قُتَيْبَةُ وَابْنُ رُمْحٍ فِي حَدِيثِهِمَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ
{ مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ }
.................
وَفِي هَذَا الْحَدِيث : جَوَاز قَطْع شَجَر الْكُفَّار وَإِحْرَاقه ، وَبِهِ قَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم وَنَافِع مَوْلَى اِبْن عُمَر وَمَالك وَالثَّوْرِيّ وَأَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَالْجُمْهُور ، وَقَالَ أَبُو بَكْر الصِّدِّيق وَاللَّيْث بْن سَعْد وَأَبُو ثَوْر وَالْأَوْزَاعِيُّ - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - فِي رِوَايَة عَنْهُمْ : لَا يَجُوز" .
وقال الإمام الكاساني رحمه الله:
" وَلَا بَأْسَ بِقَطْعِ أَشْجَارِهِمْ الْمُثْمِرَةِ ، وَغَيْرِ الْمُثْمِرَةِ ، وَإِفْسَادِ زُرُوعِهِمْ ؛ لِقَوْلِهِ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - { مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ } أَذِنَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - بِقَطْعِ النَّخِيلِ فِي صَدْرِ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ ، وَنَبَّهَ فِي آخِرِهَا أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ كَبْتًا وَغَيْظًا لِلْعَدُوِّ بِقَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ}.
وَلَا بَأْسَ بِإِحْرَاقِ حُصُونِهِمْ بِالنَّارِ ، وَإِغْرَاقِهَا بِالْمَاءِ ، وَتَخْرِيبِهَا وَهَدْمِهَا عَلَيْهِمْ ، وَنَصْبِ الْمَنْجَنِيقِ عَلَيْهَا ؛ لِقَوْلِهِ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى { يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ } وَلِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْقِتَالِ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ قَهْرِ الْعَدُوِّ وَكَبْتِهِمْ وَغَيْظِهِمْ ، وَلِأَنَّ حُرْمَةَ الْأَمْوَالِ ؛ لِحُرْمَةِ أَرْبَابِهَا ، وَلَا حُرْمَةَ لِأَنْفُسِهِمْ حَتَّى يُقْتَلُونَ ، فَكَيْفَ لِأَمْوَالِهِمْ؟ وَلَا بَأْسَ بِرَمْيِهِمْ بِالنِّبَالِ ، وَإِنْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ مُسْلِمِينَ مِنْ الْأَسَارَى وَالتُّجَّارِ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرُورَةِ ، إذْ حُصُونُ الْكَفَرَةِ قَلَّمَا تَخْلُو مِنْ مُسْلِمٍ أَسِيرٍ ، أَوْ تَاجِرٍ فَاعْتِبَارُهُ يُؤَدِّي إلَى انْسِدَادِ بَابِ الْجِهَادِ ، وَلَكِنْ يَقْصِدُونِ بِذَلِكَ الْكَفَرَةَ دُونَ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ فِي الْقَصْدِ إلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ .
وَكَذَا إذَا تَتَرَّسُوا بِأَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا بَأْسَ بِالرَّمْيِ إلَيْهِمْ ؛ لِضَرُورَةِ إقَامَةِ الْفَرْضِ ، لَكِنَّهُمْ يَقْصِدُونَ الْكُفَّارَ دُونَ الْأَطْفَالِ ، فَإِنْ رَمَوْهُمْ فَأَصَابَ مُسْلِمًا فَلَا دِيَةَ وَلَا كَفَّارَةَ" .
وقال أبو البركات الدرير رحمه الله:
"قوله (بقطع ماء) عنهم أو عليهم حتى يغرقوا (وآلة) كسيف ورمح ومنجنيق ولو فيهم النساء والصبيان (وبنار إن لم يمكن غيرها) وقد خيف منهم (ولم يكن فيهم مسلم) فإن أمكن غيرها أو كان فيهم مسلم لم يحرقوا بها ويجوز قتلهم بها بالشرطين" .
3- الخلاصة:
أباحت الشريعة قتال الكفار بالبيات وهو الإغارة الليلية التي لا يتميز فيها المقاتل من غيره وبما يعم إتلافه، بما في ذلك القصف المدفعي، لحاجة الجهاد أو ضرورته، وأن ترك ذلك لأجل الخوف على من لا يحل قتله يؤدي لتعطيل الجهاد.
































الفصل العاشر
المعاملة بالمثل
كما رأينا في الفصل الثامن والتاسع أن جمهور الفقهاء يجيزون رمي الكفار بما يعم إتلافه وتبييتهم لحاجة الجهاد أو لضرورته، وإن أدى ذلك لقتل من لا يجوز قتله. وهذا الفصل يبحث بإيجاز معاملة الكفار بالمثل.
1- أقرت الشريعة قاعدة التعامل بالمثل في استيفاء الحقوق ومن أدلة ذلك:
أ- قول الله تعالى فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم وقوله والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ، وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين ، ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ، إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم ، ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور وقوله ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ {126} وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾.
وهذه الآيات عامة في كل شيء ، وأسباب نزولها لا تخصصها ، لأن القاعدة الشرعية تقول ( العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ).
قال الإمام القرطبي رحمه الله:
"واختلف العلماء فيمن استهلك أو أفسد شيئا من الحيوان أو العروض التي لا تكال ولا توزن، فقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما وجماعة من العلماء: عليه في ذلك المثل، ولا يعدل إلى القيمة إلا عند عدم المثل، لقوله تعالى: " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " وقوله تعالى: " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به "[ النحل: 126 ].
قالوا: وهذا عموم في جميع الأشياء كلها، وعضدوا هذا بأن النبي صلى الله عليه وسلم حبس القصعة المكسورة في بيت التي كسرتها ودفع الصحيحة وقال: (إناء بإناء وطعام بطعام) خرجه أبو داود
...............
قال مالك: وأصحابه: عليه في الحيوان والعروض التي لا تكال ولا توزن القيمة لا المثل
.............
لا خلاف بين العلماء أن هذه الاية أصل في المماثلة في القصاص، فمن قتل بشئ قتل بمثل ما قتل به، وهو قول الجمهور، ما لم يقتله بفسق كاللوطية وإسقاء الخمر فيقتل بالسيف.
وللشافعية قول: إنه يقتل بذلك، فيتخذ عود على تلك الصفة ويطعن به في دبره حتى يموت، ويسقى عن الخمر ماء حتى يموت.
وقال ابن الماجشون: إن من قتل بالنار أو بالسم لا يقتل به، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يعذب بالنار، إلا الله). والسم نار باطنة. وذهب الجمهور إلى أنه يقتل بذلك، لعموم الآية.
...........................
وأما النهي عن المثلة فنقول أيضا بموجبها إذا لم يمثل، فإذا مثل مثلنا به، يدل على ذلك حديث العرنيين، وهو صحيح أخرجه الأئمة" .
وقال النووي رحمه الله:
" في المهذب 2/186 فصل إذا قتل بالسيف لم يقتص منه إلا بالسيف لقوله تعالى  فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم  ولأن السيف أرجى الآلات فإذا قتل به واقتص بغيره أخذ فوق حقه لأن حقه في القتل ، وقد قتل وعذب فإن أحرقه أو غرقه أو رماه بحجر أو رماه من شاهق أو ضربه بخشب أو حبسه ومنعه الطعام والشراب فمات فللولي أن يقتص بذلك لقوله تعالى  وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به  ولما روى البراء رضي الله عنه أن النبي  قال ( من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه ) ولأن القصاص موضوع على المماثلة والمماثلة ممكنة بهذه الأسباب فجاز أن يستوفى بها القصاص وله أن يقتص منه بالسيف لأنه قد وجب له القتل والتعذيب فإذا عدل إلى السيف فقد ترك بعض حقه فجاز " .
قال الشيخ حسين عمر بن محفوظ في رد شبهات المعترضين على أحداث سبتمبر، بعد أن تكلم عن المماثلة في القصاص بين المسلمين:
"إذا كان هذا في إيجاب القصاص بين المسلمين واستيفاء المماثلة والمساواة فيه، فلأن يكون في حق الكفار من باب أولى، فلنا أن نعاقبهم بمثل ما عاقبونا به وأن نفعل بهم مثل ما فعلوه بنا بمقتضى التنزيل" . وهو ما سنفصله في الفقرة التالية.
ب- أباحت الشريعة للمسلمين أن يعاملوا الكفار بمثل ما يعاملونهم به.
قال الشيخ حمود العقلا رحمه الله في فتواه عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر:
" علما بأنه يجوز لنا أن نفعل بالكفار بمثل ما فعلوا بنا ، وهذا فيه رد وتبيين لمن ردد كلمة الأبرياء ، فإن الله سبحانه وتعالى أباح لنا ذلك ، ومن النصوص التي تدل على ذلك قوله تعالى ( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ) وقال تعالى ( والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون وجزاء سيئة سيئة مثلها)".
وقال الشيخ ناصر بن حمد الفهد فك الله أسره، وهو يتحدث عن الأدلة على جواز استخدام أسلحة الدمار الشامل:
"القسم الأول: أدلة خاصة لعصر معين ولعدو معين
وذلك مثل حال أمريكا في هذا الزمن؛ فإن مسألة ضربها بهذه الأسلحة جائز بدون ذكر أدلة القسم الثاني التالية (أدلة المشروعية العامة)؛ لأن الله سبحانه يقول: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾، ويقول تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾، ويقول تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾، والناظر في اعتداءات أمريكا على المسلمين وأراضيهم خلال العقود الماضية يخلص إلى جواز ذلك بالاستناد إلى باب (المعاملة بالمثل) فقط؛ بدون حاجة إلى ذكر الأدلة الأخرى، وقد جمع بعض الإخوة عدد قتلاهم من المسلمين بأسلحتهم المباشرة وغير المباشرة فوصل العدد إلى قريب من عشرة ملايين، وأما الأراضي التي أحرقتها قنابلهم ومتفجراتهم وصواريخهم فلا يحصيها إلا الله، وآخر ما عايناه ما حصل في أفغانستان والعراق، وهذا غير ما سببت حروبهم على كثير من المسلمين من التشرد، فلو ألقيت عليهم قنبلة تهلك منهم عشرة ملايين، وتحرق من أراضيهم قدر ما أحرقوا من أراضي المسلمين كان هذا جائزا بلا حاجة إلى ذكر أي دليل آخر، وإنما الأدلة الأخرى قد نحتاجها لو أردنا أن نهلك منهم أكثر من هذا العدد!".
ومن أمثلة معاملة الكفار بالمثل:
(1) نهت الشريعة عن المثلة، ولكن أجازتها إذا مثل الكفار بالمسلمين.
يقول ابن تيمية رحمه الله:
"فَأَمَّا التَّمْثِيلُ فِي الْقَتْلِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْقِصَاصِ وَقَدْ قَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: "مَا خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُطْبَةً إلَّا أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ وَنَهَانَا عَنْ الْمُثْلَةِ". حَتَّى الْكُفَّارُ إذَا قَتَلْنَاهُمْ فَإِنَّا لَا نُمَثِّلُ بِهِمْ بَعْدَ الْقَتْلِ وَلَا نَجْدَعُ آذَانَهُمْ وَأُنُوفَهُمْ وَلَا نَبْقُرُ بُطُونَهُمْ إلَّا إنْ يَكُونُوا فَعَلُوا ذَلِكَ بِنَا فَنَفْعَلُ بِهِمْ مِثْلَ مَا فَعَلُوا. وَالتَّرْكُ أَفْضَلُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ } { وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إلَّا بِاللَّهِ } قِيلَ إنَّهَا نَزَلَتْ لِمَا مَثَّلَ الْمُشْرِكُونَ بِحَمْزَةِ وَغَيْرِهِ مِنْ شُهَدَاءَ أُحُدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَئِنْ أَظْفَرَنِي اللَّهُ بِهِمْ لَأُمَثِّلَنَّ بِضَعْفَيْ مَا مَثَّلُوا بِنَا } فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ - وَإِنْ كَانَتْ قَدْ نَزَلَتْ قَبْلَ ذَلِكَ بِمَكَّةَ مِثْلَ قَوْلِهِ : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي } وَقَوْلِهِ : { وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ } وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ الَّتِي نَزَلَتْ بِمَكَّةَ ثُمَّ جَرَى بِالْمَدِينَةِ سَبَبٌ يَقْتَضِي الْخِطَابَ فَأُنْزِلَتْ مَرَّةً ثَانِيَةً - فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " بَلْ نَصْبِرُ " وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ بريدة بْنِ الحصيب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا بَعَثَ أَمِيرًا عَلَى سَرِيَّةٍ أَوْ جَيْشٍ أَوْ فِي حَاجَةِ نَفْسِهِ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى وَبِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا ثُمَّ يَقُولُ : اُغْزُوَا بِسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ وَلَا تَغْلُوا وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تُمَثِّلُوا وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا }" .
وقال أيضاً رحمه الله:
"وَإِنْ مَثَّلَ الْكُفَّارُ بِالْمُسْلِمِينَ فَالْمُثْلَةُ حَقٌّ لَهُمْ فَلَهُمْ فِعْلُهَا لِلِاسْتِيفَاءِ وَأَخْذِ الثَّأْرِ وَلَهُمْ تَرْكُهَا ، وَالصَّبْرُ أَفْضَلُ وَهَذَا حَيْثُ لَا يَكُونُ فِي التَّمْثِيلِ السَّائِغِ لَهُمْ دُعَاءٌ إلَى الْإِيمَانِ وَحِرْزٌ لَهُمْ عَنْ الْعُدْوَانِ فَإِنَّهُ هُنَا مِنْ إقَامَةِ الْحُدُودِ وَالْجِهَادِ وَلَمْ تَكُنْ الْقَضِيَّةُ فِي أُحُدٍ كَذَلِكَ ، فَلِهَذَا كَانَ الصَّبْرُ أَفْضَلَ فَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْمُثْلَةُ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى فَالصَّبْرُ هُنَاكَ وَاجِبٌ كَمَا يَجِبُ حَيْثُ لَا يُمْكِنُ الِانْتِصَارُ وَيَحْرُمُ الْجَزَعُ انْتَهَى" .
وقال ابن القيم رحمه الله:
"وَقَدْ أَبَاحَ اللَّه تَعَالَى لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُمَثِّلُوا بِالْكَفَّارِ إِذَا مَثَّلُوا بِهِمْ ، وَإِنْ كَانَتْ الْمُثْلَة مَنْهِيًّا عَنْهَا . فَقَالَ تَعَالَى { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ } وَهَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ الْعُقُوبَة بِجَدْعِ الْأَنْف وَقَطْع الْأُذُن ، وَبَقْر الْبَطْن وَنَحْو ذَلِكَ هِيَ عُقُوبَة بِالْمِثْلِ لَيْسَتْ بِعُدْوَانٍ ، وَالْمِثْل هُوَ الْعَدْل .
وَأَمَّا كَوْن الْمُثْلَة مَنْهِيًّا عَنْهَا : فَلِمَا رَوَى أَحْمَد فِي مُسْنَده مِنْ حَدِيث سَمُرَة بْن جُنْدُب وَعِمْرَان بْن حُصَيْنٍ قَالَ : " مَا خَطَبَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُطْبَة إِلَّا أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ وَنَهَانَا عَنْ الْمُثْلَة " .
فَإِنْ قِيلَ : فَلَوْ لَمْ يَمُتْ إِذْ فُعِلَ بِهِ نَظِير مَا فَعَلَ ، فَأَنْتُمْ تَقْتُلُونَهُ ، وَذَلِكَ زِيَادَة عَلَى مَا فَعَلَ ، فَأَيْنَ الْمُمَاثَلَة ؟ قِيلَ : هَذَا يَنْتَقِض بِالْقَتْلِ بِالسَّيْفِ ، فَإِنَّهُ لَوْ ضَرَبَهُ فِي الْعُنُق وَلَمْ يُوجِبهُ ، كَانَ لَنَا أَنْ نَضْرِبهُ ، ثَانِيَة وَثَالِثَة ، حَتَّى يُوجِبهُ اِتِّفَاقًا ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّل إِذَا ضَرَبَهُ ضَرْبَة وَاحِدَة " .
وقال ابن مفلح رحمه الله:
"قَالَ أَحْمَدُ : وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّبُوهُ ، وَعَنْهُ إنْ مَثَّلُوا مُثِّلَ بِهِمْ ، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ .
قَالَ شَيْخُنَا : الْمُثْلَةُ حَقٌّ لَهُمْ ، فَلَهُمْ فِعْلُهَا لِلِاسْتِيفَاءِ وَأَخْذِ الثَّأْرِ ، وَلَهُمْ تَرْكُهَا وَالصَّبْرُ أَفْضَلُ ، وَهَذَا حَيْثُ لَا يَكُونُ فِي التَّمْثِيلِ [ بِهِمْ زِيَادَةٌ فِي الْجِهَادِ ، وَلَا يَكُونُ نَكَالًا لَهُمْ عَنْ نَظِيرِهَا ، فَأَمَّا إذَا كَانَ فِي التَّمْثِيلِ ] الشَّائِعِ دُعَاءٌ لَهُمْ إلَى الْإِيمَانِ ، أَوْ زَجْرٌ لَهُمْ عَنْ الْعُدْوَانِ ، فَإِنَّهُ هُنَا مِنْ إقَامَةِ الْحُدُودِ ، وَالْجِهَادِ الْمَشْرُوعِ ، وَلَمْ تَكُنْ الْقِصَّةُ فِي أُحُدٍ كَذَلِكَ ، فَلِهَذَا كَانَ الصَّبْرُ أَفْضَلَ ، فَأَمَّا إذَا كَانَ الْمُغَلَّبُ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى فَالصَّبْرُ هُنَاكَ وَاجِبٌ ، كَمَا يَجِبُ حَيْثُ لَا يُمْكِنُ الِانْتِصَارُ ، وَيَحْرُمُ الْجَزَعُ ، هَذَا كَلَامُهُ وَكَذَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ : إنْ مَثَّلَ الْكَافِرُ بِالْمَقْتُولِ جَازَ أَنْ يُمَثَّلَ بِهِ .
وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي الْإِجْمَاعِ قَبْلَ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ : اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ خِصَاءَ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَالْعَبِيدِ وَغَيْرِهِمْ فِي غَيْرِ الْقِصَاصِ وَالتَّمْثِيلَ بِهِمْ حَرَامٌ" .
(2) ومن أمثلة المماثلة مع الأعداء ما فعله النبي -صلى الله عليه وسلم- مع العرنيين الذين ارتدوا وقتلوا الرعاة وسملوا أعينهم، ففعل الني -صلى الله عليه وسلم- معهم مثل ذلك.
قال الإمام النووي رحمه الله:
"قَالَ الْقَاضِي عِيَاض - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - : وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي مَعْنَى حَدِيث الْعُرَنِيِّينَ هَذَا ، فَقَالَ بَعْض السَّلَف : كَانَ هَذَا قَبْل نُزُول الْحُدُود وَآيَة الْمُحَارَبَة وَالنَّهْي عَنْ الْمُثْلَة فَهُوَ مَنْسُوخ ، وَقِيلَ : لَيْسَ مَنْسُوخًا ، وَفِيهِمْ نَزَلَتْ آيَة الْمُحَارَبَة وَإِنَّمَا فَعَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِمْ مَا فَعَلَ قِصَاصًا ؛ لِأَنَّهُمْ فَعَلُوا بِالرُّعَاةِ مِثْل ذَلِكَ" .
وقال ابن القيم رحمه الله عن الفوائد الفقهية في حادثة العرنيين:
"الْجَمْعُ لِلْمُحَارِبِ إذَا أَخَذَ الْمَالَ وَقَتَلَ بَيْنَ قَطْعِ يَدِهِ وَرِجْلِهِ وَقَتْلِهِ وَأَنّهُ يُفْعَلُ بِالْجَانِي كَمَا فَعَلَ فَإِنّهُمْ لَمّا سَمَلُوا عَيْنَ الرّاعِي سَمَلَ أَعْيُنَهُمْ" .
وقال ابن حجر رحمه الله:
"وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ الْفَوَائِدِ
.............
وَفِيهِ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْقِصَاصِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الْمُثْلَةِ الْمَنْهِيّ عَنْهَا" .
(3) وكذلك يجوز أن يخرب من بلاد العدو مثل ما خرب من بلاد المسلمين.
قال ابن تيمية رحمه الله:
"ولهذا اتفق العلماء على جواز إتلاف الشجر والزرع الذي للكفار إذا فعلوا بنا مثل ذلك أو لم يقدر عليهم إلا به وفي جوازه بدون ذلك نزاع معروف وهو روايتان عن أحمد والجواز مذهب الشافعي وغيره" .
وقال ابن القيم رحمه الله:
"وَقَدْ صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِجَوَازِ إحْرَاقِ زُرُوعِ الْكُفَّارِ وَقَطْعِ أَشْجَارِهِمْ إذَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِنَا" .
(4) ومما جاء في رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- لسرجوان ملك قبرص، لما بلغه من إساءة لأسرى المسلمين عنده:
"ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ إنَّمَا أُخِذُوا غَدْرًا وَالْغَدْرُ حَرَامٌ فِي جَمِيعِ الْمِلَلِ وَالشَّرَائِعِ وَالسِّيَاسَاتِ فَكَيْفَ تَسْتَحِلُّونَ أَنْ تَسْتَوْلُوا عَلَى مَنْ أُخَذَ غَدْرًا أَفَتَأْمَنُونَ مَعَ هَذَا أَنْ يُقَابِلَكُمْ الْمُسْلِمُونَ بِبَعْضِ هَذَا وَتَكُونُونَ مَغْدُورِينَ وَاَللَّهُ نَاصِرُهُمْ وَمُعِينُهُمْ" .
2- وبعد ما استعرضناه بإيجاز من أدلة على جواز معاملة الأعداء بالمثل، أقول إذا كان جمهور الفقهاء قد أباحوا الرمي والتحريق والتغريق والقتال بما يعم إتلافه وإن أتى على نفوس من لا يجوز قتلهم للحاجة وللضرورة بلا مماثلة.
أفلا يجوز بطريق الأولى للماثلة في المعاملة ولاضطرار المسلمين إلى هذه الأساليب، لأنهم ليس لهم من وسائل أخرى يدفعون بها جرائم عدوهم. فلا يستطيع المسلمون في حالتهم الراهنة أن يواجهوا أمريكا وإسرائيل بحرب تقليدية بجيوش بها أساطيل وطائرات ومدرعات ومدفعيات، ولكنهم يستطيعون أن يكفوا شر كل تلك الأسلحة التي تسلط عليهم، بالعمليات الجهادية التي تستخدم الأساليب التي أباحتها الشريعة، وشرحناها في الفصلين الثامن والتاسع. وإذا كان الفقهاء قد قاسوا المدافع على المنجنيق الذي نصبه النبي -صلى الله عليه وسلم- على الطائف، وأجازوا استخدامه بلا مماثلة، أفلا يكون من الأولى أن نستخدمه من باب المماثلة، فنقصفهم كما يقصفوننا، ونفجر فيهم كما يفجرون فينا، وإن مات منهم بالتبع من لا يجوز قتله بالابتداء. والله تعالى أعلى وأعلم.
ثم لننظر نظرة واقعية، ما الذي يمنع دولة من أن تعتدي على أخرى؟ ليس إلا توازن القوى. وبعد الحرب العالمية الثانية خرجت أمريكا منتصرة بعد أن قصفت اليابان بقنبلتين ذريتين، وأدرك بعض العلماء خطورة الوضع، فهربوا أسرار القنبلة للاتحاد السوفيتي، ولولا ذلك لأبادت أمريكا الاتحاد السوفيتي والصين.
وكذلك في حالة الهند وباكستان، ما الذي يمنع الهند الأقوى والأغنى والأكثر عدداً من تدمير باكستان؟ التوازن النووي. ولذلك تبقى الحروب بينهما في مجال الحروب التقليدية، ولا تتعداها.
أما في حالتنا فالعرب في حالة عجز أمام إسرائيل التي تملك السلاح النووي، الذي تفرض به إرادتها على جيرانها العرب، فالسلاح النووي هو الحاضر الغائب في كل المفاوضات بين العرب وإسرائيل.
وبناء على رأي كاتب الوثيقة كما سبق وكما سيأتي فإنه يحرم استخدام ما يعم إتلافه، أي أنه لا يرى أن تمتلك أية دولة عربية سلاحاً نووياً مقابل السلاح الإسرائيلي، لأنه يؤكد على أننا لا يجب أن نرتكب الجرائم التي يرتكبها عدونا. وبالتالي على العرب أن يظلوا أذلاء أمام إسرائيل!!








الفصل الحادي عشر
ملاحظات على ما ورد بالحلقة السادسة عن السياح
تعرض كاتب الوثيقة في الحلقة السادسة للموانع الشرعية التي تمنع من التعرض بالأذى للأجانب القادمين والمقيمين في بلاد المسلمين بقتل أو نهب أو إيذاء سواء قدموا للسياحة أو للعمل أو التجارة ونحوها. وسأتناولها بالتحليل والنقاش واحداً واحداً بإذن الله، ولكني قبل التعرض لها أود أن أبدي عدة ملاحظات:
1- ملاحظات قبل التعرض للموانع الستة:
أ- ذكر الكاتب عن أسباب قدوم الأجانب لبلاد المسلمين عدة أسباب، فقال بالنص: "قدموا للسياحة أو للعمل أو التجارة ونحوها". وأنا أريد أن أتوقف معه عند "نحوها" هذه.
فأسأله؛ هل من ضمن "نحوها" موظفو مكتب الإف بي آي والسي آي إيه الذين يشرفون على إصدار وتوزيع وثيقة (تقييد الجهاد) هذه؟
وهل من ضمن "نحوها" موظفو السفارة الإسرائيلية في القاهرة، بما فيهم عملاء الموساد والشين بيت ونحوها؟
وهل من ضمن "نحوها" القوات الأمريكية في قاعدة راس بناس ومطار غرب القاهرة والقوات الأمريكية المشرفة على تطبيق معاهدة السلام في سيناء ونحوها؟
وهل من ضمن "نحوها" القوات الأمريكية المنتشرة في كل العالم الإسلامي من المغرب حتى الفيلبين؟ وخاصة في الخليج وجزيرة العرب؟
وهل من ضمن "نحوها" عملاء السي آي إيه في سجونهم السرية في مصر والأردن وباكستان ونحوها؟
وهل من ضمن "نحوها" تجارة الفجور الإسرائيلية في سيناء؟
أسئلة أتمسك بالحصول على إجابة عليها من كاتب وثيقة الترشيد، وأذكره بأني قد وجهت له أسئلة مماثلة في الفصل الثاني، وأذكره بالأسئلة رقم (7 و8 و9 و10 و11 و15) لأنها تتعلق بهذا الفصل. وأرجو ألا يحاول التهرب من الإجابة عليها، كما حاول فاشلاً أن يهرب من تبيين الحكم الشرعي في عدم اعتبار إذن الأبوين في الجهاد العيني فقال بالنص: "والفقهاء -رحمهم الله- وإن كانوا قد اتفقوا على أن إذن الوالدين إنما يشترط في الجهاد الكفائي، إلا أن بعض الفقهاء قد قال إن كان خروج المسلم لفرض العين من الجهاد فيه تضييع للوالدين أو أحدهما، لا يخرج.." ثم صمت. فأرجو ألا يتعامل مع أسئلة هذا الفصل والفصل الثاني بنفس الطريقة.
ب- قال الكاتب في هذا الفصل كلاماً يحتاج لوقفة، حيث قال:
"وقديماً كان الناس متميزين: المسلمون في دار الإسلام، وأهل الذمة في دار الإسلام يتميزون في المظهر عن المسلمين، وكل هذا لا وجود له اليوم والغالب على الناس اليوم هو جهالة الحال وخصوصاً مع عدم وجود دار إسلام تقبل بهجرة من أسلم في بلاد الكفار".
فهل يفهم من كلامه هذا أنه لا وجود لدار الإسلام اليوم؟
يؤكد هذا ما ذكره عن أهل الكتاب في الحلقة العاشرة حيث قال: "أهل الكتاب المقيمون في بلاد المسلمين مثل النصارى في مصر ليسوا أهل ذمة، كان هذا قديماً وقت الحكم بالشريعة، ومع نشوء الدولة المدنية بتحكيم القوانين البشرية في النصف الأخير من القرن التاسع عشر الميلادي، سقطت عن أهل الكتاب بمصر ونحوها من البلدان هذه الصفة".
ويؤيد هذا أيضاً -وإن كان بدرجة أقل وضوحاً- ما ذكره في نفس الحلقة عن تأشيرة الحكومات في بلاد المسلمين للسياح، حيث قال: "وأنا لم أذكر ضمن هذه الموانع تأشيرة السلطات في بلدان المسلمين، والتي قد لا يعتبرها البعض مانعاً، وإنما ذكرت غيرها من الموانع". فلماذا لم يذكرها؟ وقد أحسنَ إذلم يذكرها كمانعٍ، وهذا حق، ولعله يشير إلى أنه يعتبر الحكومات كافرة مرتدة لا أثر للتأشيرة التي يمنحونها للسياح (على القول بأنها أمانٌ) في عصمة دمائهم وأموالهم.
فهل يمكن القول بأن الكاتب يرى ألا وجود لدار الإسلام اليوم؟ وبالتالي فإن السائح ينتقل من دار كفر لدار كفر؟
ودار الكفر كما قرر الفقهاء دار قتال ودار نهبة ودار إباحة ، ما لم يثبت بدليل يسلم عن المعارض وجود عهد أو ذمة أو أمان للكافر.
ج- ويستتبع كونها دار كفر أن حكوماتها حكومات غير إسلامية، إذن يجب الخروج عليها لمن قدر، ومن لم يقدر عليه بالسعي في الإعداد لذلك ولو بكشف واقعها وتبيين حكم الله فيها، أو الهجرة.
د- ثم إذا استحضرنا ما ذكره الكاتب من قبل أن حال الجماعات الإسلامية يدور بين العجز والاستضعاف، وأن المسلمين مغلوبون على أمرهم، وعليهم بالصبر والهجرة والتقية...إلى آخر ما ذكره، إذن فهم يحتاجون لمن يؤمنهم، فكيف يعطون الأمان لغيرهم؟ كيف يعطي الخائف المستضعف في دار الكفر الأمان لغيره؟
هـ- بينت فيما سبق أن خطف الكفار ثم التصرف فيهم حسب مصلحة المسلمين سنة نبوية، فكان يجب على الكاتب أن يثبت شرعيتها ثم يرشد المجاهدين لتجنب الأخطاء التي يتصورها، أليس هذا هو (ترشيد الجهاد)؟ أم أنه يريد إلغاء هذه السنة النبوية؟ وحتى إذا كان غير قادر عليها، فليذكرها، ثم يبين عذره في عدم القيام بها.
و- أود أن أذكر الكاتب أن المجاهدين لما اتبعوا هذه السنة النبوية لم يتبعوها عشوائياً وعلى غير هدى، وإنما اتبعوها للدفاع عن بلاد المسلمين وأرواحهم وأعراضهم، ففي جربا بتونس قتل السياح اليهود دفاعاً عن المسلمين في فلسطين، وفي بالي بإندونيسيا قتل السياح الاستراليين دفاعاً عن المسلمين في العراق وأفغانستان. والطالبان لما خطفوا الكوريين مثلاً خطفوهم لأنهم منصرون يعملون تحت حماية القاذفات الصليبية. فالمجاهدون لما ضربوا السياح لم يضربوا سياحاً من البرازيل في فنلندا، ولا من فيتنام في فنزويلا!
ز- ثم إن المجاهدين ما أقدموا على ذلك إلا بعد إنذارات عديدة ومتوالية حتى يقطعوا عذر كل معتذر. والطالبان في أفغانستان حذروا مراراً وطالبوا كل هيئات الإغاثة الأجنبية بالخروج من أفغانستان.
2- مناقشة الموانع الستة.
أ- قبل أن أناقش الموانع الستة للتعرض للسياح أود أن أذكر القارئ بما ذكره الكاتب من قبل من المقومات الست (1- دار الهجرة والنصرة أو القاعدة الآمنة. 2- التكافؤ في العدد والعدة. 3- تأمين النساء والعيال. 4- توفير النفقة. 5- الفئة التي يمكن التحيز لها. 6- تميز الصفوف)، والمحظورات الست (1- قتل معصومين بدعوى التترس. 2- استحلال أموال بالسطو والخطف. 3- الغدر ونقض العهد. 4- العجز عن تأمين الذراري. 5- العمالة والارتزاق من الخارج. 6- الاضطرار للجوء السياسي)، ثم هناك الخيارات الست (1- الهجرة. 2- العزلة. 3- العفو. 4- الإعراض. 5- الصبر. 6- كتمان الإيمان) ثم دروس التاريخ "فالحركات الشعبية ومنها الإسلامية لم تغير النظام في مصر على مدى التاريخ". فإذا خرجت من المقومات وقعت في المحظورات، وإذا نجوت من المحظورات تلقفتك الخيارات، وإذا أفلتت من الخيارات منعتك الموانع، وإذا تخطيت الموانع فإلى هوة اليأس فلا أمل في التغيير، ثم لا تحدثني أيها القارئ الكريم بعد ذلك ليس عن الجهاد، بل عن أي عمل إسلامي أو شعبي. انتهى الأمر.
ضربت عليك العنكبوت بنسجها وقضى عليك به الكتاب المنزل
إذن ما المطلوب؟
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
حبكة مباحثية لا تترك لمن يريد الجهاد متنفساً. وكاتب الوثيقة بهذه الحبكة ليس مرشداً للعمل الجهادي بل هو خانق له، في خدمته عدد من حفاري القبور.
ب- المانع الأول من التعرض للسياح.
(1) ذكر كاتب الوثيقة: "أنهم قد يكون فيهم مسلمون، وقتل المسلم عمداً بغير حق من كبائر الذنوب ومن السبع الموبقات، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾".
وأقول:
(أ) لا شك أن دم المسلم معصوم في كل مكان، سواء كان في دار الإسلام أو دار الكفر، وليس فقط دم المسلم، بل دم كل من منع الشرع من قتلهم. وعلى المجاهدين أن يتحروا بدقة قبل الإقدام على أي خطف.
(ب) فإن قتل مسلم بطريق الخطأ في إحدى هذه العمليات، فلا يسمى قتله عمداً، ولا يستدل عليه بالآية التي استدل بها الكاتب، وإنما بالآية التي قبلها: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا...﴾ الآية. وهذه من أبجديات الفقه التي يتجاهلها الكاتب. بل ويتجاهل الكاتب أن المجاهدين ما قاموا بجهادهم إلا ليدافعوا عن المسلمين، لا ليقتلوا المسلمين، فإن وقع منهم خطأ، وهو عادة يقع في كل المعارك، فإنهم يندمون عليه وينزلون على حكم الشرع فيه، وقد بينت من قبل أقوال العلماء في الواجب على من قتل مسلماً عند الرمي على الكفار في آخر الفصل الثامن بما يغني عن إعادته.
(2) ثم تكلم الكاتب عن اختفاء دار الإسلام وعدم تميز الناس فقال:
"وقديماً كان الناس متميزين: المسلمون في دار الإسلام، وأهل الذمة في دار الإسلام يتميزون في المظهر عن المسلمين، وكل هذا لا وجود له اليوم والغالب على الناس اليوم هو جهالة الحال وخصوصاً مع عدم وجود دار إسلام تقبل بهجرة من أسلم في بلاد الكفار، ومع العجز عن إلزام الكفار بلبس الغيار (التميز في المظهر) بسبب العجز أصلاً عن إقامة الحكم الإسلامي، فأصبح المسلمون منتشرين في معظم بلدان العالم لا يتميزون في المظهر عن غيرهم، مما يدل على أنه من الخطأ اعتبار جنسية الإنسان (انتسابه لبلد ما) أو لغته أو لون بشرته أو مظهر ثيابه دليلاً على إسلامه أو كفره، أو دليلاً على جواز قتله، فالتميز متعذر عليهم، والتمييز متعسر علينا، والتبين واجب علينا، والمسلم معصوم بإسلامه أينما كان، والشبهة قائمة، وفي الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام". فإذا تعذر التبين وجب الكف عن الجميع للشبهة".
فأقول:
(أ) ذكرت -في الفصل الرابع- أن المسلمين شنوا الغارة على بني الكديد، فظفروا بابن البرصاء الليثي فزعم أنه مسلم، فأوثقة المسلمون، وطمأنوه أنه إن كان مسلماً فلن يضره وثاق يوم. إذن فالاشتباه في كون المأسور أو المختطف مسلماً أم لا ليس حالة جديدة، بل لقد حدثت في العهد النبوي. وهي دليل في موضع النزاع. ففي الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد -رحمه الله- عن جندب بن مكيث قال:
"بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَالِبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْكَلْبِيَّ كَلْبَ لَيْثٍ إِلَى بَنِي مُلَوَّحٍ بِالْكَدِيدِ وَأَمَرَهُ أَنْ يُغِيرَ عَلَيْهِمْ فَخَرَجَ فَكُنْتُ فِي سَرِيَّتِهِ فَمَضَيْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِقُدَيْدٍ لَقِينَا بِهِ الْحَارِثَ بْنَ مَالِكٍ وَهُوَ ابْنُ الْبَرْصَاءِ اللَّيْثِيُّ فَأَخَذْنَاهُ فَقَالَ إِنَّمَا جِئْتُ لِأُسْلِمَ فَقَالَ غَالِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ إِنَّمَا جِئْتَ مُسْلِمًا فَلَنْ يَضُرَّكَ رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَإِنْ كُنْتَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ اسْتَوْثَقْنَا مِنْكَ قَالَ فَأَوْثَقَهُ رِبَاطًا ثُمَّ خَلَّفَ عَلَيْهِ رَجُلًا أَسْوَدَ كَانَ مَعَنَا فَقَالَ امْكُثْ مَعَهُ حَتَّى نَمُرَّ عَلَيْكَ فَإِنْ نَازَعَكَ فَاجْتَزَّ رَأْسَهُ
..........
قَالَ وَأَمْهَلْنَاهُمْ حَتَّى رَاحَتْ رَائِحَتُهُمْ حَتَّى إِذَا احْتَلَبُوا وَعَطَنُوا أَوْ سَكَنُوا وَذَهَبَتْ عَتَمَةٌ مِنْ اللَّيْلِ شَنَنَّا عَلَيْهِمْ الْغَارَةَ فَقَتَلْنَا مَنْ قَتَلْنَا مِنْهُمْ وَاسْتَقْنَا النَّعَمَ" .
قال الخطابي رحمه الله في فوائد هذا الحديث:
"فِي الْحَدِيث دَلَالَة عَلَى جَوَاز الِاسْتِيثَاق مِنْ الْأَسِير الْكَافِر بِالرِّبَاطِ وَالْغُلّ وَالْقَيْد وَمَا يَدْخُل فِي مَعْنَاهَا إِنْ خِيفَ اِنْفِلَاته وَلَمْ يُؤْمَن شَرّه إِنْ تُرِكَ مُطْلَقًا" .
فيستفاد من هذا الحديث الشريف:
[1] أن المجاهدين اليوم لو قاموا بمهاجمة مجموعة من الكفار المحاربين، وظفروا بأسير وزعم أنه مسلم، فلهم أن يوثقوه، حتى يستوثقوا منه، ولهم أن يضعوا عليه حارساً، ويأمروا ذلك الحارس بقتله إن حاول الفرار. ولا يوقف الاشتباه في الناس ولا اختلاط المسلمين بالكفار الجهاد.
[2] وكذلك يستفاد من الحديث جواز شن الغارة على الكفار المحاربين بعد أن يسكنوا ويمر جزء من الليل، وهي أحوال يختلط فيها من يجوز قتله من المقاتلين بمن لا يجوز تقصد قتله من النساء والذرية، ولا يمكن فيها التمييز بينهم، ومع هذا الاختلاط لم يتوقف الجهاد، وقد بينت ذلك تفصيلاً من قبل في الفصل التاسع عن (البيات والقتال بما يعم إتلافه).
فالأمر أمر جهاد ودفاع عن عقيدة المسلمين وحرماتهم، فيجب الحزم فيه مع العدل.
(ب) وقد ذكرت من قبل عند الكلام عن التترس والبيات والقتال بما يعم إتلافه، أن المواضع المستهدفة لا يؤمن أن يكون فيها مسلمون أو من لا يحل قتله، ومع ذلك أجاز جمهور العلماء رميها بما سبق بيانه، وقاس المتأخرون عليها المدافع، ولم يقولوا بتوقف الرمي لتلك الشبهة بل على العكس صرحوا بخلاف ذلك.
قال أبو بكر الجصاص رحمه الله:
"نَقَلَ أَهْلُ السِّيَرِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاصَرَ أَهْلَ الطَّائِفِ وَرَمَاهُمْ بِالْمَنْجَنِيقِ مَعَ نَهْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ } ، وَقَدْ عَلِمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَدْ يُصِيبُهُمْ وَهُوَ لَا يَجُوزُ تَعَمُّدُهُمْ بِالْقَتْلِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ كَوْنَ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا بَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ لَا يَمْنَعُ رَمْيَهُمْ ؛ إذْ كَانَ الْقَصْدُ فِيهِ الْمُشْرِكِينَ دُونَهُمْ.
وَرَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ قَالَ { : سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَهْلِ الدِّيَارِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ يُبَيَّتُونَ فَيُصَابُ مِنْ ذَرَارِيّهِمْ وَنِسَائِهِمْ ، فَقَالَ هُمْ مِنْهُمْ } .
{ وَبَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَقَالَ : أَغِرْ عَلَى أُبْنَى صَبَاحًا وَحَرِّقْ ، وَكَانَ يَأْمُرُ السَّرَايَا بِأَنْ يَنْتَظِرُوا بِمَنْ يَغْزُو بِهِمْ ، فَإِنْ أَذَّنُوا لِلصَّلَاةِ أَمْسَكُوا عَنْهُمْ ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعُوا أَذَانًا أَغَارُوا } وَعَلَى ذَلِكَ مَضَى الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ أَغَارَ عَلَى هَؤُلَاءِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يُصِيبَ مِنْ ذَرَارِيّهِمْ وَنِسَائِهِمْ الْمَحْظُورِ قَتْلُهُمْ ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ فِيهِمْ مُسْلِمُونَ وَجَبَ أَنْ لَا يَمْنَعَ ذَلِكَ مِنْ شَنِّ الْغَارَةِ عَلَيْهِمْ وَرَمْيِهِمْ بِالنَّشَّابِ وَغَيْرِهِ ، وَإِنْ خِيفَ عَلَيْهِ إصَابَةُ الْمُسْلِمِ" .
قال الشافعي رحمه الله :
"فإن قال قائل كيف أجزت الرمي بالمنجنيق وبالنار على جماعة المشركين فيهم الولدان والنساء وهم منهي عن قتلهم؟ قيل أجزنا بما وصفنا وبأن النبي صلى الله عليه وسلم شن الغارة على بني المصطلق غارين وأمر بالبيات وبالتحريق والعلم يحيط أن فيهم الولدان والنساء وذلك أن الدار دار شرك غير ممنوعة.
وإنما نهى أن تقصد النساء والوالدان بالقتل إذا كان قاتلهم يعرفهم بأعيانهم للخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم وأن النبي صلى الله عليه وسلم سباهم فجعلهم مالا وقد كتب هذا قبل هذا فإن كان في الدار أسارى من المسلمين أو تجار مستأمنون كرهت النصب عليهم بما يعم من التحريق والتغريق وما أشبه غير محرم له تحريما بينا وذلك أن الدار إذا كانت مباحة فلا يبين أن تحرم بأن يكون فيها مسلم يحرم دمه وإنما كرهت ذلك احتياطا ولأن مباحا لنا لو لم يكن فيها مسلم أن نجاوزها فلا نقاتلها وإن قاتلناها قاتلناها بغير ما يعم من التحريق والتغريق ولكن لو التحم المسلمون أو بعضهم، فكان الذي يرون أنه ينكأ من التحمهم يغرقوه أو يحرقوه كان ذلك رأيت لهم أن يفعلوا ذلك ولم أكرهه لهم بأنهم مأجورون أجرين أحدهما الدفع عن أنفسهم والآخر نكاية عدوهم" .
وقال ابن قدامة رحمه الله :
" ( 7577 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَتَرَّسُوا فِي الْحَرْبِ بِنِسَائِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ ، جَازَ رَمْيُهُمْ ، وَيَقْصِدُ الْمُقَاتِلَةَ ؛ { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَمَاهُمْ بِالْمَنْجَنِيقِ وَمَعَهُمْ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ } ، وَلِأَنَّ كَفَّ الْمُسْلِمِينَ عَنْهُمْ يُفْضِي إلَى تَعْطِيلِ الْجِهَادِ ، لِأَنَّهُمْ مَتَى عَلِمُوا ذَلِكَ تَتَرَّسُوا بِهِمْ عِنْدَ خَوْفِهِمْ فَيَنْقَطِعُ الْجِهَادُ" .
وقال أيضاً رحمه الله :
"(فصل) وإن تترسوا بمسلم ولم تدع حاجة إلى رميهم لكون الحرب غير قائمة أو لإمكان القدرة عليهم بدونه أو للأمن من شرهم لم يجز رميهم، فإن رماهم فأصاب مسلماً فعليه ضمانه، وإن دعت الحاجة إلى رميهم للخوف على المسلمين جاز رميهم لأنها حال ضرورة ويقصد الكفار، وإن لم يخف على المسلمين لكن لم يقدر عليهم إلا بالرمي فقال الأوزاعي والليث لا يجوز رميهم لقول الله تعالى : ( ولولا رجال مؤمنون ) الآية قال الليث ترك فتح حصن قدر على فتحه أفضل من قتل مسلم بغير حق . وقال الأوزاعي : كيف يرمون من لا يرونه؟ إنما يرمون أطفال المسلمين، وقال القاضي والشافعي يجوز رميهم إذا كانت الحرب قائمة لأن تركه يفضي إلى تعطيل الجهاد" .
وقال الإمام الشيرازي رحمه الله:
"فصل: وإن نصب عليهم منجنيقاً أوبيتهم ليلاً وفيهم نساء وأطفال: جاز لما روى علي -كرم الله وجهه- أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نصب المنجنيق على أهل الطائف وإن كانت لا تخلو من النساء والأطفال)، وروى الصعب بن جثامة، قال: سألت النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الذراري من المشركين يبيتون؛ فيصاب من نسائهم وذراريهم؟ فقال: "هم منهم". ولأن الكفار لا يخلون من النساء والأطفال، فلو تركنا رميهم لأجل النساء والأطفال بطل الجهاد" .
وقال الإمام الكاساني رحمه الله:
" وَلَا بَأْسَ بِقَطْعِ أَشْجَارِهِمْ الْمُثْمِرَةِ ، وَغَيْرِ الْمُثْمِرَةِ ، وَإِفْسَادِ زُرُوعِهِمْ ؛ لِقَوْلِهِ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - { مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ } أَذِنَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - بِقَطْعِ النَّخِيلِ فِي صَدْرِ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ ، وَنَبَّهَ فِي آخِرِهَا أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ كَبْتًا وَغَيْظًا لِلْعَدُوِّ بِقَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ}.
وَلَا بَأْسَ بِإِحْرَاقِ حُصُونِهِمْ بِالنَّارِ ، وَإِغْرَاقِهَا بِالْمَاءِ ، وَتَخْرِيبِهَا وَهَدْمِهَا عَلَيْهِمْ ، وَنَصْبِ الْمَنْجَنِيقِ عَلَيْهَا ؛ لِقَوْلِهِ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى { يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ } وَلِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْقِتَالِ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ قَهْرِ الْعَدُوِّ وَكَبْتِهِمْ وَغَيْظِهِمْ ، وَلِأَنَّ حُرْمَةَ الْأَمْوَالِ ؛ لِحُرْمَةِ أَرْبَابِهَا ، وَلَا حُرْمَةَ لِأَنْفُسِهِمْ حَتَّى يُقْتَلُونَ ، فَكَيْفَ لِأَمْوَالِهِمْ؟ وَلَا بَأْسَ بِرَمْيِهِمْ بِالنِّبَالِ ، وَإِنْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ مُسْلِمِينَ مِنْ الْأَسَارَى وَالتُّجَّارِ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرُورَةِ ، إذْ حُصُونُ الْكَفَرَةِ قَلَّمَا تَخْلُو مِنْ مُسْلِمٍ أَسِيرٍ ، أَوْ تَاجِرٍ فَاعْتِبَارُهُ يُؤَدِّي إلَى انْسِدَادِ بَابِ الْجِهَادِ ، وَلَكِنْ يَقْصِدُونِ بِذَلِكَ الْكَفَرَةَ دُونَ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ فِي الْقَصْدِ إلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ .
وَكَذَا إذَا تَتَرَّسُوا بِأَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا بَأْسَ بِالرَّمْيِ إلَيْهِمْ ؛ لِضَرُورَةِ إقَامَةِ الْفَرْضِ ، لَكِنَّهُمْ يَقْصِدُونَ الْكُفَّارَ دُونَ الْأَطْفَالِ ، فَإِنْ رَمَوْهُمْ فَأَصَابَ مُسْلِمًا فَلَا دِيَةَ وَلَا كَفَّارَةَ" .
وقال ابن تيمية رحمه الله : ( وقد اتفق العلماء على أن جيش الكفار إذا تترسوا بمن عندهم من أسرى المسلمين، وخيف على المسلمين إذا لم يقاتلوا، فإنهم يقاتلون ; وإن أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم . وإن لم يخف على المسلمين ففي جواز القتال المفضي إلى قتل هؤلاء المسلمين قولان مشهوران للعلماء . وهؤلاء المسلمون إذ قتلوا كانوا شهداء، ولا يترك الجهاد الواجب لأجل من يقتل شهيداً . فإن المسلمين إذا قاتلوا الكفار فمن قتل من المسلمين يكون شهيداً، ومن قتل وهو في الباطن لا يستحق القتل لأجل مصلحة الإسلام كان شهيداً. وقد ثبت في الصحيحين عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال : ( يغزو هذا البيت جيش من الناس، فبينما هم ببيداء من الأرض إذ خسف بهم . فقيل يا رسول الله وفيهم المكره . فقال : يبعثون على نياتهم ) فإذا كان العذاب الذي ينزله الله بالجيش الذي يغزو المسلمين ينزله بالمكره، فكيف بالعذاب الذي يعذبهم الله به أو بأيدي المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين، ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا﴾" .
(ج) وفرصة قتل من لا يحل قتله في عمليات الخطف أقل من تلك الفرصة في الرمي على الكفار، لأن المخطوفين عادة لا يقاومون، ومن ادعى من المخطوفين أنه مسلم، أو لا يضمر عداء للمسلمين، أو أنه يؤيدهم، إلى غير ذلك من الأعذار فيمكن التأكد والاستيثاق منه. كما في حديث جندب بن مكيث -رضي الله عنه- الذي ذكرته آنفاً.
(د) وأود هنا أن أعلق على عبارة الكاتب: " من الخطأ اعتبار جنسية الإنسان (انتسابه لبلد ما) أو لغته أو لون بشرته أو مظهر ثيابه دليلاً على إسلامه أو كفره، أو دليلاً على جواز قتله". فأقول:
[1] أذكر الكاتب بأنه قال عن اللجوء السياسي، وهو يتكلم عن المحظورات الشرعية التي وقع فيها من اصطدموا بالحكومات:
"اضطرار البعض إلى عمل لجوء سياسي لدى الدول الأجنبية (بلاد الكفار الأصليين) فيكون بذلك قد دخل تحت حكم الكفار وقوانينهم باختياره...... وقد حذر فقهاء السلف من ذلك وقالوا إن من دخل من المسلمين دار الحرب (دار الكفر) لحاجة لا يجوز له أن يعزم على الإقامة بها لأنه يكون بذلك قد رضي بجريان أحكام الكفار عليه طواعية، وبذلك يرتد عن الإسلام". إذن من يحمل جنسية الكفار من المسلمين باختياره غير مضطر ولا لاجئ ينطبق عليه هذا الوصف.
[2] وقد بينت من قبل عند الكلام عن التأشيرة والأمان أن أفراد الدولة المعتدية على المسلمين كأمريكا مثلاً كيان معنوي واحد ويمثلون طائفة ممتنعة محاربة معتدية على المسلمين، وأنهم معنوياً كالشخص الواحد.
[3] ومما يؤكد ذلك أن التجنس بالاكتساب بجنسية دولة ما يلزم منه الرضا بطاعة قوانينها، بل إن بعض الدول مثل أمريكا وانجلترا تلزم المتجنس الجديد بالقسم على الولاء لدساتير الدولة وقوانينها، وهذا عمل ظاهر من أعمال الكفر.
وقد سئل الشيخ حمود العقلا -رحمه الله- من مجموعة من الليبيين المضطرين للجوء السياسي لبريطانيا عن شرعية اللجوء للمكره المضطر، وهل يسعهم أن يقسموا، فأفتاهم بفتوى جاء فيها:
" الإخوة الليبيين .......................... حفظهم الله تعالى
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، وبعد
فقد اطلعت على رسالتكم الطويلة الموجهة إلينا ، التي تذكرون فيها حالتكم وما تعانونه من الملاحقة والمطاردة وعدم الأمن في بلادكم ولا في البلاد الأخرى ، وقد يُلجئكم ذلك إلى أخذ الجنسية البريطانية لكي تأمنوا بذلك في تلك البلاد وفي غيرها من البلاد إذا سافرتم باعتباركم من حاملي الجنسية البريطانية فلا تتعرضون لأذى ، وتسألون عن حكم ذلك ؟ ثم ذيلتم رسالتكم بعدة أسئلة تطلبون الإجابة عنها ؟
فنقول وبالله التوفيق يجوز حسب الحالة التي ذكرتم أخذ وطلب الجنسية البريطانية نظرا لحالتكم وما ذكرتم في السؤال ، ومما يدل على ذلك الأدلة الآتية:
......................
ومما تقدم من الأدلة يتبين أنه يجوز لمثلكم أن يحمل الجنسية البريطانية ، بشرط أن تكونوا كارهين لهم ولدينهم مع عدم موالاتهم . قائمين بما تستطيعون من الدين
وأما ما ذكرتم من القسم أو التعهد عند أخذ الجنسية المذكورة ، فما دام أنهم يخيرونكم بين القسم و التعهد ولكم مندوحة عن القسم ، فتعملون بالتعهد وتضمرون الإيمان بقلوبكم بالله مع كراهيتكم لهم .
أما ما ذكرتم من مسألة التوقيع أو القسم أمام المحامي فلا حاجة لذلك".
فأفتاهم بجواز الحصول على الجنسية لأنهم مكرهون، وأن يضمروا الكراهية بقلوبهم، ويكتفوا بأقل ما يمكن في إعلان الولاء بأن يتعهدوا ولا يقسموا.
قلت: ومأخذ الشيخ حمود العقلا -رحمه الله- هو قول الحق تبارك وتعالى: (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً). فلما كان هؤلاء الليبيون مكرهون جاز لهم أن يعملوا عملاً ظاهره الكفر؛ وهو حمل الجنسية البريطانية، بما يتبعه ذلك من قسم الولاء للقوانين البريطانية، فيتبين من ذلك أن الجنسية ليست تعريفاً ببلد كما زعم الكاتب، ولكنها دليل انتماء لدولة، فهؤلاء الليبيون ليسوا انجليزاً، ولكنهم ليبيون تحت حماية الحكومة البريطانية وفي طاعة قوانينها.
وقد سوى النبي صلى الله عليه وسلم بين عمه العباس وبقية الأسرى يوم بدر من المشركين، مع أنه كان مسلماً بمكة، وأكرهوه على الخروج. قال ابن تيمية رحمه الله:
"كَمَا قَالَ الْعَبَّاسُ لَمَّا أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي خَرَجْت مُكْرَهًا . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَمَّا ظَاهِرُك فَكَانَ عَلَيْنَا وَأَمَّا سَرِيرَتُك فَإِلَى اللَّهِ }" .
وأنزل الله سبحانه وتعالى فيهم قرآناً يتلى إلى يوم القيامة. يقول الحق تبارك وتعالى: (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً. إلا المستضعفين من الرجال والنساء والوالدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً. فأولئك عسى الله أن يتوب عليهم وكان الله عفواً غفوراً).
وسئل ابن حزم -رحمه الله- عن التجارة إلى أرض الحرب، فقال:
"1568 مسألة وان كان التجار المسلمون إذا دخلوا أرض الحرب أذلوا بها وجرت عليهم أحكام الكفار فالتجارة إلى أرض الحرب حرام ويمنعون من ذلك وإلا فنكرهها فقط والبيع منهم جائز إلا ما يتقوون به على المسلمين من دواب أو سلاح أو حديد أو غير ذلك فلا يحل بيع شئ من ذلك منهم أصلا قال تعالى: (فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون) فالدخول إليهم بحيث تجرى على الداخل أحكامهم؛ وهنٌ وانسفالٌ ودعاءٌ إلى السلم وهذا كله محرم وقال تعالى: (ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) فتقويتهم بالبيع وغيره مما يقوون به على المسلمين حرام وينكل من فعل ذلك ويبالغ في طول حبسه" .
وسئل ابن حزم -رحمه الله- عمن ذهب مختاراً لأرض الحرب فقال:
"فإن كان هناك محارباً للمسلمين معيناً للكفار بخدمة , أو كتابة : فهو كافر - وإن كان إنما يقيم هنالك لدنيا يصيبها , وهو كالذمي لهم , وهو قادر على اللحاق بجمهرة المسلمين وأرضهم- فما يبعد عن الكفر , وما نرى له عذرا ونسأل الله العافية" .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- عمن يفر من المسلمين إلى التتار:
"وَكُلُّ مَنْ قَفَزَ إلَيْهِمْ مِنْ أُمَرَاءِ الْعَسْكَرِ وَغَيْرِ الْأُمَرَاءِ فَحُكْمُهُ حُكْمُهُمْ وَفِيهِمْ مِنْ الرِّدَّةِ عَنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ بِقَدْرِ مَا ارْتَدَّ عَنْهُ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ" .
وللإمام الونشريسي المغربي-رحمه الله- المتوفي عام 880هـ فتوى عظيمة بعنوان (أسنى المتاجر في بيان من غلب على وطنه النصارى ولم يهاجر وما يترتب عليه من العقوبات والزواجر). سئل فيها -رحمه الله- عمن هاجروا للمغرب من مسلمي الأندلس بعد سقوطها بأيدي النصارى، ثم كرهوا الإقامة بالمغرب، وتمنوا العودة للأندلس لما فيها من الميزات الدنيوية، ومما جاء في الاستفتاء المقدم له:
"فالحمد لله وحده. جوابكم سيدي رضي الله عنكم ومتع المسلمين بحياتكم في نازلة، وهي أن قوماً من هؤلاء الأندلسيين الذي هاجروا من الأندلس وتركوا هنالك الدور والأرضين والجنات والكرومات وغير ذلك من أنواع الأصول وبذلوا على ذلك زيادة كثيرة من ناض المال، وخرجوا من تحت حكم الملة الكافرة وزعموا أنهم فروا إلى الله سبحانه بإيمانهم وأنفسهم وأهليهم وذرياتهم وما بقي بأيديهم أو أيدي بعضهم من الأموال، واستقروا بحمد الله سبحانه بدار الإسلام تحت طاعة الله ورسوله وحكم الذمة المسلمة، ندموا على الهجرة بعد حضورهم بدار الإسلام وسخطوا وزعموا أنهم وجدوا الحال عليهم ضيقة وأنهم لم يجدوا بدار الإسلام التي هي دار المغرب هذه -صانها الله وحرس أوطانها ونصر سلطانها- بالنسبة إلى التسبب في طلب أنواع المعاش على الجملة رفقاً ولا يسراً ولا مرتفقاً" . فكان مما جاء في جوابه رحمه الله:
"وإذا تقرر هذا فلا رخصة لأحد ممن ذكرت في الرجوع ولا في عدم الهجرة بوجه ولا حال، وأنه لا يعذر مهما توصل إلى ذلك بمشقة فادحة أو حيلة دقيقة، بل مهما وجد السبيل إلى التخلص من ربقة الكفر. وهو لا يجد عشيرة تذب عنه وحماة يحنون عليه ورضي بالمقام بمكان فيه الضيم على الدين، والمنع من إظهار شعائر المسلمين، فهو مارق من الدين منخرط في سلك الملحدين. والواجب الفرار من دار غلب عليها أهل الشرك والخسران، إلى دار الأمن والإيمان. ولذلك قوبلوا في الجواب عند الاعتذار بقوله {ألم تكن أرض الله واسعة...} الخ. أي حيثما توجه المهاجر وإن كان ضعيفاً فإنه يجد أرض الله واسعة ومتصلة فلا عذر بوجه لمستطيع وإن كان بمشقة في العمل أو في الحيلة أو في اكتساب الرزق أو ضيق المعيشة، إلا المستضعف العاجز رأساً الذي لا يستطيع حيلة ولا يهتدي سبيلاً" .
وقال أيضاً:
"فإن محبة الموالاة الشركية والمساكنة النصرانية والعزم على رفض الهجرة والركون إلى الكفار والرضى بدفع الجزية إليهم ونبذ العزة الإسلامية والطاعة الإلهية والبيعة السلطانية، وظهور السلطان النصراني عليها وإذلاله إياها فواحش عظيمة مهلكة قاصمة للظهور يكاد أن تكون كفراً والعياذ بالله
.......................
وسُئِلَ الإمام أبو عبدالله المازري رحمه الله في زمانه عن أحكام من صقلية من عند قاضيها أو شهود عدول، هل يقبل منهم أم لا؟ مع أنها ضرورة ولا دري إقامتهم هناك تحت أهل الكفر هل هي اضطرار أو اختيار؟
فأجاب: "القادح في هذا وجهان، الأول يشتمل على القاضي وبيّناته من ناحية العدالة، فلا يباح المقام في دار الحرب في قيادة أهل الكفر.
............................
وهذا المقيم ببلد الحرب إن اضطراراً فلا شك أنه لا يقدح في عدالته، وكذا إن كان تأويله صحيحاً مثل إقامته ببلد أهل الحرب لرجاء هداية أهل الحرب أو نقلهم عن ضلالة ما، وأشار إليه الباقلاني، وكما أشار أصحاب مالك في جواز الدخول لفكاك الأسير، أما لو أقام بحكم الجاهلية والإعراض عن التأويل اختياراً فهذا يقدح في عدالته
.......................
هذا ما يتعلق بهم من الأحكام الدنيوية وأما الأخروية المتعلقة بمن قطع عمره وأفنى شيبه وشبابه في مساكنتهم وتوليتهم ولم يهاجر أو هاجر ثم راجع وطن الكفر وأصر على ارتكاب المعصية الكبيرة إلى حين وفاته والعياذ بالله، فالذي عليه السنة وجمهور العلماء أنهم معاقبون بالعذاب الشديد، إلا أنهم غير مخلدين في العذاب بناء على مذهبهم الحق في انقطاع عذاب أهل الكبائر وتخليصهم بشفاعة سيدنا ونبينا ومولانا محمدr المصطفى المختار، حسبما وردت به صحاح الأخبار، والدليل على ذلك قوله عز وجل {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}. وقوله {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم}. وقوله {إن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم} إلا أن قوله ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾، وقوله عليه السلام (أنا برئ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين) وقوله عليه السلام (فمن ساكنهم أو جامعهم فهو منهم) شديد جداً عليهم. وما ذكرتم عن سخيف العقل والدين من قوله إلى ها هنا يهاجر! في قالب الازدراء والتهكم. وقوله السفيه الآخر إن جاز صاحب قشتالة إلى هذه الناحية نسير إليه... الخ كلامه البشيع، ولفظه الشنيع، لا يخفى على سيادتكم ما في كلام كل واحد منهما من السماجة في التعبير، كما لا يخفى ما على كل منهما في ذلك من الهجنة وسوء النكير، إذ لا يتفوه بذلك ولا يستبيحه إلا من سفه نفسه، وفقد والعياذ بالله حسه، ورام رفع ما صح نقله ومعناه ولم يخالف في تحريمه أحد في جميع معمور الأرض الإسلامية من مطلع الشمس إلى مغربها لأغراض فاسدة في نظر الشرع لا رأس لها ولا ذنب، في تصدر هذه الأغراض الهوسية إلا من قلب استحوذ عليه الشيطان، فأنساه حلاوة الإيمان، ومكانه من الأوطان. ومن ارتكب هذا وتورط فقد استعجل لنفسه الخبيثة الخزي المضمون في العاجل والآجل، إلا أنه يساوي في العصيان والإثم والعدوان والمقت والسماجة والابعاد والانتقاص واستحقاق اللئيمة والمذمة الكبرى، التارك للهجر بالكلية بموالاة الأعداء، والسكنى بين أظهر البعداء، لأن غاية ما صدر من هذين الخبيثين عزم وهو التصميم وتوطين النفس على الفعل وهما لم يفعلا" .
وسئل الشيخ عبد الله بن عبد الباري الأهدل اليماني (ت 1271هـ) :
"س : قوم في بلاد الإسلام من المسلمين يدعون أنهم من رعية النصارى، ويرضون بذلك، ويفرحون به ، فما تقولون في إيمانهم، ومن الجملة أنهم يتخذون لسفنهم بيارق، وهي تسمى الرايات ، مثل رايات النصارى، إعلاماً منهم بأنهم من رعيتهم".
فمما جاء في الجواب :
" إن كان القوم المذكورون جهالاً، يعتقدون رفعة دين الإسلام، وعلوه على جميع الأديان، وأن أحكامه أقوم الأحكام، وليس في قلوبهم مع ذلك تعظيم الكفر وأربابه، فهم باقون على أحكام الإسلام ، لكنهم فساق مرتكبون لخطب كبير، يجب تعزيرهم عليه، وتأديبهم وتنكيلهم. وإن كانوا علماء بأحكام الإسلام ، ومع ذلك صدر عنهم ما ذكر فيستتابون ، فإن رجعوا عن ذلك ، وتابوا إلى الله ـ تعالى ـ ، وإلا فهم مارقون، فإن اعتقدوا تعظيم الكفر ارتدوا ، وجرى عليهم أحكام المرتدين.
وظاهر الآيات والأحاديث عدم إيمان المذكورين، قال تعالى: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات ... الآية)، فالآية تقتضي أن الناس قسمان: الذين آمنوا وليهم الله ـ تعالى ـ ، أي لا غيره، فليس لهم مولى دون الله ورسوله، (الله مولانا ، ولا مولى لكم) ، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت، فلا واسطة، فمن اتخذ الطاغوت ولياً من دون الله ، فقد خسر خسراناً مبيناً، وارتكب خطباً جسيماً، فليس إلا ولي الله وولي الطاغوت، فلا شركة بوجه من الوجوه ألبتة، كما تقتضيه الآية. وقال تعالى: (فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما)، وقد حكم الله ألا نتولى الكفار بوجه قط، فمن خالف لما يحكم، فأنى يكون له إيمانٌ ، وقد نفى الله إيمانه ، وأكد النهي بأبلغ الوجوه والإقسام على ذلك فاستفده" .
وسئل أبو عبد الله أحمد بن محمد المعروف بالشيخ عليش (ت 1299) عن البقاء بين ظهراني الكفار إذا استولوا على ديار المسلمين وترك الهجرة ، فأجاب إجابة طويلة ، ومما قال:
"إن هذه الموالاة الشركية كانت مفقودة في صدر الإسلام وعزته , ولم تحدث على ما قيل إلا بعد مضي مئين من السنين وبعد انقراض أئمة الإسلام المجتهدين فلذلك لم يتعرض لأحكامها الفقهية أحد منهم , وإنما نبغت هذه الموالاة النصرانية في المائة الخامسة وبعدها من تاريخ الهجرة وقت استيلاء ملاعين النصارى دمرهم الله تعالى على جزيرة صقلية وبعض كور الأندلس . سئل عنها بعض الفقهاء واستفهموه عن الأحكام الفقهية المتعلقة بمرتكبها فأجاب بأن أحكامهم جارية مع أحكام من أسلم ولم يهاجر – قلت : يعني في الكفر – وألحقوا هؤلاء المسئول عنهم والمسكوت عن حكمهم بهم وسوي بين الطائفتين في الأحكام الفقهية المتعلقة بأموالهم وأولادهم , ولم يروا فيها فرقا بين الفريقين وذلك لأنها في موالاة الأعداء ومساكنتهم ومداخلتهم وملابستهم وعدم مباينتهم وترك الهجرة الواجبة لهذه الأحكام المسكوت عنها في الصورة المسئول عن فرضها بمثابة واحدة فألحقوا رضي الله عنهم الأحكام المسكوت عنها في هؤلاء المسئول عنهم بالأحكام المتفقه فيها" .
وقال الشيخ محمد رشيد رضا ضمن فتوى طويلة بتحريم التجنس بالجنسية الفرنسية ونحوها في وقته أثناء الاحتلال الفرنسي لتونس فقال بعد أن قرّر أن هذا التجنس ردة عن الإسلام :
"بل هو بهذا التجنس راضٍ ببذل ماله ونفسه في قتال المسلمين إذا دعته دولته إلى ذلك ، وهي تدعوه عند الحاجة قطعاً . ففي المسألة أحكام كثيرة مجمع عليها ، معلومة من دين الإسلام بالضرورة ، يستحل المتجنس مخالفتها ، واستحلالها كفر بالإجماع" .
فمن مجموع هذه الأدلة يتبين أن حمل الجنسية لمن اختار التجنس بها دليل على انضمامه لدولتها ورضاه بالدخول تحت طاعة قوانينها اختياراً، فإن كانت هذه الدولة محاربة للمسلمين معتدية عليهم، صار هو من هذه الفئة الممتنعة المحاربة للمسلمين والمعتدية عليهم.
وقد ذكر الشيخ ناصر الفهد -فك الله أسره- أموراً مهمة تتعلق ببحثنا هذا في فتوى له عن مجاهدة الأمريكان خارج العراق، أورد هنا نصها:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد:
فقد قرأت الجزء الثاني من كتابكم "التبيان في كفر من أعان الأمريكان،" والذي بعنوان "الحملة الصليبية في مرحلتها الثانية: حرب العراق"، واستفدت مما ذكرته من أحكام متعلقة بموضوع هذه الحملة كحكم إعانة أمريكا، وحكم إعانة الحكومة العراقية، وحكم إعانة الشعب المسلم في العراق.
إلا أن هناك أمراً لم يذكر على أهميته وهو: ما حكم مجاهدة الأمريكان وقتالهم خارج العراق، كتتبع مصالحهم وقواعدهم وضربها في شتى بلاد العالم، فهل هذا يعتبر من الجهاد؟ وهل هم معاهدون في غير البلاد التي يقاتلون فيها؟ وهل ينطبق عليهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة)؟ ولو قلنا بأنهم غير معاهدين ولكن ترتب على قتلهم مفاسد فهل يشرع قتالهم؟
وجزاكم الله خيرا.
* * *
الجواب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
وبعد:
فلاشك أن أعظم أعداء الإسلام والمسلمين في هذا الزمن هم الأمريكان، ولو أردنا أن نتتبع جرائمهم ضد الإسلام وأهله في العصور المتأخرة لطال بنا المقام؛ فإنهم قتلوا من المسلمين أمماً، بحيث بلغ عدد قتلاهم في العراق وأفغانستان فقط قريباً من المليونين، وحاصروا أمماً آخرين، وشردوا أمماً، ومسخوا عقول أممٍ، ونهبوا ثروات المسلمين، واحتلوا كثيراً من أراضيهم، وسلطوا الطواغيت على الشعوب، وفعلوا في الأمة ما لم يفعله أحد من أعدائها قديما أو حديثاً.
وها نحن نراهم يطلقون آلاف الصواريخ وأطنان القنابل على رؤوس المسلمين في كل مكان، ولا يفرقون بين طفل أو شيخ أو امرأة!! ولِم يفرّقون؟! فما المسلمون عندهم إلا مجموعة من الحشرات ينبغي تخليص العالم منها!!
فجهاد هؤلاء الملاعين وتتبعهم وقتالهم أينما حلوا: من أوجب الواجبات، وأعظم القربات؛ فإنهم أفسدوا البلاد، وقتلوا كثيراً من العباد، وحاربوا المسلمين في كل مكان، فلاشك أنهم أئمة الكفر في هذا العصر بلا منازع، وقد قال تعالى: ﴿فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم﴾، ولو كانت عندي عشرة أسهم لرميتهم بها كلها؛ ولم أرم أحدا سواهم.
وقسم بالله؛ لو تيسرت لي عملية استشهادية ضدهم ما ترددت ساعة فيها.
ولو يسر الله لهم من أمة المليار ألفاً - فقط - من الاستشهاديين الذين يدكون قواعدهم ومصالحهم في كل مكان لدحروهم وردوهم أذلة خاسئين.
فيا للعار؛ أيستعبد هؤلاء الفراعنة المسلمين ويسومونهم سوء العذاب في كل مكان، ثم لا يجدون لهم رادعاً، بل يجدون الحماية من الطواغيت وأذنابهم؟
فما أصدق ما قاله القاضي أبو سعد الهروي رحمه الله بعد أن سقطت القدس بأيدي الصليبيين:
رماحهم والدين واهي الدعائم أرى أمتي لا يشرعون إلى العدا
ولا تحسبون العار ضربة لازم وتجتنبون النار خوفاً من الردى
وتغضي على ذلٍ كماة الأعاجم؟ أترضى صناديد الأعارب بالأذى
عن الدين ضنوا غيرة للمحارم فليتهمو إذ لم يذودوا حمية

واعلم - أخي الكريم -؛ أن مدار شبهة من حرم قتالهم وقتلهم في غير البلاد التي يقاتلون فيها على أمرين:
الأمر الأول؛ شبهة العهد: فيقول: إنهم معاهدون، ومن قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة كما ثبت في الحديث.
والأمر الثاني؛ شبهة المصالح والمفاسد: فيقول: إن قتالهم يجر على الأمة من البلاء ما لا تطيقه.
فيقال في الجواب:
أما العهد:
فلا والله، ليس بيننا وبينهم عهد، بل هم حربيون أينما حلوا وأقاموا، ولو تعلقوا بأستار الكعبة، فليس العهد الذي قامت به الحكومات مع هؤلاء الصليبيين شرعياً، بل هو بناء على مواثيق الأمم المتحدة الطاغوتية، وقامت به فئات لا تراقب الله في عملها، بل لا يهمها إلا مصلحة الحفاظ على كراسيهم وعروشهم، وحتى لو كان العهد شرعياً فإن نواقض هذا العهد لا تعد بالعشرات؛ بل بالمئات، فمن قتالهم لنا في الدين وإعلانهم الحملة الصليبية، إلى إخراجهم المسلمين من ديارهم، ومظاهرتهم على إخراجهم، ونقضهم لكثير من المواثيق، ودخولهم في شأن الأحكام الإسلامية، وإعانتهم أعداء الإسلام في كل مكان، وتتبعهم للمجاهدين في الأرض، وقتلهم لهم، وأسرهم، ونهبهم ثروات المسلمين، وغير هذه الأمور التي يكفي عشرها لنقض عهدهم لو كان شرعيا.
وإذا كان العهد الذي بين النبي صلى الله عليه وسلم وقريش نقضه لما أعانت قريش بكراً على خزاعة سراً، ولمرة واحدة، فكيف بأفاعيل أمريكا التي لا تعد ولا تحصى في هذا الزمن.
ثم ليس من العهود الشرعية أن يستقبل الصليبيون ويؤمنوا ليقوموا بضرب المسلمين كيفما أرادوا.
وقد قمت - والحمد لله - بتفصيل الأدلة والنقول في إثبات أنه ليس بيننا وبين هؤلاء الصليبيين عهد، وأنه ليس بيننا وبينهم إلا السيف، كما رددت على الشبهات المثارة في هذا الباب في كتاب "نشر البنود"، وسأنشره قريباُ إن شاء الله تعالى.
وأما مسألة المصالح والمفاسد:
فصحيح؛ فإن الأمر إذا كانت مفسدته أعظم من مصلحته لم يشرع حينئذٍ، إلا أنني أنبه هنا إلى أمرين:
الأول: أن المصالح والمفاسد المقصودة هنا هي المصالح والمفاسد الشرعية الحقيقية، لا المتوهمة.
والثاني: أن أولى الناس بالنظر في مصالح الجهاد ومفاسده هم المجاهدون، لا القاعدون الذين لا يعرفون كيف يحملون المسدس!!
وهذا ما تيسر إيراده في هذا الجواب المختصر، وقد فصلت الكلام السابق في كتابين سأنشرهما قريباً إن شاء الله تعالى - إن سلمني الله من الأعداء -
أحدهما: كتاب "نشر البنود"، السابق ذكره.
والثاني: الجزء الثالث من كتاب "التبيان في كفر من أعان الأمريكان".
أسأل الله سبحانه أن ينصر الإسلام وأهله، وأن يهلك أمريكا وحلفاءها، وأن يشفي صدورنا منهم ويذهب غيظ قلوبنا. وصلى الله على نبينا محمد" .
ومن الغريب أن الكاتب اعتبر في كتابه (الجامع) أن تجنس المسلم بجنسية دولة كافرة قد يؤدي به للكفر، حيث قال:
"والإقامة بين الكفار من أعظم أسباب الفتنة في الدين وأسهب ابن تيمية في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم) في بيان مضرة مخالطة الكفار وأن هذا يؤول إلى التشبه بهم والتخلق بأخلاقهم ظاهراً وباطنا وقد قال بعض العلماء بكفر من عزم على الإقامة بدار الكفر لقبوله بجريان أحكام الكفار عليه طواعية، فهذا تحاكم طوعي منه إلى الطاغوت ولهذا فمن اضطر للسفر إلى هذه البلاد ينبغي ألا يعزم على الإقامة بها وأن يستصحب دائما نية مغادرتها متى تيسر له ذلك.
.................
هذا، وكان أحد المسلمين قد سألني عن مسألة التَّجنس بجنسية بلاد الكفار الأصليين، وحاصل المسألة أن المسلم المقيم ببلادهم إذا استوفى شروطاً معينة جاز له طلب الجنسية، وأنه لا يُمنحها حتى يُقسم قَسَم ولاء للدولة أنه ملتزم بقوانينها وملتزم بعدم الإضرار بها وبأن يدافع عنها ونحو ذلك؟ فأجبته بأن هذا القَسَم كُفر صريح ومن قاله بغير إكراه كَفَر، فإن يلتزم بذلك أن يتحاكم طواعية إلى الطاغوت (وهو هنا شرائع الكفار)، وإن التزم بهذا كفر، وهذا بخلاف قوانين الكفر المفروضة عليه رغماً عنه في ديار الردة، كما أنه بعد تجنُّسِهِ ملتزم -إما هو وإما أبناؤه- بالخدمة في جيش الكفار والخروج في قتالهم، وهذا مكفِّر لأنه قتال في سبيل الطاغوت، وقال تعالى (والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت) النساء 76، وفي الجملة فإن هذا القَسَم موالاة مكفرة
..........
وفي الجملة فإن التجنس المرتبط بأداء هذا القسم لايجوز" .
ثم في هذه الوثيقة يقول إن الجنسية ليست إلا تعريفاً بالانتساب لبلد ما!!
ولذا فقد طالبت الكاتب في الملاحظة الثانية عشرة من الملاحظات على منهج الوثيقة أن يبين ما هي الآراء التي غيرها والتي لم يغيرها في مؤلفاته السابقة، وخاصة فيما يتعلق بمواضيع تلك الوثيقة.
وقد فصلت في الفصل السابع عن التأشيرة والأمان أن الطائفة تعامل معاملة الشخص الواحد، فليراجع هناك. كما أود أن أوضح أن الجنسية ليست تعريفاً بانتماء لبلد، كما قال الكاتب، بل هي دليل انتماء لدولة أي لطائفة ممتنعة بشوكة، لها أرض وحكومة ودستور وقوانين تنظم حمل واكتساب الجنسية.
ج- المانع الثاني من التعرض للسياح.
ذكر الكاتب: "المانع الثاني: أن هؤلاء الأجانب قد يقدمون إلى بلاد المسلمين بدعوة أو بعقد عمل من مسلم صاحب عمل أو صاحب شركة سياحة، وهذا أمان شرعي صحيح لا شك فيه، أما تأشيرة السلطات بعد ذلك فلا تغير شيئاً من حكم أمن المسلم لهم، ونقض أمان المسلم بالتعرض لمن دعاهم من الأجانب بالأذى من كبائر الذنوب المفسقة". وأقول:
(1) هذه الدعوة أو العقد لا تعد أماناً، لأنها ليس فيها تصريح بالأمان، إنما التصريح فيها بتقديم خدمة في مقابل أجر، فهي ليست أماناً صريحاً نطقيّاً، وهذا واضح، ولا هي أمانٌ عرفيّ لأن العرف جرى بغير ذلك عندنا وعندهم:
(أ) فأما عندنا:
[1] فلو أن أمريكياً أراد أن يذهب إلى مصر فإنه يعلم أنه لن يتمكن من دخولها إلا بتأشيرة من إحدى سفاراتها، ولا يدور بخلده أبداً أنه يمكن أن يدخلها بخطاب من شركة أو شخص.
[2] ولو جاء هذا الشخص بخطاب من شركة أو شخص لمطار القاهرة بدون تأشيرة، فسيرجعونه، ولن يعتبروا ذلك الخطاب، وربما سجنوه أو سخروا منه.
[3] وكذلك صاحب الشركة أو الدعوة لا يدور بخلده، أن الأجنبي القادم يمكن أن يدخل لمصر بدون تأشيرة، ولا يدور بخلده أنه من حقه أن يعترض أنهم قد أخفروا أمانه.
[4] وكذلك لو انتهت مدة تأشيرة أو إقامة هذا الأجنبي، وأرادت السلطات ترحيله، فلا يدور في خلده ولا خلد صاحب الدعوة ولا الحكومة التي تريد ترحيله، أنه في ذمة صاحب الدعوة، وأن الحكومة قد أخفرت ذمة صاحب الدعوة. إذن فكيف يمنح الأمان من لا يملكه بل من لا يتصوره؟
[5] ولأوضح الأمر أكثر أضرب مثالاً خيالياً، لا يحدث في الواقع؛ لنفترض أن هذا الأجنبي قد انتهت مدة إقامته، وطلبت منه السلطات الرحيل، فهل يتصور أن يذهب لصاحب الشركة السياحية التي تعاقد معها أو لصاحب الفندق الذي نزل به، ويقول له: أدخلني في أمانك حتى لا يرحلوني! هل هذا متصور في الواقع؟ وإذا استغرقنا في الخيال، وفرضنا أنه قد حدث، فماذا سيكون رد صاحب الشركة السياحية أو الفندق؟ سيقول له لا أعرف شيئاً مما تقول، ولا أستطيع أن أقوم به، وعليك بإطاعة السلطات والقوانين.
فإن قيل؛ هذا لا يحصل حتى في أيام الدولة الإسلامية قديماً، لأن الإمام (الدولة) له أن يرد أمانَ بعض المسلمين إذا هم أعطوا الأمان بغير حقٍ وافتئاتاً مثلا أو أخطأوا في تأمين بعض الناس.
فالجواب عليه:
أن الحاكم المسلم لو لم يعلم بأن المستأمن قد أجاره مسلم ثم تبين له أن مسلماً قد أجاره، فعليه أن يعتبر تأمين المسلم للكافر إلا إذا اجتهد في مصلحة أكبر.
ثم إن هذه ليست مسألتنا، بل مسألتنا في هذه الحكومات المرتدة، التي لا يعترف الكاتب بتأمينها إذا نازعت المسلم في تأمينه، فهل هذه الصورة واقعة في العرف؟ بل هل هي متصورة في الذهن؟ هل هي متكررة حتى يمكن اعتبارها عرفاً؟ أم هي مسألة لا وجود لها في الواقع؟
فالسائح القادم لشركة سياحية أو لفندق لا يتصور أن هذه الجهة هي التي تحمي دمه وماله، بل هو موقن أن ذلك للحكومة، ولا يتصور أن هذه الجهة لها حق في إدخاله بل للحكومة، والفقهاء لما تكلموا عما يفهم به الأمان تكلموا عن عبارات يفهم بالعرف أنها تعني الأمان مثل مترس، ولا بأس عليك، في أثناء القتال، وليس عبارات عرض خدمات في دعوة سياحية، ولا يقصد بها عصمة مال ولا دم.
(ب) أما عندهم: فلا يتصور أحد من أهل مصر مثلاً أنه يمكن أن يدخل أمريكا أو انجلترا لأن معه خطاب دعوة من شخص أو موافقة من جامعة دون أن يحصل على تأشيرة، ولو ذهب لمطار لندن أو نيويورك بخطاب يفيد ذلك بدون تأشيرة من سفارة الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة، فسيرجعونه بلا جدال.
إذن كيف يمكن أن يكون ما ذكره الكاتب شبهة أمان أو أمان والعرف عندنا وعندهم يخالفه. ولما تكلم الفقهاء عن شبهة الأمان تكلموا عن صيغ جارية في وقتهم تفيد الأمان جرى العرف بها.
وكما قلت من قبل فإن الكافر لا يعصم ماله أو دمه إلا بصلح أو ذمة أو أمان، وإذا لم يثبت شيء من ذلك فالأمر على أصله.
(2) ثم اختصاراً للنقاش لو فرضنا أن ما أشار إليه الكاتب هو شبهة أمان أو أمان، فقد بينت في الفصل السابع عن التأشيرة والأمان أن المحارب لله ورسوله المحرض على قتال المؤمنين الساب لرسول الله المستهزئ بالقرآن لا يعقد له أمان ولو عقد له لا يعصم دمه. وأن الطائفة الممتنعة المحاربة تعامل كالشخص الواحد، فليراجع هناك.
د- المانع الثالث. قال كاتب الوثيقة: "أنه لو فرض أن الأجانب ببلادنا كفار لا عهد لهم، فإن معظمهم ممن لا يجوز للمسلم أن يتعمد قتلهم حتى حين التحام القتال مع الكفار إذا كانوا في معسكر الكفار، فكيف يحل تعمد قتلهم ابتداء وهم منفردون؟ مثل النساء والأطفال والشيوخ والعمال والرهبان".
أقول:
(1) إن هذه الأصناف لا يجوز تعمد قتلهم بشرط عدم المشاركة في القتال بأنفسهم أو أموالهم أو آرائهم، ولكن يجوز أسرهم والمفاداة بهم.
(2) وإذا كان لا يجوز تعمد قتلهم، فلا بأس بقتلهم بالتبع دون القصد، وقد وضحت ذلك في الفصلين الثامن والتاسع عن التترس والبيات والقتال بما يعم إتلافه.
(3) ثم إن النساء والشيوخ في الغرب يدعمون حكوماتهم بالمال الذي يدفعونه كضرائب، وبالتصويت في الانتخابات للحكومات التي تعتدي علينا، وهذه الحكومات لا تستمد شرعيتها إلا من ذلك التصويت، والمصوتون يصوتون على برامج الأحزاب. وكلهم يقرون بطاعة هذه الحكومات أغلبية أو أقلية، ثم إن كل أحزاب الغرب الحاكمة والمعارضة، تؤيد إنشاء إسرائيل، وتدافع عن وجودها، وتؤكد برامجها الانتخابية قبل الوصول للحكم، وسياساتها إذا وصلت للحكم على ذلك.
(4) ثم تكلم الكاتب عن نهي الشريعة عن المثلة، وقد بينت في الفصل العاشر عن المعاملة بالمثل أن المثلة حق للمسلمين إذا مثل الكفار بجثثهم أو أعضائهم.
(5) ثم قال الكاتب: "فكيف بالمتفجرات؟" مستنكراً استخدامها، وقد بينت في الفصل الثامن والتاسع عن التترس والقتال بما يعم إتلافه جواز استخدام المدافع والتحريق والتغريق، ثم بينت في الفصل العاشر عن المعاملة بالمثل أننا يجوز لنا أن نعاقبهم بالمثل.
هـ- المانع الرابع. المعاملة بالمثل.
(1) وقد وضحت ذلك تفصيلاً في الفصل العاشر عن المعاملة بالمثل، وبينت أن المعاملة بالمثل كما ذكر العلماء مبنية على قول الله سبحانه: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ {126} وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ وأمثالها، وأننا يجوز أن نعاقبهم بمثل ما ارتكبوا معنا، وأن الأمور المنهي عنها في الشريعة مثل المثلة يجوز استخدامها مع الكفار، وذكرت أقوال العلماء ثم فتوى الشيخ حمود العقلا في ذلك.
(2) ثم يقول الكاتب: "واليوم يوجد في بلاد الكفار الأصليين ملايين المسلمين يقيمون ويعملون بأمان".
وأقول:
(أ) قد بينت عند الكلام عن التأشيرة والأمان في الفصل السابع أن المسلم في بلاد الغرب ليس آمناً على نفسه ولا ماله ولا عرضه ولا دينه.
وأن "المسلم" المقيم بين أظهرهم باختياره مريدا لذلك متجنساً بجنسيتهم داخلاً في الولاء التام أو شبه التام لهم، أنه إن لم يكن كافراً فهو قريبٌ من الكفر ، كما مر في فتاوى ابن حزم والونشريسي وعليش ورشيد رضا وغيرها، فكيف نجعل ذلك مانعاً من جهاد الأعداء ورميهم ومعاملتهم بالمثل....؟
(ب) ثم إذا سلمنا له بأن هناك ملايين من المسلمين يقيمون ويعملون في بلاد الغرب بأمان، أليس هناك مئات الملايين من المسلمين في بلاد الإسلام تحت القصف والتجويع وظلم الأنظمة الفاسدة بسبب الغرب، أليس هؤلاء إخوانه؟ أليس المسلمون أمة واحدة وهم يد على من سواهم؟ عجيب هذا الانفصال عن الواقع، وهو ما أشرت إليه في الملاحظة السابعة عشرة من الملاحظات على منهج الوثيقة.
(3) ثم تكلم عن التأشيرة، وقد فصلت الكلام فيها في الفصل السابع.
و- ثم تكلم عن المانع الخامس وأسماه بثارات الجاهلية، ووصف رعايا الدول الغربية بالأبرياء، وقد بينت أن الطائفة الممتنعة المعتدية كالشخص الواحد في الفصل السابع، ثم إن هذا الطعن من الكاتب في المجاهدين لا يليق، وهو يزعم الترشيد والإرشاد، وهذا أليق بمن حوله من ضباط المباحث، فعليه ألا يتأثر بأساليبهم.
ثم ساق تهماً جزافاً عن القتل بالجملة، وهو منهج واظب عليه.
ز- ثم تكلم الكاتب عن المانع السادس وهو المعاملة بالحسنى فقال: "إن هؤلاء الأجانب والسياح في جملتهم ما جاءوا بلاد المسلمين لحرب أو لقتال. فتجري عليهم المعاملة بالحسنى الواردة في قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾".
وأقول:
(1) إن عدم مجيء الكافر الحربي للقتال لا يعصمه. وقد مر بنا من قبل في الفصل الرابع حديث ثمامة بن أثال الحنفي، وأنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: "وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ". فهو حين أخذ ما كان قاصداً قتالاً، وإنما كان قاصداً العمرة، فلم يعصمه ذلك لأن الكافر الحربي مهدر الدم أراد قتالاً أم لم يرد. هذه واحدة.
(2) الثانية: أن هؤلاء وإن أتوا لا يريدون القتال، فإن جيوشهم تفتك بنا، وهم جميعاً طائفة واحدة ممتنعة. إلا مَنْ تبيّن لنا مخالفته لقومه وعدمُ رضاه بما يفعلون بنا وبديننا، قد بينت ذلك من قبل في الفصل السابع. وأوردت أيضاً في الفصل الرابع حديث الأسير من بني عقيل، وأنه كان يستفهم من النبي صلى الله عليه وسلم؛ لماذا أخذه المسلمون؟ "بِمَ أَخَذْتَنِي وَبِمَ أَخَذْتَ سَابِقَةَ الْحَاجِّ؟". فبين له النبي صلى الله عليه وسلم، أنه وإن لم يكن محارباً، فإن حلفاءه محاربون، فقال عليه الصلاة والسلام: "أَخَذْتُكَ بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكَ ثَقِيفَ".
3- ثم بعد الموانع الستة تكلم الكاتب عن الجنسية بما ظاهرُهُ ومحصَّلُهُ أنها تعني الانتماء لبلاد، وأنها من علامات التعريف، وهذا خطأ، وإنما الجنسية تعني الانتماء لدولة، أي طائفة ممتنعة، أي ذات منعةٍ وسلطان وقوة، والفرد فيها هو جزء من هذه الطائفة، وقد بينت ذلك في هذا الفصل سابقاً.











الفصل الثاني عشر
ملاحظات على ما ورد بالحلقة السابعة عن العمليات الجهادية من داخل دار الحرب
1- يقول الكاتب: "كان جهاد النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه -رضي الله عنهم- للكفار غزواً من الخارج عند الاستطاعة، بمواجهة جيش المسلمين لجيش الكفار، ولم يرسلوا أحداً من المسلمين للقيام بعمليات جهادية داخل بلاد فارس أو الروم أو مكة قبل فتحها فيما نعلمه".
أقول: وهذا خطأ. فالمتتبع لسيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- يرى أنه قد أرسل العديد من السرايا لبلاد الأعداء قبل فتحها، فمثلاً:
أ- قد أرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- أسامة بن زيد إلى أُبنى بفلسطين وأمره بالإغارة والتحريق، وذلك في عهد النبوة قبل فتح الشام.
أخرج أبو داود عن عن الزهري قال عروة:
"فحدثني أسامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عهد إليه فقال: "أغر على أبنى صباحا وحرق" .
ب- وكذلك أرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- سرية فأغارت على بني المصطلق يسقون على الماء.
أخرج الإمام مسلم رحمه الله:
"عَنْ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ كَتَبْتُ إِلَى نَافِعٍ أَسْأَلُهُ عَنْ الدُّعَاءِ قَبْلَ الْقِتَالِ قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيَّ إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ قَدْ أَغَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى الْمَاءِ فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ وَسَبَى سَبْيَهُمْ" .
ج- وقد مر معنا من قبل الإغارة على بني الكديد في الفصل الرابع والحادي عشر.
د- وكذلك أرسل النبي صلى الله عليه وسلم السرايا لقتل رؤوس الكفار في بلادهم قبل فتحها، فأرسل سرية لقتل أبي رافع اليهودي في حصن له بأرض الحجاز. أخرج البخاري رحمه الله:
"عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَبِي رَافِعٍ الْيَهُودِيِّ رِجَالًا مِنْ الْأَنْصَارِ فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَتِيكٍ وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُعِينُ عَلَيْهِ وَكَانَ فِي حِصْنٍ لَهُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ" .
هـ- وكذلك مر معنا إرساله -صلى الله عليه وسلم- لعبد الله بن أنيس -رضي الله عنه- لخالد بن سفيان الهذلي بعرنة بعرفة فقتله.
و- وأرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- سرية لقتل يسير بن رزام اليهودي في خيبر قبل فتحها. ذكر الأمام الطبري رحمه الله:
"وكان من حديث يسير بن رزام اليهودي أنه كان بخيبر يجمع غطفان لغزو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فبعث إليه رسول الله عبد الله بن رواحة في نفر من أصحابه منهم عبد الله بن أنيس حليف بني سلمة فلما قدموا عليه كلموه وواعدوه وقربوا له وقالوا له إنك إن قدمت على رسول الله استعملك وأكرمك فلم يزالوا به حتى خرج معهم في نفر من زفر فحمله عبد الله بن أنيس على بعيره وردفه حتى إذا كان بالقرقرة من خيبر على ستة أميال ندم يسير بن رزام على سيره إلى رسول الله ففطن له عبد الله بن أنيس وهو يريد السيف فاقتحم به ثم ضربه بالسيف فقطع رجله وضربه يسير بمخرش في يده من شوحط فأمه في رأسه وقتل الله يسيرا ومال كل رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على صاحبه من زفر فقتله إلا رجلا واحدا أفلت على راحلته فلما قدم عبد الله بن أنيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم تفل على شجته فلم تقح ولم تؤذه" .
وقد مر معنا قول ابن حجر رحمه الله في فوائد قصة ثمامة بن أثال الحنفي رضي الله عنه:
"وَفِيهِ بَعْث السَّرَايَا إِلَى بِلَاد الْكُفَّار ، وَأَسْر مَنْ وُجِدَ مِنْهُمْ، وَالتَّخْيِير بَعْد ذَلِكَ فِي قَتْله أَوْ الْإِبْقَاء عَلَيْهِ" .
ثم يقال : هبْ أننا لم نطلع على أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل شيئا من ذلك ، أعني أنه "لم يرسل أحداً من المسلمين للقيام بعمليات جهادية داخل بلاد فارس أو الروم أو مكة قبل فتحها"، فهل يفيد هذا المنع والتحريم؟ أليس الواجب هو النظر إن كان ثمتَ مقتضٍ أو لا، بعنى هل امتنع النبي صلى الله عليه وسلم عن فعل ذلك مع وجود الداعي والمقتضي؟ أو كان تركه لفعل ذلك لعدم المقتضي والداعي؟ والحمد لله ، قد رأينا أنه -صلى الله عليه وسلم- فعلَ وتبين أن المجاهدين سائرون على سنته وأنهم أسعد الناس بالسلوك على طريقته.
2- ثم قال كاتب الوثيقة: "وما يفعله بعض المسلمين اليوم من القيام بهذه العمليات داخل بلاد الكفار نرى أنه لا يجوز شرعاً لسببين:
- وجود المسلمين بين الكفار جائز:
السبب الأول: انتشار المسلمين في معظم بلدان العالم.... يجعل من المحتمل إصابة مسلمين بما يعم إتلافه كالمتفجرات، وقتل المسلم كبيرة من الموبقات". وقد رددت على هذه الشبهة في الفصل الحادي عشر في التعليق على ما زعمه المانع الأول من قتل السياح.
3- ثم قال كاتب الوثيقة: "ولا يجوز قتل المسلمين المختلطين بالكفار بدعوى (التترس) لأن قتل الترس المسلم ليس في إجازته نص، وإنما هو اجتهاد، ولا يجوز إلا للضرورة ضمن القاعدة العامة: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ..﴾" (الأنعام: 119)، ولا ضرورة لذلك في هذه العمليات الحربية داخل بلاد الكفار، لأنها من العمليات الهجومية (جهاد الطلب) الذي لا ضرر على المسلمين من تركه أو تأجيله".
أقول: هذا الكلام خطأ من وجوه:
أ- بينت من قبل أن رمي الكفار إذا اختلط بهم من لا يجوز قتله للعلماء فيهم أقوال، ورأي الجمهور أنه يجوز للحاجة وللضرورة. فليراجع تفصيلاً في الفصل الثامن.
ب- من العجائب أن يقول الكاتب أن العمليات في بلاد العدو من جهاد الطلب الذي لا يضر المسلمين تأجيله. وهذا نظر قاصر للواقع تماماً ومغالطة واضحة، وعدم فهم لحقيقة حربنا وحالنا مع أعداء الله.
أكل هذه الأراضي المحتلة في بلاد المسلمين ولا دولة مستقرة لهم، وليس الذي يقومون به جهاد دفع؟
إن العمليات في بلاد العدو جهاد دفع أكيد لطرد الكفار من بلاد المسلمين، والمسلمون في ضرورة شديدة إليها. وما تكلم عنه الفقهاء في جهاد الطلب ليس ما يشير إليه الكاتب، فقد تكلم الفقهاء عن دار للإسلام قائمة، ثم يرسل المسلمون جيوشهم لقتال الأعداء في بلادهم، وفتح تلك البلاد ونشر الإسلام وإخضاعها لسلطان الإسلام لتتاح لجمهور الكفار اختيارُ الإسلام إن أرادوا وسبقت لهم من الله هداية التوفيق، بدون أن يكون هناك من يعيقهم ويمنعهم من ذلك ويفتنهم. وهذا واقع مخالف لواقعنا تماماً.
ثم إن المجاهدين قد قاموا بهذه العمليات من باب الدفع وأعلنوا ذلك للأعداء، وقالوا لهم إن هذه العمليات لن تتوقف حتى تخرجوا من ديارنا. والمجاهدون أدرى بالدفاع من كاتب الوثيقة.
ثم أليس الكاتب هو القائل في مقدمة وثيقته؛ إن الخلافة قد أسقطت، وتفرقت دول العالم الإسلامي شذر مذر، واستولى الكفار على معظم بلاد المسلمين، وفرضوا عليها قوانينهم وثقافتهم، وأنشأوا إسرائيل لإذلال المسلمين، وما زال هذا التحالف المعادي يفرض وصايته على المسلمين ويطالب بالمزيد؟ ثم يقول أجلوا العمليات لا ضرورة لها الآن. إذن متى تأتي ضرورتها؟ ما هذا التناقض؟
4- ثم قال كاتب الوثيقة: "ومن أجاز قتل الترس المسلم من الفقهاء إنما أجازه في جهاد الدفع وللضرورة عند الخوف على المسلمين إذا توقفوا عن قتل الترس المسلم قتلهم الكفار وقتلوه ولا يمكن للمسلمين قتال الكفار المهاجمين إلا بقتل من يحتمون به من المسلمين (الترس المسلم) جاز قتله في هذه الحال عملاً بقاعدة (يرتكب أخف الضررين) وليست هذه هي الحال في العمليات داخل بلاد الكفار، فلا يجوز الإقدام عليها لاحتمال سقوط قتلى من المسلمين المخالطين لهم..
وهناك فرق مهم بين هذه العمليات اليوم وما أجازه بعض الفقهاء من قتل الترس المسلم، وهو أن الصورة التي أجازها الفقهاء هي صورة جيش للكفار وضع في مقدمته أسرى من المسلمين ليتحرج جيش المسلمين من قتلهم فيحتمي الكفار بهم كدروع بشرية.... أما ما يحدث اليوم فهو أن المسلمين المختلطين بالكفار في بلادهم ليسوا أسرى لديهم بل مواطنون مثلهم أو مقيمون لديهم، وليسوا مع جيش في حرب ليحتاطوا لأنفسهم بالفرار من ميدان القتال. بل إنهم يقتلون على غرة ومن دون سابق إنذار من جهة المهاجمين.
فليست هذه هي الصورة التي أجاز فيها بعض الفقهاء قتل الترس المسلم، ومن أجازه منهم قيد ذلك بأن تكون هناك (ضرورة قطعية كلية) لأنه اجتهاد بإباحة دماء معصومة في مقابلة النص الشرعي المحرم لها، ولا بد لتجاوز النص الشرعي من تحقق الضرورة والاضطرار المذكور في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ..﴾" (الأنعام: 119) ومعنى (ضرورة) أي عند خوف الهلاك على جيش المسلمين أو دار الإسلام، ومعنى (قطعية) أي مؤكدة ليست مظنونة أو متوهمة، ومعنى (كلية) أي ليست خاصة بفرد أو طائفة من المسلمين بل بمجموعهم........ وهذا ليس الحال في تفجير الطائرات والقطارات المدنية والعمارات في بلاد الكفار والتي يخالط فيها المسلمون غيرهم، والتي لا ضرورة تلجئ إلى القيام بها
........
ومن هنا منع كثير من أهل العلم قتل الترس المسلم في صف الكفار إلا عند الضرورة التي قيدوها بالخوف المحقق على مجموع المسلمين من الاستئصال، وليس مجرد الحاجة أو المصلحة، ومن العلماء من تشدد في ذلك كالإمام مالك رحمه الله".
أقول: بينت الرد على هذا الكلام سابقاً في الفصل الثامن عن التترس، ولكن لا بأس من بعض الملاحظات:
أ- للأسف الكاتب يفتقد للأمانة العلمية في نقل أقوال العلماء، وهو ما سجلته عليه في الملاحظة السادسة من الملاحظات الإجمالية على منهج الرسالة. فقد نقل قول الإمام مالك والأوزاعي رحمهما الله، وقول الغزالي رحمه الله في المستصفى، وأعرض عن قول الجمهور بما فيهم متأخرو المالكية، الذين أجازوا رمي الأعداء إن تترسوا بمسلم ولكن لا يقصد الترس، فإن خيف على أكثر الجيش قصد الترس، وقالوا: وإن كان الجيش عدده أقل من الترس. وتساهلوا في اشتراط القرطبي الخوف على كل المسلمين بأن قالوا إن المسلمين هنا هم جماعة الجيش. أي على قولهم لو كان المتترس بهم مثلاً خمسمائة والجيش ثلاثمائة، وخيف على أكثر الجيش، فيجوز قصد الترس. قال الدسوقي في حاشيته على الشرح الكبير:
"( قَوْلُهُ : وَإِنْ تَتَرَّسُوا بِمُسْلِمٍ قُوتِلُوا ) أَيْ ، وَأَوْلَى إذَا تَتَرَّسُوا بِأَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ فَيُقَاتَلُونَ ، وَلَا يُتْرَكُونَ وَيَنْبَغِي ضَمَانُ قِيمَتِهِ عَلَى مَنْ رَمَاهُمْ قِيَاسًا عَلَى مَا يُرْمَى مِنْ السَّفِينَةِ لِلنَّجَاةِ مِنْ الْغَرَقِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا إتْلَافُ مَالٍ لِلنَّجَاةِ قَالَهُ شَيْخُنَا ( قَوْلُهُ : وَإِنْ خِفْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا ) أَيْ جِنْسُ أَنْفُسِنَا الْمُتَحَقِّقُ فِي بَعْضِ الْجَيْشِ ( قَوْلُهُ : إنْ لَمْ يُخَفْ عَلَى أَكْثَرِ الْمُسْلِمِينَ ) هَذَا شَرْطٌ فِي عَدَمِ قَصْدِ التُّرْسِ أَيْ أَنَّ مَحَلَّ كَوْنِهِمْ إذَا تَتَرَّسُوا بِمُسْلِمٍ يُقَاتَلُونَ وَلَا يُقْصَدُ التُّرْسُ إذَا لَمْ يُخَفْ عَلَى أَكْثَرِ الْمُسْلِمِينَ أَيْ بِأَنْ لَمْ يُخَفْ عَلَيْهِمْ أَصْلًا أَوْ خِيفَ عَلَى أَقَلِّ الْمُسْلِمِينَ أَوْ عَلَى نِصْفِهِمْ فَإِنْ خِيفَ عَلَى أَكْثَرِهِمْ جَازَ رَمْيُ التُّرْسِ وَالْمُرَادُ بِالْمُسْلِمِينَ هُنَا جَمَاعَةُ الْجَيْشِ الْمُقَاتِلِينَ لِلْكُفَّارِ دُونَ الْمُتَتَرَّسِ بِهِمْ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا خِيفَ عَلَى أَكْثَرِ الْجَيْشِ يَجُوزُ أَنْ يُرْمَى التُّرْسُ ، وَلَوْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ الْمُتَتَرَّسُ بِهِمْ أَكْثَرَ مِنْ الْمُجَاهِدِينَ " .
أما الجمهور فرأيهم يتراوح بين جواز الرمي أو تقييده بحاجة القتال وضرورته، كما بينته تفصيلاً في الفصل الثامن.
ب- والجمهور لم يقيدوا رمي الترس بجهاد الدفع بل أجازوه في كل جهاد، واستندوا إلى سنة النبي -عليه الصلاة والسلام- في نصبه المنحنيق على أهل الطائف وسراياه التي كانت تبيت الكفار وفيهم النساء والصبيان، ولم يكن النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة في تلك الحالات في جهاد دفع، بل إن حصار الطائف كان بعد فتح مكة. وذكر ابن قدامة في المغني أن عمرو بن العاص قد نصب المنجنيق على أهل الاسكندرية ، وهذا جهاد طلب.
ج- أما قول الكاتب بأن الصورة التي تكلم عنها الفقهاء هي صورة جيش وضع في مقدمته أسرى مسلمين، فليس صحيحاً، بل تكلموا عن الحصن يكون فيه تجار المسلمين، والسفينة يكون فيها مسلمون، وتكلموا عن رمي البيوت في داخل الحصن فيها النساء والصبيان.
ثم إن الحالات والصور تختلف من زمن إلى زمنٍ ، فهب أنهم تكلموا على صورةٍ كانت واقعةً في أزمنتهم هل يعني هذا انتفاء الحكم عن غيرها من الصور مما يشترك معها في الوصفِ ولا يفترق عنها افتراقا مؤثراً؟ وأين النوازل والحوادث؟ الفقهُ معرفةُ العلل والأحكام والتسوية بين المتماثل من المسائل والتفريق بين المختلف منها، ومعرفة المثال وعدم الانحصار في وقائع عينٍ أو قصر الحكم على مثال قد عُلِمَ أنه مثالٌ دعا إلى ذكره كونه هو الصورة الحاضرة الموجودة في زمن تكلم الفقيه.
د- أما انتشار المسلمين بين الكفار فقد أجبت عليه في الفصل الحادي عشر عن السياح.
هـ- أما قوله بأن المسلمين لا يجدون فرصة للفرار، فلا حجة فيه:
(1) لأن المجاهدين أنذروا مرات عديدة أنهم سيستهدفون دول التحالف الصليبي ومصالحها، ونصحوا المسلمين المقيمين في تلك البلاد بمغادرتها.
(2) كما أباح الشرع للمسلمين مباغتة الكافرين ما دامت الدعوة قد بلغتهم، وقد وضحته في الفصل التاسع عن البيات والقتال بما يعم إتلافه.
(3) وقد خرج بعض المسلمين مكرهين في جيش الكفار في بدر فلم يقبل الله تعالى عذرهم بالإكراه، وأخبرهم بأنه كان عليهم الهجرة، واستثنى من العقوبة فقط المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا {97} إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً {98} فَأُوْلَـئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾.
وأنا هنا أعيد ذكر جزء من فتوى الشيخ حمود العقلا رحمه الله عن أحداث سبتمبر لفائدتها. قال الشيخ رحمه الله:
" الشبهة الثانية :
يقولون إن في القتلى أبرياء لا ذنب لهم، والجواب عن هذه الشبهة من عدة أوجه :
الوجه الأول : روى الصعب بن جثامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن أهل الديار من المشركين يبيّتون فيصاب من نسائهم وذرياتهم ، قال : "هم منهم".
فإن هذا الحديث يدل على أن النساء والصبيان ومن لا يجوز قتله منفردا يجوز قتلهم إذا كانوا مختلطين بغيرهم ولم يمكن التمييز، لأنهم سألوا الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن البيات وهو الهجوم ليلا، و البيات لا يمكن فيه التمييز، فأذن بذلك لأنه يجوز تبعا ما لا يجوز استقلالا.
الوجه الثاني : أن القادة المسلمين كانوا يستعملون في حروبهم مع الكفار ضربهم بالمنجنيق. ومعلوم أن المنجنيق إذا ضرب لا يفرق بين مقاتل وغيره، وقد يصيب من يسميهم هؤلاء بالأبرياء ، ومع ذلك جرت سنة المسلمين في الحروب عليه ، قال ابن قدامة رحمه الله : ويجوز نصب المنجنيق لأن النبي صلى الله عليه وسلم نصب المنجنيق على أهل الطائف ، وعمرو بن العاص نصب المنجنيق على أهل الإسكندرية. (المغني والشرح 10 / 503 ) . وقال ابن قاسم رحمه الله في الحاشية : ويجوز رمي الكفار بالمنجنيق ولو قتل بلا قصد صبيانا و نساءا وشيوخا ورهبانا لجواز النكاية بالإجماع ، قال ابن رشد رحمه الله : النكاية جائزة بطريق الإجماع بجميع أنواع المشركين. ( الحاشية على الروض 4 / 270 )
الوجه الثالث : أن فقهاء المسلمين أجازوا قتل ( الترس ) من المسلمين إذا كانوا أسرى في يد الكفار وجعل الكفار هؤلاء المسلمين ترسا يقيهم نبال المسلمين مع أنه لا ذنب لهؤلاء المسلمين المتترس بهم وعلى اصطلاحهم فإن هؤلاء أبرياء لا يجوز قتلهم وقد قال ابن تيمية رحمه الله : وقد اتفق العلماء على أن جيش الكفار إذا تترسوا بمن عندهم من أسرى المسلمين وخيف على المسلمين الضرر إذا لم يقاتلوا فإنهم يقاتلون وإن أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم. (الفتاوى 28 / 546 – 537 ، جـ 20 / 52 ) ، وقال ابن قاسم رحمه الله في الحاشية : قال في الإنصاف : وإن تترسوا بمسلم لم يجز رميهم إلا أن نخاف على المسلمين فيرميهم ويقصد الكفار ، وهذا بلا نزاع ( الحاشية على الروض 4 / 271)
.....................
ثم نقول لهؤلاء :
ماذا تقصدون بالأبرياء ؟
وهؤلاء لا يخلو جوابهم عن ثلاث حالات :
الحالة الأولى :
أن يكونوا من الذين لم يقاتلوا مع دولهم ولم يعينوهم لا بالبدن ولا بالمال ولا بالرأي والمشورة ولا غير ذلك ، فهذا الصنف لا يجوز قتله بشرط أن يكون متميزا عن غيره ، غير مختلط به ، أما إذا اختلط بغيره ولم يمكن تميزه فيجوز قتله تبعا وإلحاقا مثل كبار السن والنساء والصبيان والمرضى والعاجزين والرهبان المنقطعين ، قال ابن قدامة : ويجوز قتل النساء والصبيان في البيات ( الهجوم ليلا ) وفي المطمورة إذا لم يتعمد قتلهم منفردين ، ويجوز قتل بهائمهم يتوصل به إلى قتلهم وهزيمتهم ، وليس في هذا خلاف . ( المغني والشرح 10/ 503) وقال: ويجوز تبييت العدو ، قال أحمد بن حنبل لا بأس بالبيات ، وهل غزو الروم إلا البيات ، قال ولا نعلم أحدا كره البيات. ( المغني والشرح 10 / 503 ).
الحالة الثانية :
أو هم من الذين لم يباشروا القتال مع دولهم المحاربة لكنهم معينون لها بالمال أو الرأي ، فهؤلاء لا يسمون أبرياء بل محاربين ومن أهل الردء ( أي المعين والمساعد ) . قال ابن عبد البر رحمه الله في الاستذكار : لم يختلف العلماء فيمن قاتل من النساء والشيوخ أنه مباح قتله ، ومن قدر على القتال من الصبيان وقاتل قتل . الاستذكار ( 14 / 74 ) . ونقل الإجماع أيضا ابن قدامة رحمه الله في إباحة قتل النساء والصبيان وكبار السن إذا أعانوا أقوامهم , وقال ابن عبد البر رحمه الله : وأجمعوا على أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قتل دريد بن الصمة يوم حنين لأنه كان ذا رأي ومكيدة في الحرب ، فمن كان هكذا من الشيوخ قتل عند الجميع . التمهيد ( 16 / 142 ) . ونقل النووي -رحمه الله- في شرح مسلم في كتاب الجهاد الإجماع على أن شيوخ الكفار إن كان فيهم رأي قتلوا . ونقل ابن قاسم -رحمه الله- في الحاشية ، قال : وأجمعوا على أن حكم الردء حكم المباشر في الجهاد ، ونقل عن ابن تيمية -رحمه الله- هذا الإجماع ، ونقل عن ابن تيمية أيضا أن أعوان الطائفة الممتنعة وأنصارها منها فيما لهم وعليهم.
الحالة الثالثة :
أن يكونوا من المسلمين ، فهؤلاء لا يجوز قتلهم ما داموا مستقلين ، أما إذا اختلطوا بغيرهم ولم يمكن إلا قتلهم مع غيرهم جاز ، ويدل عليه مسألة التترس وسبق الكلام عنها .
وما يدندن حوله البعض عن الاعتذار للأبرياء دون معرفة من هم هؤلاء الأبرياء فإنما ذلك من آثار التأثر بالمصطلحات الغربية ووسائل الإعلام ، حتى أصبح من لم يُظن فيهم ذلك يرددون مصطلحات وعبارات غيرنا المخالفة للألفاظ الشرعية .
علما بأنه يجوز لنا أن نفعل بالكفار بمثل ما فعلوا بنا ، وهذا فيه رد وتبيين لمن ردد كلمة الأبرياء ، فإن الله سبحانه وتعالى أباح لنا ذلك ، ومن النصوص التي تدل على ذلك قوله تعالى ( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ) وقال تعالى ( والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون وجزاء سيئة سيئة مثلها).
ومن كلام أهل العلم في جواز الانتقام بالمثل :
قال ابن تيمية : إن المثلة حق لهم ، فلهم فعلها للاستيفاء وأخذ الثأر ، ولهم تركها ، والصبر أفضل ، وهذا حيث لا يكون في التمثيل بهم زيادة في الجهاد ، ولا يكون نكالا لهم عن نظيرها ، فأما إذا كان في التمثيل الشائع دعاء لهم إلى الإيمان أو زجر لهم عن العدوان ، فإنه هنا من باب إقامة الحدود والجهاد المشروع ، نقله ابن مفلح عنه في الفروع ( 6 / 218 ).
ويلزم لمن قال بمسألة قتل الأبرياء من دون تقييد ولا تخصيص أن يتهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- والصحابة ومن بعدهم بأنهم من قتلة الأبرياء على اصطلاح هؤلاء القائلين ، لأن الرسول نصب المنجنيق في قتال الطائف ، ومن طبيعة المنجنيق عدم التمييز ، وقتل النبي -عليه الصلاة والسلام- كل من أنبت من يهود بني قريظة ولم يفرق بينهم ، قال ابن حزم في المحلى تعليقا على حديث : عرضت يوم قريظة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان من أنبت قتل ، قال ابن حزم : وهذا عموم من النبي صلى الله عليه وسلم ، لم يستبق منهم عسيفا ولا تاجرا ولا فلاحا ولا شيخا كبيرا وهذا إجماع صحيح منه . المحلى ( 7 / 299 ) . قال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد : وكان هديه -صلى الله عليه وسلم- إذا صالح أو عاهد قوما فنقضوا أو نقض بعضهم وأقره الباقون ورضوا به غزا الجميع ، وجعلهم كلهم ناقضين كما فعل في بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع ، وكما فعل في أهل مكة ، فهذه سنته في الناقضين الناكثين . وقال أيضا : وقد أفتى ابن تيمية بغزو نصارى المشرق لما أعانوا عدو المسلمين على قتالهم فأمدوهم بالمال والسلاح ، وإن كانوا لم يغزونا ولم يحاربونا ورآهم بذلك ناقضين للعهد ، كما نقضت قريش عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- بإعانتهم بني بكر بن وائل على حرب حلفائه".
ويقول الشيخ حسين عمر بن محفوظ عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر قبل أن تعلن جماعة قاعدة الجهاد مسؤوليتها عنها:
"والعجيب أن يتسابق مرضى القلوب وضعاف النفوس إلى الإسراع بنفي التهمة عن الإسلام والمسلمين كأن الإسلام هو المتهم الأول، فنرى ونسمع ونقرأ في هذه الأيام في أجهزة الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة من يتصدر للإفتاء فيقول إنّ الإسلام بريء من مثل هذه الأعمال أو يقول: الإسلام لا يقر قتل الأبرياء والإسلام دين السلام لا الإرهاب... ونحو ذلك من العبارات التي يرضون بها اليهود والنصارى وأذنابهم، فهؤلاء وأمثالهم لا هم لهم في كل حدث جسيم ينال اليهود والنصارى إلاّ أن يضعوا الإسلام والمسلمين في موضع الشبهة وقفص الاتهام.. ومع أنّ أمريكا بأجهزتها واستخباراتها عاجزة عن تحديد الجهة المنفذة لتلك العمليات، ولا تملك دليلاً واحداً ولو مظنوناً على قيام المجاهدين في سبيل الله بتفجيرات نيويورك وواشنطن، إلاّ أنّ احتمال أن يكون المجاهدون هم وراء تلك العمليات يبقى وارداً، وإن ثبت أنّ تلك العمليات قام بها المجاهدون فينبغي أن يكون ذلك فخراً للمسلمين، أن يكون في أمة الإسلام من تمكن من ضرب أمريكا في عقر دارها بهذا التخطيط البارع والمبتكر، وبتلك الشجاعة المنقطعة النظير، فضرب منشئات أمريكا الحيوية الاقتصادية كبرجي التجارة بنيويورك واستهداف أهم إداراتها العسكرية كالبنتاجون بؤرة الشر والإجرام حيث تحاك فيها المؤامرات على الإسلام والمسلمين، ويخطط فيها الخطط العسكرية لاحتلال بلاد المسلمين وللسيطرة على ثغور الإسلام ولنهب خيرات الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، مكسب عظيم للمسلمين، لأنه بالدرجة الأولى إسقاط لهيبة أمريكا المصطنعة، ونقل للمعركة إلى أرضها، وإضعاف لاقتصادها، وتدمير لمنشآتها الحيوية، لتجرئة المسلمين عليها، ولإزالة حاجز الخوف النفسي والذي خيم - وللأسف الشديد - على نفوس كثير من المسلمين ظانين بالله ظن السوء، معتقدين أنّ أحداً لن يقدر على ضرب أمريكا.!!
فأقول: أتمنى أن يكون وراء تلك التفجيرات مسلمون، لننفض عن أجسادنا غبار الانهزامية المذلة، ولنشم عبق العزة والكرامة، في زمن استمرأنا فيه الذل والصغار والهوان والانكسار ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العليّ العظيم...
...............
كل هذه الاحتمالات واردة، وأياً كانت الجهة المنفذة لتلك التفجيرات، فعلى المسلمين أن يفرحوا بذلك، لأن أمريكا عتت في الأرض عتواً كبيراً، وطغت وتجبرت، وناصبت الإسلام العداء بل وجاهرت به في كل المحافل الدولية، وانتهكت حقوق الإنسان في كل أرجاء الأرض - تقريباً - فأقل الأحوال أن نعلم أنّ ما جرى لها عقوبة قدرية من الله تعالى (وَسَيَعْلَمُ الَّذِيْنَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُوْنَ) [ الشعراء: 227 ]" .
وقال الشيخ أبو محمد المقدسي -فك الله أسره- في رد شبهات المعترضين على أحداث الحادي عشر من سبتمبر:
"المسألة الثامنة : إن وجود المسلمين أو وجود مصالح لبعضهم في ديار الكفر لا يمنع من جهاد الكفار ؛ نعم إن كانوا متميزين وأمكن تجنب قتلهم فذلك واجب لحرمة دم المسلم حيث كان ما لم يقترف ما يقطع العصمة، لكن وجودهم لا يجوز أن يصير ذريعة وسببا لتعطيل جهاد الكفار بدعوى أنهم سيتضررون أو ستتضرر دنياهم ومصالحهم بسبب الجهاد !! تماما مثلما أن وجود المسلمين في فلسطين المحتلة لا يعطل جهاد اليهود؛ بل هو في جهاد الكفار في ديار الكفر الأصلية أولى..
فليس من عالم ولا جاهل يمنع اليوم من جهاد اليهود أو يبطله بدعوى أن في فلسطين المحتلة مسلمين مستضعفين قد يصابون في القتال أو يتضررون ويؤذون وتهدم منازلهم بسبب الجهاد.. فكذلك الشأن في سائر بلاد الحرب والكفر الأصلية ؛ بل هو جائز فيها من باب أولى؛ وأولى أن لا يمنع أو يعطل الجهاد هناك بدعوى وجود المسلمين ومصالحهم ..
إذ بلاد المسلمين المحتلة أغلبيتها من المسلمين المستضعفين المعذورين في إقامتهم ؛ وإقامة المسلم في بلده التي دهمها الكفار واحتلوها لا حرج فيها إن كان من المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ..أو كان مقيما على العمل لأجل تخليصها من الكفار ، بخلاف إقامته في ديار الكفر الأصلية لغير ضرورة أو لأجل غايات ومصالح دنيوية فإنها مذمومة غير مشروعة ..
قال تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً) (النساء:97)
وفي الحديث الذي يرويه الترمذي وغيره عن جرير بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى خثعم فاعتصم ناس بالسجود ، فأسرع فيهم القتل ،فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأمر لهم بنصف العقل ؛ وقال : أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين. قالوا: يا رسول الله ولم ؟ قال : لا ترايا ناراهما).
وفي رواية النسائي : ( .. برئت الذمة ممن أقام بين المشركين )
وعليه فإن ما يشقشق به رهبان السلاطين ومشايخ الفضائيات من إعمال قاعدة المفاسد والمصالح هاهنا ؛ إنما يمرروه ويسخروه لمصالحهم الدنيوية !! لا لمصالح الدين العظيمة والضرورية ؛ ومعلوم لكل أحد أن مصلحة التوحيد والدين والجهاد الكلية العامة ؛ مقدمة على المصالح الشخصية الدنيوية .. فليعتبر هذا كل مخلص عند الموازنة بين المفاسد أوالمصالح .. وليعلم أن الله عز وجل قد بين في كتابه أن الفساد الذي قد يحصل من الجهاد ومدافعة الكفار؛ لا شيء مقارنة بالفساد الحاصل في ترك الجهاد ، ولذلك نبه سبحانه على مفاسد ترك الجهاد وأهمل ذكر ما قد يقع من المفاسد بسبب الجهاد ،فقال عز وجل : ( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ )
وقال : ( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) (الحج: من الآية40)" .
و- أما قوله إن تفجير الطائرات والعمارات لا ضرورة له، فهذا رأيه المتماشي مع المقدمات الست والمحظورات الست والخيارات الست والموانع الستة.
وأكرر هنا قول ابن تيمية رحمه الله : "ولا يترك الجهاد الواجب لأجل من يقتل شهيداً" .
ثم إن الكاتب يتكلم عن تدمير الطائرات والعمارات، فلماذا لم يشر للبنتاجون؟ وهو في هذا السياق متماش مع الدعاية الغربية الصليبية، التي تتجاهل البنتاجون، وتركز فقط على برجي التجارة.
5- ثم تكلم الكاتب عن التأشيرة، وأنها أمان، وأن من يستخدمها للنكاية في الكفار غادر، فقال:
"- حقيقة عقد الأمان عصمة الدم والمال.
السبب الثاني: أن من دخل بلاد الكفار بأمانهم لا يحل له أن يخونهم في شيء. والتأشيرة اليوم هي إذن دخول، وهي بلا شك عقد أمان منهم لمن أذنوا له بدخول بلادهم لعمل أو تجارة أو دراسة أو سياحة ونحوها، لأن حقيقة عقد الأمان عصمة الدم والمال، والمسلم إذا دخل بلاد الكفار اليوم فإنهم يحترمون دمه وماله وإذا اعتدى عليه أحد يهتمون بذلك ويحاكمون من اعتدى عليه ويعوضونه. فليس هو مهدراً عندهم. فيجب على هذا المسلم الوفاء لهم لقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ..﴾ (المائدة: 1)، حتى قال محمد بن الحسن الشيباني في كتابه (السير الكبير): "أن المسلم إذا زور خطهم ودخل به بلاد الكفار وصدقوه، وجب عليه الوفاء لهم". هذا حاصل كلامه، (وتزوير خطهم) هو ما يسمى اليوم بالتأشيرة المزورة،
.....
والكفار ما أعطوه الأمان وسمحوا له بدخول بلادهم لكي يخونهم بل على أن يؤمنهم فيجب عليه ذلك، وإن لم يشترطوا عليه صراحة لأنه مفهوم، وتنص القاعدة الفقهية على أن (المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً)".
وقد رددت على هذا تفصيلاً في الباب السابع عن التأشيرة والأمان.
6- المجاهدون لما هاجموا الغرب في عقر داره بالعمليات الاستشهادية لم يهاجموه لأنهم غادرون، ولا لشهوة في إراقة الدماء، ولا لأنهم أنصاف مجانين، ولا لأنهم يعانون من الإحباط والفشل، كما يحلو للكثيرين أن يصوروا، ولكنهم هاجموه مضطرين ليدفعوا عن أمتهم وحرماتهم عدواناً بشعاً متصلاً من قرون، ولأنهم لا وسيلة أخرى لهم في دفع هذا العدوان سوى العمليات الاستشهادية، وسوى إصابة الغرب في مقتل وضرب اقتصاده ومراكز قيادته، وهم في هذا كله في جهاد دفع راعوا فيه أحكام الشرع واستفتوا العلماء الصادقين الأحرار، وابتغوا بذلك رضوان الله. والله من وراء القصد.




























الفصل الثالث عشر
ملاحظات على ما ورد بالحلقة الثامنة
1- يقول كاتب الوثيقة: "وبقيت كلمة أخيرة في هذا البند، وهي للمسلمين المقيمين في البلاد الأجنبية والذين يقدم بعضهم على إلحاق الأذى بهذه البلاد وأهلها. فبالإضافة إلى ما ذكرته في هذا البند من الموانع التي تحول دون تنفيذ عمليات حربية في هذه البلاد، فإنني أقول: إنه ليس من المروءة أن تنزل بقوم ولو كانوا كافرين غير معاهدين يأذنون لك في دخول دارهم والإقامة بها ويؤمنونك على نفسك ومالك ويمنحونك فرصة العمل أو التعليم لديهم أو يمنحونك حق اللجوء السياسي مع الحياة الكريمة لديهم ونحو ذلك من أعمال المعروف ثم تغدر بهم تقتيلاً وتخريباً".
وأنا أسأل:
هل من المروءة أن يرى المسلم إخوانه المسلمين يقتلون ويشردون ويعذبون وتسرق ثرواتهم، ويسلط على بلادهم الحكام الفاسدون، وهو يتودد للمجرمين المعتدين لأنهم اشتروا رضاه بفتات من الدنيا. يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ {8} إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ويقول الحق تبارك وتعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ ويقول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا {75} الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾.
أخرج الإمام البخاري رحمه الله:
"عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ تَعِسَ وَانْتَكَسَ وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَشْعَثَ رَأْسُهُ مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ إِنْ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ" .
2- ثم تكلم الكاتب عن الشيعة وقتل الشيعة، وأنا أود أن أوضح أمراً، وهو أن الأخ الشهيد أبا مصعب الزرقاوي -رحمه الله- بعد أحداث تلعفر، التي اعتدت فيها المليشيات الشيعية على أعراض المسلمين أصدر بياناً بقتال عموم الشيعة في العراق، اهتمت به وسائل الإعلام اهتماماً بالغاً، ثم بعد يومين أصدرت الهيئة الشرعية لتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين بياناً، وضح وبيّن مبهم البيان الأول، الذي صدر كرد فعل للمآسي الشنيعة التي ارتكبت في تلعفر، وحددت فيه أن تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين لا يستهدف عموم الشيعة، ولكنه يستهدف المليشيات العميلة مثل قوات بدر، وهو البيان الذي تجاهلته وسائل الإعلام.
3- ثم بقية الحلقة إما أمور قد رددت عليها سابقاً، وإما أمور ليس من المهم التعرض لها، لأن ما سكتُ عنه ليس كله صواباً، ولكني أركز على النقاط الهامة، وإما سباب وشتائم و(نحوها).





































الفصل الرابع عشر
ملاحظات على ما ورد بالحلقة العاشرة
1- قال كاتب الوثيقة: "لم تبح الشريعة لآحاد الرعية معاقبة عامة الناس أو إقامة الحدود عليهم ولا يستثنى من ذلك إلا إقامة المسلم الحدود على عبيده".
أقول هذا كلام غير صحيح وغير منضبط، فإن هذا يصح في وجود الحاكم المسلم، أما إذا خلا الزمان عن حاكم مسلم فيجب على المسلمين إقامة الفرائض الشرعية على قدر إمكانهم. قال إمام الحرمين الجويني رحمه الله:
"أما ما يسوغ استقلال الناس فيه بأنفسهم لكن الأدب يقتضي فيه مطالعة ذوي الأمر ومراجعة مرموق العصر كعقد الجُمَع وجر العساكر إلى الجهاد واستيفاء القصاص في النفس والطرف فيتولاه الناس عند خلو الدهر ، ولو سعى عند شغور الزمان طوائف من ذوي النجدة والبأس في نفض الطرق عن السعاة في الأرض بالفساد فهم من أهم أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنما ينهى آحاد الناس عن شهر الأسلحة استبداداً إذا كان في الزمان وزر قوام على أهل الإسلام، فإذا خلى الزمان عن السلطان، وجب البدار على حسب الإمكان إلى درء البوائق عن أهل الإيمان، ونهينا الرعايا عن الاستقلال بالأنفس من قبيل الاستحثاث على ما هو الأقرب إلى الصلاح، والأدنى إلى النجاح، فإن ما يتولاه السلطان من أمور السياسة أوقع وأنجع وأدفع للتنافس وأجمع لشتات الرأي في تمليك الرعايا أمور الدماء وشهر الأسلحة وجوه من الخبل لا ينكره ذوو العقل، وإذا لم يصادف الناس قواماً بأمورهم يلوذون به، فيستحيل أن يؤمروا بالقعود عما يقتدرون عليه من دفع الفساد؛ فإنهم لو تقاعدوا عن الممكن، عم الفساد البلاد والعباد، وإذا أمروا بالتقاعد في قيام السلطان، كفاهم ذو الأمر المهمات وأتاها على أقرب الجهات.
وقد قال العلماء: لو خلى الزمان عن السلطان فحق على قطان كل بلدة وسكان كل قرية أن يقدموا من ذوي الأحلام والنهى وذوي العقول والحجى من يلتزمون امتثال إشارته وأوامره وينتهون عن مناهيه ومزاجره" .
بل لقد أجاز الإمام الغزالي رحمه الله لآحاد الرعية أن يجمعوا السلاح ويقاتلوا الظالم الذي لا يرتدع إلا بذلك، ولكنه ذكر أن في المسألة خلافاً بين العلماء. قال -رحمه الله- عن درجات الحسبة:
"الدرجة الثامنة: أن لا يقدر عليه بنفسه ويحتاج فيه إلى أعوان يشهرون السلاح. وربما يستمد الفاسق أيضاً بأعوانه ويؤدي ذلك إلى أن يتقابل الصفان ويتقاتلا. فهذا قد ظهر الخلاف في احتياجه إلى إذن الإمام. فقال قائلون: لا يستقل آحاد الرعية بذلك لأنه يؤدي إلى تحريك الفتن وهيجان الفساد وخراب البلاد.
وقال آخرون: لا يحتاج إلى الإذن - وهو الأقيس - لأنه إذا جاز للآحاد الأمر بالمعروف وأوائل درجاته تجر إلى ثوان والثواني إلى ثوالث. وقد ينتهي لا محالة إلى التضارب. والتضارب يدعو إلى التعاون فلا ينبغي أن يبالي بلوازم الأمر بالمعروف. ومنتهاه تجنيد الجنود في رضا الله ودفع معاصيه. ونحن نجوز للآحاد من الغزاة أن يجتمعوا ويقاتلوا من أرادوا من فرق الكفار قمعاً لأهل الكفر. فكذلك قمع أهل الفساد جائز لأن الكافر لا بأس بقتله والمسلم إن قتل فهو شهيد. فكذلك الفاسق المناضل عن فسقه لا بأس بقتله. والمحتسب المحق إن قتل مظلوماً فهو شهيد. وعلى الجملة فانتهاء الأمر إلى هذا من النوادر في الحسبة. فلا يغير به قانون القياس. بل يقال: كل من قدر على دفع منكر فله أن يدفع ذلك بيده وبسلاحه وبنفسه وبأعوانه. فالمسألة إذن محتملة" .
2- ثم تكلم كاتب الوثيقة عن النصارى، وأود أن أنتهز هذه الفرصة لأتوسع قليلاً فأقول:
نحن -عندما كنا في جماعة الجهاد- لم نقم بأعمال ضد النصارى، وقد كان اجتهادنا أن مواجهة النصارى أمر غير عملي لسببين:
الأول: أنهم -على عداء قيادتهم للمسلمين- فهم قوة هينة بالمقارنة بالصليبيين الغربيين وعملائهم المحليين، الذين يعدون العدو الأخطر. وأما النصارى فيكتفى بمراقبتهم، وعدم استفزازهم أو التورط معهم في معارك جانبية تصرفنا عن المجهود الرئيسي، وهي رسالة ما أدري هل فهمها النصارى أم تعمدوا عدم فهمها؟
الأمر الثاني: أن النصارى هم جيران الوطن، وأن الاحتلال الصليبي اليهودي زائل لا محالة بإذن الله، وهم باقون في ديارنا، وقد أمرنا الله أن نحسن لمن أحسن منهم.
والمتتبع للسياق العام لتاريخ المسلمين مع أهل الكتاب عامة والنصارى خاصة، لا يجد النظرة العنصرية الغربية، فنحن لم ننشئ محاكم التفتيش لنصارى مصر، كما أنشأها نصارى الأندلس للمسلمين، وكان ذلك بإمكاننا،
يقول أخونا الشيخ أبو محمد المقدسي فك الله أسره، في كتابه القيم (التحفة المقدسية في مختصر تاريخ النصرانية) وهو يتحدث عن نصارى الشرق لما قبلوا بالدخول تحت سلطان الدولة المسلمة:
" حتى نعم هؤلاء في ظل حكم الإسلام بأمن وأمان لم يحلموا بمثله في ظل أي حكم آخر، ولا عايشوه من قبل، ولا حتى في حكم قسطنطين الذي كان أول من أظهر ديانتهم وجعلها دين الدولة وفرض أناجيلها وعقائدها الشركية بقوة سلطانه ..! إذ قد تقدم أنه كان ينكل ويقتل كل مخالف لما قرره بقوته في مجامعه وإن كان من أكبر قساوستهم .. وهذا ما لم يتعرض لمثله النصارى في ظل حكم الإسلام الذي أقرهم على دينهم بشرط دفعهم الجزية ونزولهم تحت أحكام دولة الإسلام.
يقول فيكتور سحاب في كتابه (من يحمي المسيحيين العرب) ص26 فصاعدا: ( لا شك أن المسيحيين المخضرمين الذي عاصروا الفتح الإسلامي هم أكثر من لمس الأمر بوضوح، إذ انتقلوا فجأة من سلطان دولة كانت تضطهدهم اضطهاداً وصفه بعض المؤرخين العصريين في أوروبا بأنه لا يشبه حتى أعمال البهائم، إلى سلطان دولة حافظت لهم على أديارهم وبيعهم، كما خيرتهم بين اعتناق الإسلام ،والبقاء على دينهم بشرط الدخول في ذمة المسلمين، أي بشرط الانضمام إلى دولة الإسلام ورفض القتال مع أعدائها، وكان (ألكيروس الكنيسة المصرية) متخفياً في الصحاري هربا من المذابح البيزنطية. فلما جاء الفتح الإسلامي عادت الكنيسة المصرية إلى حرّيّتها الكاملة علناً( )، ولقد كان في الإسلام متسع للنصارى لم يكن متاحاً لهم شيء منه في دولة بيزنطية.
وتمتعت المذاهب المسيحية العربية على اختلافها بعد ظهور الإسلام؛ بالحرية التي كانت تقاتل من أجلها تحت حكم بيزنطة، ووقت كانت جميع الدول لا ترضى بدين آخر داخل تخومها( ) أهـ.
وعندما جمع هرقل جيشاً ضخماً لمواجهة المسلمين كتب أبو عبيدة إلى عمال المدن المفتوحة في الشام يأمرهم برد ما جبوه من الجزية من أهلها وكتب إلى الناس: "إنما رددنا عليكم أموالكم لأنه بلغنا ما جمع لنا من الجموع وأنكم اشترطتم أن نمنعكم ونحن لا نقدر على ذلك الآن وقد رددنا ما أخذنا منكم".
إنه ديننا دين عظيم، كفلت شرائعه العدالة لرعايا دولته الخاضعين لأحكامها، ولا تتبدل تلك الشرائع، ولا تتغير عدالتها .. بل هي محفوظة بحفظ الذكر الذي تكفل الله بحفظه إلى أن يرث سبحانه الأرض ومن عليها؛ رغم الأساليب والممارسات المقابلة التي عامل بها النصارى الصليبيون المسلمين ، عندما غزوا بلادنا، أو عندما صارت لهم الدولة والصولة في بعض بلاد المسلمين.
فيوم استولى الصليبيون على بيت المقدس في (15/1/1099م) ذبحوا نحو (70) ألف مسلم، ولم يرحموا الشيوخ ولا الأطفال ولا النساء في مذبحة استمرت 3 أيام، ولم تنته إلا بعد أن أعياهم الإجهاد من القتل، حيث حطموا رؤوس الصبيان على الجدران، وألقوا بالأطفال الرضع من أسوار الحصون وشووا الرجال على النار وبقروا بطون الحوامل .. وهذا كله مدوّن في تواريخ النصارى أنفسهم ؛ فضلا عن تواريخ المسلمين .
وأما صلاح الدين فإنه لما استعاد بيت المقدس من أيديهم بعد (90) سنة من هذه المجزرة؛ لم يعاملهم بالمثل، ولما سُلمت له الحامية النصرانية هناك؛ أمّنهم على حياتهم ،وكانوا أكثر من (100) ألف، وأعطاهم مهلة للخروج في سلام ولم يقتل أحدا منهم، ولا فعل مثلما فعل (ريكاردوس) الإنجليزي الذي قتل أمام معسكر المسلمين 3 آلاف سلموا أنفسهم إليه؛ بعد أن قطع على نفسه العهد بحقن دمائهم !!
وهكذا كانت عهودهم دوماً مع المسلمين، ففي الأندلس عقد المسلمون في غرناطة معاهدة التسليم من الملكين (فردينا وإزابيلا) لكنهما نقضا العهد ؛ وقتل من المسلمين ما يقرب من ثلاثة ملايين!!
وما محاكم التفتيش التي جرت بعد ذلك على سمع وبصر العالم كله لمسلمي الأندلس بخافية على أحد؛ ويكفي كي يعرف المرء الفرق في التعامل بيننا وبينهم؛ أن يعلم أن الملكة إيزابيلا قد أصدرت عام (1502م) مرسوماً يخيّر جميع الأندلسيين بين التنصير أو الرحيل !! ومن لم يرض بهذا أو بذاك ؛ نال مصيره المحتوم الذي سمعت به الدنيا كلها ولم يخف على أحد.
أما في عصرنا الحديث فما أظن أن المجازر التي ارتكبها عباد الصليب في جميع أنحاء المعمورة قد غابت عن ذاكرة أهل العصر، فالعهد بمجازر صبرا وشاتيلا ما زال قريباً، فبرغم تخلي أكثر أهل ذلك المخيم عن دينهم وتحللهم من إسلامهم إلا من الهوية والأسماء ـ إلا من رحم الله وقليل ماهم ـ؛ فقد كان ذبح النساء والشيوخ والأطفال الرضع يتم على أساس أنهم قد شموا رائحة الإسلام في يوم من الأيام!! بدليل نجاة كل من انتسب إلى عباد الصليب من العاملين في المستشفيات أو الإغاثة في ذلك المخيم ،واستئصال شأفه من سواهم من المنتسبين للإسلام.
أما في البوسنة والهرسك وكوسوفا والفلبين وأندونيسيا في جزر الملوك وغيرها .. فلا تسل عن المذابح والمجازر التي تمت على أساس حقد عباد الصليب على دين المسلمين، ولم يراعوا في ذلك أدنى آداب الحروب والعهود والأخلاق، ولم يستثنوا طفلاً أو امرأة أو شيخا" .
وأزيد على ما قاله الشيخ أبو محمد المقدسي فك الله أسره، فأذكر نصارى مصر بمذبحة سربينتسا في البوسنة التي قتل فيها وحدها الصرب الأرثوذكس -إخوانهم في المذهب- أكثر من (7000) مسلم تحت سمع وبصر قوات الأمم المتحدة بزعامة العميل حفيد العميل بطرس بطرس غالي.
نحن لم نقم لكم محاكم التفتيش كما أقامها إخوانكم لإخواننا، ولم نقم لكم المذابح التي أقامها إخوانكم لإخواننا في سربينتسا وصابرا وشاتيلا.
وأذكركم بقول الشيخ أسامة بن لادن في خطابه للشعب الأمريكي في سبتمبر 2007:
"إن أخلاق ثقافة المحرقة هي ثقافتكم، وليست ثقافتنا، بل إن تحريق الكائنات الحية محرم في ديننا، حتى وإن صغرت كالنمل. فما بالكم بالبشر؟ فمحرقة اليهود قام بها إخوانكم في وسط أوروبا، ولو كانت قريبة من بلادنا لنجا معظم اليهود باللجوء إلينا، ودليلي على ذلك؛ ما فعله إخوانكم الأسبان، عندما أقاموا محاكم التفتيش الرهيبة للمسلمين واليهود، فلم يجد أؤلئك اليهود ملاذاً آمناً إلا باللجوء إلى بلادنا، ولذلك فإن الجالية اليهودية في المغرب هي من أكبر الجاليات في العالم، وهم أحياء عندنا، ولم نحرقهم، ولكننا قوم لا ننام على الضيم، نرفض الذل والهوان، ونثأر من أهل البغي والعدوان، ولن تذهب دماء المسلمين هدر، وإن غداً قريب لمن انتظر. ثم إن إخوانكم النصارى يعيشون بيننا منذ أربعة عشر قرناً، ففي مصر وحدها ملايين النصارى، لم نحرقهم، ولن نحرقهم".
وأرجو أن يفهم النصارى أننا نريد أن نقيم دولة إسلامية، وكل أمة تختار مرجعيتها التي تنشأ على أساسها نظمها وقوانينها ومعاملاتها، وإذا كان الغرب قد اختار الانتماء الوطني والدولة العلمانية وأغلبية المصوتين كمرجعية له، فإننا نعتقد أن الإسلام هو مرجعيتنا وعقيدتنا، وهي عقيدة ومرجعية يطمئن لها القلب والعقل. لأن الله هو الخالق الرازق، وهو أيضاً الحكم العدل. أما مرجعية الغرب فلا أساس لها من خلق ولا مبدأ، فكل شيء عندهم مقبول إذا حاز الأغلبية دون نظر لخلق أو مبدأ.
ولذلك فإن الغرب يقسم الناس على أساس مرجعيته، فمن يحمل الجنسية من أبناء الوطن يتمتع بالحقوق كاملة، ومن لا يحمل الجنسية لا يتمتع بنفس الحقوق. فالإنجليزي أو الفرنسي مهما عاش في أمريكا وأنفق أو تملك ودفع من الضرائب لا يملك أن يكون رئيساً ولا نائباً في الكونجرس، ولا حتى مصوتاً في الانتخابات.
ونحن أيضاً نرى أن دار الإسلام بمثابة البلدة الواحدة، وأن كل المؤمنين إخوة متساوون، وغيرهم لا يتمتع بنفس الحقوق التي يتمتعون بها، كما لا يتمتع الإنجليزي في أمريكا بنفس حقوق الأمريكي.
وهذه الدولة الوطنية فرضت علينا بحدود سايكس بيكو بالقوة والقهر والتزوير، وهي زائلة لا محالة إن شاء الله، لأنها أمر طارئ فرض بالقوة على الأمة المسلمة، التي عاشت تحت دولة واحدة حتى عام 1924م، والأمر الطارئ المفروض لا بد أن يزول، لأنه يخالف حقائق الأشياء وطبائعها.
وهذا التقسيم حسب مرجعية الإسلام ليس ظلماً لأحد، فكما ينادي أصحاب العقيدة الوطنية الضيقة المفرقة للأمة المسلمة بالتساوي بين كل أهل مصر، لأنهم يعيشون في وطن واحد متجاورين، نرد عليهم السؤال، فنقول: ولماذا تفرقون بين المسلم في رفح المصرية وجاره المسلم في رفح الفلسطينية على مرمى حجر منه، وربما يكونان أبناء أسرة أو عشيرة واحدة، وتطالبونه بأن يتحد مع النصراني في أقصى جنوب مصر، وكذلك الأمر في المسلم في السلوم، والمسلم في ليبيا، وهم قبائل واحدة، وكذلك الأمر بالنسبة للمسلم في حلايب والمسلم في السودان.
إذن فكل مرجعية تجمع وتفرق على أساس الانتماء لها، وكما يرى الوطنيون أن للدول الوطنية القومية الحق في تقسيم الناس على حسب الانتماء للوطن، يرى المسلمون أن من حقهم أن يفرقوا بين الناس على أساس الانتماء للإسلام.
ومرجعية الإسلام أعلى وأسمى وأقوى وأكثر قبولاً لدى العقل والقلب من مرجعية الوطن الضيقة أو مرجعية أغلبية المصوتين التي لا تعرف حقاً ولا باطلاً، وتجيز كل ما حاز على الأغلبية.
وأنصح النصارى في مصر بثلاثة أمور:
الأول: هو الحذر كل الحذر من الوقوف في صف الصليبيين وعلى رأسهم أمريكا، وعملائهم وعلى رأسهم حسني مبارك ضد المسلمين. إن المعركة على أشدها بيننا وبينهم، فلا تحشروا أنفسكم فيها، فنحن لا نريد معركة معكم.
وفي هذا الصدد فإن تأييد الكنيسة لحسني مبارك في الانتخابات الأخيرة، يعد عملاً عدائياً ضد المسلمين، بل وضد كل الشرفاء والمظلومين في مصر، كانت الكنيسة في غنى عنه.
الأمر الآخر: أن تقرأوا التاريخ جيداً، وتستشرفوا المستقبل على أساسه، فأمريكا قد انكسرت في العراق وأفغانستان، وهي تجمع متاعها وتلملم ما تبقى من عتادها لترحل، والأمة المسلمة وطليعتها المجاهدة في المقابل يزداد تمكنهما وقوتهما فترة بعد فترة. هذا هو الخط التاريخي العام، الذي يقرأه بوضوح أي عاقل متبصر بالأمور.
ولذلك فلا تستفزوا المسلمين وطليعتهم المجاهدة، وهم لا يودون أن يبدأوا معركة معكم، وفي هذا السياق فإن المسلمين لا يمكن أن ينسوا ما حدث لوفاء قسطنطين وأخواتها، وكيف بعن بالضغط الأمريكي للكنيسة المصرية ليقبعن في سجونها، لا يدري عنهن أحد شيئاً، في صمت مريب متآمر من هيئات الدفاع عن حقوق الإنسان، بل ومن أمريكا التي تحاسب مصر على عدم توفيرها للحرية الدينية. لقد تم تسليم وفاء قسطنطين وأخواتها لمعتقلات الكنيسة المصرية بضغط أمريكي مباشر وبخيانة من مشيخة الأزهر، التي تنازلت عن كل عقيدتها بل وعن البقية الباقية في قلوب الرجال من الحمية والغيرة والكرامة.
الأمر الثالث: الذي أنصح النصارى به، هو ألا يتوقعوا من الأمريكان أن يعاملوهم أفضل مما يعامل به الأمريكان نصارى أمريكا اللاتينية أو نصارى الزنوج في أمريكا. لقد كان والد مالكوم إكس قسيساً، ومع ذلك قتله البيض المتعصبون، ووضعوا رأسه تحت عجلات الترام فهشمتها، وكان مارتن لوثر كنج قسيساً داعياً للمقاومة السلمية، ومع ذلك قتله المتعصبون البيض. ونصارى مصر –حتى لا ينسوا- أيضاً هم عند الأمريكان البيض ملونون.
ونصيحتي أيضاً للمسلمين في مصر خاصة والشرق عامة، بأن يفرقوا بين النصارى كما علمهم القرآن الكريم، حيث يقول الحق سبحانه وتعالى:
﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ {8} إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
فهناك من النصارى من يحرص كل الحرص على تحسين علاقته مع المسلمين، وهناك من النصارى من لا يقبلون بالاحتلال الصليبي اليهودي لبلاد العرب والمسلمين، وهناك من النصارى من يقاومون هذا الاحتلال أيا كانت بواعثهم، وهناك من النصارى عرب أقحاح تأبى عليهم حميتهم العربية أن يتقبلوا احتلال اليهود لفلسطين والوجود الأمريكي في بلاد العرب والمسلمين، وهناك من النصارى من يفخرون بأصلهم العربي، ويفخرون بنبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، كأحد عظماء العرب والبشرية.
كما قال الشاعر النصراني المهاجر الذي لا يحضرني اسمه:
وحد الله فالمؤذن وحد وبذكرى النبي في العيد أنشد
وكفى العرب فخرهم بانتساب لنبي هو النبي محمد
كل هؤلاء لا يمكن أن نسوي بينهم –بناءً على أمر القرآن الكريم- وبين من يقدمون أنفسهم كعملاء للأمريكان واليهود. والله أعلم ومنه التوفيق.
3- ثم تكلم كاتب الوثيقة عمن يدعو لقتل كل اليهود والصليبيين، وأظنه يعني الجبهة الإسلامية العالمية لجهاد اليهود والصليبيين، وأود أن أنبه الكاتب المدقق المحقق، أن اسم الجبهة كان (لجهاد) وليس (لقتل) اليهود والصليبيين، فأرجو التدقيق والتحقيق.
الأمر الثاني أن الصليبيين مصطلح لمن شن ويشن الحملات الصليبية على المسلمين، أما اليهود فهم طائفة مشاركة في إنشاء إسرائيل، والتفرقة بين اليهود والصهيونيين غير ذات معنى، لأن اليهود في أغلبهم الأعم يساندون إسرائيل، والنادر لا حكم له.




























الفصل الخامس عشر
ملاحظات على ماورد بالحلقة الحادية عشرة
1- يقول الكاتب: "إن من له إمام أو أمير لا يجوز أن يفعل شيئاً من ذلك إلا بإذنه
...................
أما أن يكون الرجل له أمير وقد بايعه، ثم يقوم بدون إذن أميره وبدون إعلامه بأعمال من جنس الجهاد تعود بتدمير الإمارة كلها وزوال الدولة
................
يكون بذلك قد نكث بيعته مع أميره وخان وغدر...
ينكث ويغدر ويهرب...".
أقول: طبعاً الكاتب يشير للشيخ أسامة بن لادن حفظه الله. وأطمئن الكاتب أني لن أجاريه في أسلوبه الوصفي في الترشيد! ولكني أود أن أوضح بضعة حقائق، وأرجو ألا يتوقع الكاتب مني والمعركة على أشدها وقد سقط من المجاهدين أسرى، أن أروي له القصص والأخبار. ولكني أشير لأمور قد يستفيد منها كل ذي عقل ودين.
أ- منذ صيف عام 1997 وحتى يوم 10/ 9/ 2001 والأمريكان في سعي دؤوب لضرب القاعدة وإمارة أفغانستان الإسلامية، وسأسرد هنا بعض الوقائع:
(1) منذ صيف عام 1997م بدأت المخابرات المركزية الأمريكية تناقش خططاً للعمل ضد بن لادن . ومنذ خريف عام 1997 حتى يونيو 1998 أعدت السي آي إيه خطتين لاختطاف ابن لادن بواسطة عناصر عميلة في القبائل البشتونية، الأولى بكمين يترصده في حركته من قندهار لمجمعه السكني خارجها، وزعم العملاء القبليون أنهم حاولوا وفشلوا! أما الثانية فكانت عن طريق هجوم ليلي يقوم به عملاء من القبائل على سكن بن لادن للقبض عليه ونقله للمحاكمة في أمريكا أو في بلد عربي. وقد تم التصديق على الخطة الأخيرة والتدرب عليها عدة مرات، وحدد يوم 23 يونيو 1998 لتنفيذها، ولكن الخطة ألغيت في آخر مايو 1998 خوفاً من الخسائر وعدم قدرة القبائل على الحصول على بن لادن حياً .
أي أن أمريكا كانت تعد لخطف بن لادن قبل إعلان الجبهة الإسلامية العالمية لجهاد اليهود والصليبيين في فبراير 1998.
(2) وفي العشرين من أغسطس 1998 أطلقت أمريكا وابلاً من الصواريخ على المعسكرات في خوست، فقتلت قرابة ثلاثين شهيداً، في محاولة منها لقتل الشيخ أسامة بن لادن ومعاونيه.
(3) ما بعد الصواريخ:
(أ) بدأ الجنرال شِلتون منذ يوم إطلاق الصواريخ في إصدار أمر تخطيط لمتابعة الضربات، وللتفكير فيما هو أكثر من مجرد استخدام صواريخ كروز، وكانت الضربات المبدئية قد أعطيت الاسم الرمزي (الوصول اللامتناهي)، بينما أعطيت خطط المتابعة الاسم الرمزي (العزم اللامتناهي) .
(ب) بدأ ريتشارد كلارك بعد حملة الصواريخ يفكر في حملة متواصلة ضد بن لادن، فرسم لدائرته المقربة (الخطة السياسية العسكرية؛ دالِندا )، التي كانت تهدف أساساً إلى (إزالة أي خطر مؤثر على الأمريكيين من شبكة بن لادن). وكانت تهدف لمجموعة من الجهود الدبلوماسية لتحرم القاعدة من المأوى، والأعمال السرية لإفشال الأنشطة الإرهابية وأهم شيء القبض على بن لادن ومعاونيه، وجلبهم للعدالة، وجهود لتجفيف إمداد بن لادن بالمال، والاستعداد لمواصلة العمل العسكري. وكان جانب الخطة العسكري هو أكثرها وضوحاً، وكان يطرح حملة مستمرة من الضربات ضد قواعد بن لادن في أفغانستان وغيرها، حيثما يبدو أي هدف مستحقاً للضرب. ورغم توقعه بأن من يسميهم بالإرهابيين لن يجتمعوا مرة أخرى في مكان ظاهرين، فقد زعم أن مواصلة الضربات قد تقنع الطالبان بتسليم بن لادن. وسوف تظهر الضربات أن ضربات أغسطس ليست آخر المطاف، وأن الولايات المتحدة مصممة بلا هوادة على تحطيم شبكة بن لادن. ولكن كبار المسؤولين لم يقتنعوا بجدوى مواصلة الضربات ضد أهداف زهيدة، مما قد يزيد من شعبية بن لادن .
(ج) وبدأ المسؤولون الأمريكيون يدرسون في الأسبوع الأخير من أغسطس 1998 متابعة الضربات، وكان الرئيس كلينتون مائلاً لتوجيه عدة ضربات عاجلاً وليس آجلاً . ولكن المشكلة أن وزارة الدفاع كانت تبحث عن أهداف ذات قيمة.
(د) وفي محاولة لتحقيق ذلك فإن عدداً من موظفي وزارة الدفاع في مكتب مساعد الوزير لشؤون العمليات الخاصة والصراعات المحدودة قدموا خطة من ثمانية أجزاء، لا تنبني على مجرد توجيه ضربات، ولكن على القيام بعلميات واسعة المدى تستفيد من كل الإمكانات العسكرية. لكي تكون وزارة الدفاع أكثر مبادرة وعدوانية، وإلا فإن المستقبل قد يجلب هجمات مروعة .
(4) في يونيو 1999 اتصل كلينتون بنواز شريف، وحاول إقناعه -بكل طاقته- أن يضغط على طالبان لتطرد بن لادن، وأن يهدد بقطع إمدادات البترول عن أفغانستان أو منع وارداتها من كراتشي، واقترح نواز بدلاً من ذلك أن تقوم قوة باكستانية خاصة بالقبض على بن لادن، وفي يوليو التالي قابل كلينتون نواز في واشنطن، وأعاد مناقشة المسألة، ووافق الأمريكان على ما اقترحه نواز؛ بأن يدرب الأمريكان قوة باكستانية خاصة، ويجهزوها بما يلزمها للقبض على بن لادن .
(5) وكجزء من استجابة كلنتون لتفجير السفارتين أصدر مذكرة تخول السي أي إيه صلاحية القبض على بن لادن ومعاونيه باستخدام عملائها القبليين، أو مهاجمته بوسائل أخرى .
(6) وفي ديسمبر 1998 اجتمعت اللجنة الأمنية المصغرة بمجلس الأمن القومي لمناقشة خطر بن لادن، وطرح الجنرالان شِلتون وزيني بدائل عسكرية، وفيما بعد أخطرت القوات الخاصة الأمريكية أنها قد تؤمر بشن غارة على أبي حفص الموريتاني في الخرطوم أو بن لادن في قندهار .
(7) وفي العشرين من ديسمبر 1998 وصلت معلومات للمخابرات المركزية بأن بن لادن قد يبيت ليلته في منزل حاجي حبش، وهو كما يزعمون جزء من منزل حاكم قندهار، وعقد اجتماع عاجل لرؤساء المؤسسات الأمنية لأخذ قرار بضرب المنزل بالصواريخ، ولكن تراجعوا خشية إصابة مئات السكان والمسجد المجاور، وأن الشيخ أسامة ربما يكون قد غادر المكان .
وليس هناك منزل لحاجي حبش، ولكن هناك مسجد حاجي حبش، وكان يقابله وإلى الشمال قليلاً ما كان يعرف بين الإخوة العرب (ببيت الرمان)، وكان مقراً لمعهد اللغة العربية، وليس مسكناً لحاكم قندهار، ولم يكن الشيخ أسامة يبيت فيه.
(8) وفي ديسمبر 1998 أعدت هيئة الأركان المشتركة ورقة قرار لاستخدام نوع معين من طائرات السي إيه 130 قادر على التحليق السريع والمرتفع ولا يكتشفه الردار، ويستخدم قذائف من عيارات 25 و40 و105 مم لإصابة أهدافه بدقة ضد بن لادن . ولكن القرار لم ينتقل للواقع العملي لظن المخططين عدم وجود أهداف محددة .
(9) وفي 4 ديسمبر 1998 أصدر مدير السي آي إيه؛ جورج تنت مذكرة للعديد من مرؤوسيه ولرؤساء وكالات الاستخبارات الرئيسية نص فيها على:
"إننا في حرب مع أسامة بن لادن. ولا أريد إدخار إمكانات ولا رجال في هذا المجهود، سواء داخل السي آي إيه أو في الوسط (الاستخباري)" .
(10) وفي الرابع والعشرين من ديسمبر 1998 صدق كلنتون على مذكرة تخول عملاء السي آي إيه القبليين القبض على بن لادن ومعاونيه، أو قتلهم إذا بدا أن القبض عليهم لن ينجح .
(11) وفي فبراير 1999 أصدر كلنتون بناء على طلب السي آي إيه مذكرة تخول تحالف الشمال صلاحية مشابهة لما خوله للعملاء القبليين، ويذكر ضابط الاستخبارات شروين أن مسعود لما علم بأن أمريكا تريد منه أساساً أن يقبض على بن لادن لا أن يقتله، أنه قال:
"أيها الناس إنكم مجانين، ولم تتغيروا قط" .
(12) وفي فبراير 1999 أيضاً زعم الأمريكان رصدهم لمعسكر صيد لأمراء إماراتيين يزوره أسامة بن لادن، وزعموا أنهم كانوا على وشك ضربه، لكن تراجعوا خوفاً على الأمراء الإماراتيين، وهو وهم فلا صلة للشيخ أسامة بذلك المعسكر .
(13) ويزعم الأمريكان أنهم في مايو 1999 رصدوا بن لادن داخل وحول قندهار لمدة خمسة أيام، وتجهزوا لضربه بالصواريخ، ولكن لم يأتهم الأمر .
(14) وفي الخامس والعشرين من يونيو 1999 دعا ساندي برجر المجموعة الأمنية المصغرة، لمناقشة قرار بضرب بن لادن، وكانت قيادة الأركان الأمريكية قد أعدت خطة في مطلع نفس العام لحملة مركزة ضد مراكز بن لادن والمراكز الحكومية للطالبان، ولكن لم يتخذ قرار بالضرب. لخشيتهم كما يزعمون من وجود عائلات في مجمع بن لادن السكني .
(15) وفي يوليو 1999 خول كلنتون السي آي إيه صلاحية العمل مع حكومات أخرى للقبض على بن لادن أو مساعديه الرئيسيين، كما خولها صلاحية القيام بأعمال سرية -في حالات محددة- قد تؤدي لموت بن لادن .
(16) وفي يوليو 1999 أصدر كلينتون قراراً إدارياً باعتبار طالبان دولة راعية للإرهاب .
(17) وفي سبتمبر 1999 كشف مدير السي آي إيه جورج تنت عن استراتيجية جديدة لمحاربة بن لادن سميت ببساطة (بالخطة)، وكانت تهدف لعمليات من التفكيك للخلايا والترحيل على مستوى العالم، ولتجنيد كفاءات في محاربة الإرهاب، وأيضاً لزيادة الاتصالات مع تحالف الشمال المقاتل ضد الطالبان .
(18) وبضغط من الولايات المتحدة أصدر مجلس الأمن القرار رقم 1267 في أكتوبر 1999 يطالب فيه أفغانستان بتسليم أسامة بن لادن خلال ثلاثين يوماً، وإلا تعرضت لعقوبات اقتصادية ضدها وضد طيرانها .
(19) وفي آخر أكتوبر 1999 طارت مجموعة من ضباط مركز مكافحة الإرهاب الأمريكان بطائرات حوامة لوادي بنشير للقاء مسعود، وهي رحلة تكررت عدة مرات فيما بعد ، وقد بدا مسعود في اللقاء مصمماً على مساعدة الولايات المتحدة في جمع المعلومات عن أنشطة وأماكن وجود بن لادن، كما وافق على أن يحاول القبض عليه إذا سنحت الفرصة .
(20) وفي نهاية عام 1999 بدأت السي آي إيه في النظر في احتمال إرسال أمريكيين لأفغانستان، وكانت قد ناقشت هذا الأمر مع قيادة القوات الخاصة، وكان تقديرها أن القوات الخاصة قادرة بنسبة 95% على القبض على بن لادن لو أرسلت لأفغانستان .
(21) وفي منتصف ديسمبر 1999 وقع كلنتون (مذكرة توجيه) تخول السي آي إيه صلاحية أوسع في أن تستخدم وكلاءها الخارجيين في القبض على مساعدي بن لادن، دون الحاجة لنقلهم لمعتقلات الولايات المتحدة. وكانت صلاحية في أن يقبضوا لا أن يقتلوا، رغم إمكانية استخدام القوة القاتلة عند الضرورة .
(22) وفي أواخر ديسمبر 1999 أرسل الجنرال زيني قائد القيادة المركزية كمبعوث خاص للرئيس الأمريكي إلى برويز مشرف ليتخذ أي إجراء يراه ضرورياً لحل مشكلة بن لادن في أسرع وقت ممكن .
(23) وفي يناير 2000 قابل مساعد وزير الخارجية الأمريكي كارل إيندرفورث و منسق قسم مكافحة الإرهاب بالوزارة ميتشل شيهان الجنرال مشرف في إسلام أباد، وقد أخبر مشرف المبعوثين أنه سيقابل الملا عمر ويضغط عليه بشأن بن لادن .
(24) وفي مارس 2000 زار كلنتون باكستان، ورجا مشرف أن يساعدهم بشأن بن لادن، وأغراه بمساعدات أمريكية وتطوير العلاقات بين البلدين لو وفى بوعده، وزار أفغانستان، وضغط على الملا عمر لطرد بن لادن .
(25) وفي نهاية مارس 2000 زار نائب وزير الخارجية توماس بيكرينج باكستان لنفس الغرض .
(26) وفي مايو 2000 زار وفد يمثل مسعود واشنطن، والتقى بريتشارد كلارك و ميتشل شيهان وكبار المديرين في السي آي إيه لمناقشة ما اتفق عليه من قبل .
(27) وفي يونيو 2000 زار جورج تنت مدير السي آي إيه باكستان بنفس الرسالة، واتفق معه مشرف على إنشاء مجموعة مكافحة إرهاب لتنسيق الجهود بين الوكالات الباكستانية والسي آي إيه .
(28) وفي صيف عام 2000 استمرت الخطط لضرب القاعدة وأفغانستان في التطور، وكانت السفن الحربية في بحر العرب على أهبة الاستعداد لضرب أهدافها في أفغانستان. وفي الصيف دقق العسكريون من قائمة أهدافهم وإمكانات العمليات الخاصة لمجموعة من ثلاثة عشر اختياراً ضمن عملية (العزم اللامتناهي) .
(29) وخلال هذه الفترة كان كلنتون محبطاً من قلة البدائل العسكرية المتاحة للظفر ببن لادن وقيادة القاعدة، وقد عبر عن ذلك للجنرال هيوج شلتون حين قال له:
"أتعلم؟ سوف نخلع قلوب القاعدة، لو فجأة قفزت مجموعة من النينجا السوداء من حواماتها في وسط معسكرهم" .
(30) وفي السابع من سبتمبر 2000 بدأت طائرة الاستطلاع بدون طيار (بريديتور) في التحليق فوق أفغانستان ضمن عملية (عيون أفغانية)، لمحاولة تحديد موقع بن لادن أو أعوانه أو مخازن أسلحته، حتى يمكن ضربه بالطيران أو صواريخ كروز، وقامت تلك الطائرة بخمس عشرة رحلة، اعتبرت عشرة منها ناجحة. وزعم الأمريكان أنهم تمكنوا من تصوير بن لادن مرتين .
(31) وفي سبتمبر 2000 اجتمع تومي فرانكس -القائد العام للقيادة المركزية الأمريكية - بكبار مديري القيادة المركزية، وقال عن ذلك في مذكراته:
"في صباح الثلاثاء أواخر سبتمبر 2000 جمعت كبار مديري القيادة الوسطى في مكتبي بتامبا لمراجعة موقف القيادة العملياتي تجاه القاعدة.
كانت مجموعة عمليات (الجنرال) ساندي ساندستروم قد حددت سلسلة من خيارات أهداف القاعدة اعتماداً على التصوير والمعلومات الالكترونية. وكان هذا يرتبط بمعسكرات تدريب معروفة أو محتملة، وما نسميه من ناحية متفائلة تسهيلات «الضيافة»، أي بعض البيوت والمكاتب، التي كانت الأوساط الاستخباراتية تعتقد أن أسامة ومساعديه يقومون بعملهم فيها بين حين وآخر. وإذا ما أخذنا بالحسبان نوعية معلوماتنا الاستخباراتية، فإنني لم أكن مقتنعاً بأن بوسعنا أن نقضي على القاعدة في أفغانستان باستخدام صواريخ كروز والضربات الجوية فقط. ولكنني وجهت العاملين في مجموعة عمليات ساندي إلى العمل على نحو وثيق مع نائب الأدميرال ويلي مور، قائد بحريتنا لتحسين أوقات استجابة «قاذفات توماهوك» للحالات الضرورية.
وإذا ما كان لنا أن نشن هجوماً فعالاً ضد القاعدة فقد كنت أعرف أن ذلك سيتطلب عمليات برية. وكان سيتعين علينا أن ندخل، ونحصل على المعلومات، ونتصرف في ضوء ذلك.
ولكن أية غارة من جانب القوات الهجومية الاستراتيجية كان ينبغي أن تكون قوية بما فيه الكفاية، لإلحاق الهزيمة بحلقة القوات الأمنية، ذات القدرات والتسليح الثقيل المحيطة بأسامة بن لادن ومساعديه. وتتطلب مثل هذه العملية وحدات مهمات خاصة، أي تحليق طائرات على مناطق أكثر من دولة، والقيام بإجراءات التنظيم والإعداد، ومعلومات دقيقة كافية تبلغنا عن الموقع، الذي نستهدفه في ضرباتنا. والأكثر أهمية أن مثل هذه العملية تتطلب قرارات سياسية خطيرة. وكنت أعتقد أن بوسعنا أن نعالج موضوع الاستعداد وتحليق الطائرات، ولكن المصادقة الوطنية على شن عملية هجومية استراتيجية ذات مخاطر في أفغانستان، في ظل غياب معلومات دقيقة، لم يكن محتملاً في عصر ما بعد مقديشو" .
(32) وفي منتصف نوفمبر 2000 طلب برجر من الجنرال شِلتون أن يعيد تقييم الخطط العسكرية للعمل بسرعة ضد بن لادن. وطلب شلتون بدوره من الجنرال تومي فرانكس أن يراجع البدائل مرة أخرى. وأوجز شلتون لبرجر بدائل خطة (العزم اللامتناهي) التي تطورت منذ عام 1998، والتي دققتها هيئة الأركان والقيادة المركزية إلى قائمة من 13 احتمالاً، كما أضافت القيادة المركزية مبدأً جديداً (للحملة المتدرجة) لنطاق أوسع للضربات، يشمل ضربات ضد الطالبان. ولأول مرة كانت هذه الضربات ترمي لحملة جوية ضد أفغانستان لمدة غير محددة .
(33) والتقى تومي فرانكس بريتشارد كلارك -مستشار الأمن القومي في عهدي كلينتون وبوش- في عام 2000 لتدارس القيام بعمليات عسكرية ضد القاعدة، وعن ذلك يقول في مذكراته:
"كان موضوع النقاش القاعدة وطالبان. وبدأ كلارك باستعراض
المعلومات الاستخبارية المتاحة، ومع أن تلك المعلومات وصلت مؤخراً إلا أنها ربما لا تكون دقيقة.
............
ثم سألته عن المعلومات الاستخبارية عن القاعدة. قلت: ديك، من أجل أن تتمكن القيادة الوسطى من رسم خطط عملية للحرب، فإننا نحتاج إلى معلومات استخبارية قابلة للاستخدام. فصواريخ توماهوك قادرة على ضرب المواقع، التي تحدد لها بصورة مسبقة. ولكن التقرير الذي يقول إن أسامة بن لادن ربما يكون قد قضى ليلته في ذلك الكهف، لا تمثل أهدافاً محتملة. وربما تساعدنا مثل هذا التقارير على الوصول إلى نمط محدد لتحركاته، ولكننا نحتاج إلى معلومات دقيقة ومحددة زماناً ومكاناً حتى نستطيع استهدافه.
ابتسم كلارك ابتسامة العارفين وقال إنه يملك « تقنيات» يمكن أن تساعد في حل هذه المشكلة. واستنتجت مباشرة أنه يقصد طائرة الاستطلاع «بريديتور»، والتي تستطيع أن تحلق لساعات فوق أرض العدو، وترسل صوراً شديدة الوضوح ليلاً ونهاراً. وكانت «سي آي إيه» تحاول تسليح بريديتور بصواريخ هيلفاير، وقلت لنفسي إن هذا سيكون سلاحاً خطيراً جداً. ولكني تذكرت في نفس الوقت الحكمة العسكرية التي تقول : «من الخطير عدم التمييز بين الرغبة والقدرة».
وتساءلت عما إذا كان ديك كلارك قد سمع بهذه الحكمة.
كنت حريصاً على تدمير القاعدة. ولكن زيارتي لكلارك لم تقدمني خطوة واحدة تجاه هذا الهدف" .
(34) وقادت الولايات المتحدة حملة في الأمم المتحدة لفرض عقوبات جديدة على أفغانستان أدت لإصدار قرار مجلس الأمن رقم 1333 في ديسمبر 2000، الذي يكرر الطلب بطرد بن لادن، ويحظر على أية دولة أن تمد الطالبان بالسلاح أو المساعدة العسكرية .
(35) وفي ختام عام 2000 بدأت السي آي إيه ومجلس الأمن القومي يفكران في السياسة الجديدة التي سيقدمانها لإدارة بوش الجديدة بخصوص مقاومة الإرهاب. وبدأ مركز مقاومة الإرهاب في السي آي إيه يفترض أنه سيقدم أفضل ما عنده من أفكار، وأنه لن تكون عليه أية قيود مالية من أية سياسة سابقة، ولذا قدم ورقة أسماها بمذكرة (السماء الزرقاء) طرحت ما يلي:
- القيام بمجهود ضخم لدعم تحالف الشمال عبر تبادل الاستخبارات وزيادة التمويل، حتى يمكنه أن يحطم جيش الطالبان ويقيد القاعدة. ولم يكن هذا المجهود يهدف لإزالة الطالبان من السلطة، لأن هذا الهدف اعتبر غير عملي وشديد الكلفة على السي أي إيه وحدها.
- زيادة الدعم للأوزبك ليساعدوا أمريكا في مقاومتها للإرهاب.
- دعم المجموعات المناوئة لطالبان .
(36) ولما أوشكت مدة إدارة كلنتون على الانتهاء أعد كلارك وفريقه ورقة سياسة بعنوان (استراتيجية التخلص من تهديد شبكات جهاديي القاعدة- الواقع والتطلعات). وقد راجعت الورقة التهديد حتى كتابتها، وضمت الأفكار التي احتوتها مذكرة السي آي إيه؛ (السماء الزرقاء)، وطرحت عدة بدائل قريبة المدى. وقد توقع كلارك وفريقه أن يعيدوا القاعدة للوراء في خلال ثلاث إلى خمس سنوات، ويحولوها لمجموعة من البقايا، وقد رأت الورقة أن الجهود الحالية ضد القاعدة قد تمنع بعض الهجمات، ولكنها تعجز عن شل قدرة القاعدة على التخطيط وشن الهجمات. وقد أيدت الورقة الدعم السري لتحالف الشمال ولأوزبكستان، وتجديد طلعات البريدتور من مارس 2001. كما طالبت بعمل عسكري لتدمير مراكز القاعدة للتحكم والسيطرة وبنيتها التحتية، وكذلك قدرات الطالبان القيادية والعسكرية .
(37) وقبيل استلام بوش لرئاسته بأسبوع اجتمع به جورج تنت ليوجز له سياسة الوكالة، وسأله بوش: هل تستطيع السي آي إيه أن تقتل بن لادن؟ فرد تنت بأن قتل بن لادن سيكون له أثر، ولكنه لن ينهي التهديد. وقال تنت إن السي آي إيه لديها كل الصلاحيات التي تحتاجها .
(38) وفي ديسمبر 2000 التقى بوش بكلنتون ليتناقشا في تحديات الأمن القومي والسياسة الخارجية قبيل مغادرة الأخير، وكان مما قاله كلنتون لبوش:
"أعتقد أنك ستجد أن بن لادن والقاعدة هما أكبر الأخطار قاطبة. وإن من أشد ما ندمت عليه في رئاستي أني لم أظفر لك ببن لادن، مع أني قد حاولت" .
(39) ويقول تومي فرانكس عن اتصال كلارك به في 9 يناير 2001:
"في التاسع من يناير 2001 وفي الأيام الأخيرة من عهد ادارة كلينتون اتصل بي ديك كلارك من مجلس الأمن القومي لمناقشة ملاحقة الحكومة لأسامة بن لادن والقاعدة.
..............
وكانت هناك معلومات حساسة في ما يتعلق ببرنامج عملية البريديتور. وقال إن العملية تسير قدماً وقد تحصد النتائج قريباً. كما قال إن أداء مصادر المعلومات البشرية يتحسن، ولكنه لا يتميز بالسعة والإتقان.
قلت: «هذا شيء عظيم. نحن مستعدون لتنسيق الأهداف».
ولم أتلق أبداً أية توصية عملياتية أو صفحة معلومات تتعلق بالعمل من ريتشارد كلارك" .
(40) ويقول عن لقائه بمشرف في 19يناير عام 2001:
"ثم ركز بعد ذلك على أفغانستان، وقال: «ليس أمامنا خيار سوى العمل مع طالبان. أستطيع أن أؤكد لك أننا نبغض نزعتهم المتطرفة، ولكنهم جلبوا الاستقرار إلى أفغانستان وأنهوا إراقة الدماء بعد مغادرة السوفيات. يجب أن نتمتع بالاستقرار على الأقل في حدود واحدة».
............
قال : «أنت تعرف أيها الجنرال أن طالبان معزولة. لدينا بعض النفوذ معهم، ولكننا لا نسيطر عليهم. سأبذل ما في وسعي للمساعدة ولكننا بحاجة إلى مساعدة من المجتمع الدولي».
والمساعدة التي كان يفكر بها بالطبع هي المساعدة الاقتصادية والعسكرية الأميركية. ولم أكن هناك لتقديم امتيازات. ولكني يمكن أن أنقل هذه الرسالة إلى واشنطن.
وقال طارحاً قضيته مباشرة: «إن باكستان يمكن أن تساعد في مشكلة أسامة بن لادن والقاعدة. وإذا ما استطعنا زيادة نفوذنا مع طالبان فإنه من المحتمل أن يوافقوا على طرده إلى دولة محايدة لينفى فيها أو لمحاكمته هناك».
قلت: «أنا هنا لأستمع أيها الجنرال مشرف».
وواصل مشرف حديثه، ولكن المعلومات الحاسمة قد جرى تبادلها. فإذا ما ساعدناه في تلبية حاجات باكستان، فإنه سيساعدنا في قضية بن لادن والقاعدة.
وبينما كنا نتحدث لفت انتباهي أنه من المناسب أننا نرتدي بدلاتنا العسكرية. فلسنوات كان المسؤولون والمبعوثون الدبلوماسيون الأميركيون يرتدون البدلات المدنية الرسمية ويتحدثون، بلغة متعالية، مع السياسيين العسكريين مثل برويز مشرف حول حقوق الإنسان والحكومات الدستورية. ومن الطبيعي أنني أؤمن بهذه القضايا بالمستوى ذاته من القناعة، ولكن في هذه المرحلة من التاريخ كنا بحاجة إلى تحديد الأولويات. إن إيقاف القاعدة من أهم هذه الأولويات، وكان مشرف مستعداً لتقديم المساعدة" .
(41) وفي فبراير 2001 كتب بوش لمشرف حول عدة مواضيع، وأكد على أن بن لادن والقاعدة يشكلان تهديداً مباشراً -للولايات المتحدة ومصالحها- يجب التصدي له، وحث مشرف أن يستخدم نفوذه لدى الطالبان بشأن بن لادن والقاعدة .
(42) وفي 30 أبريل 2001 اجتمعت لجنة مندوبي الأجهزة الأمنية وتناقشت حول القاعدة. وقدمت السي آي إيه إيجازاً بالشرائح وصفت فيه القاعدة بأنها:
"أشد المجموعات التي نواجهها خطورة". مستشهدة "بقيادتها وخبرتها وإمكاناتها وملاذها الآمن في أفغانستان، وتركيزها على مهاجمة الولايات المتحدة". وحذرت الشرائح من أنه "ستكون هناك هجمات أكثر".
وأقرت اللجنة دعماً خفياً لأوزربكستان، أما بشأن التحالف الشمالي فاتفقوا على ألا يقوموا بأي توجه كبير في الوقت الحالي، وأن على واشنطن أولاً أن تدرس بدائل دعم المجموعات الأخرى المناوئة للطالبان. وفي نفس الوقت فعلى الإدارة أن تشرع في مراجعة شاملة لسياسة الولايات المتحدة لباكستان. وتستكشف بدائلها السياسية حول أفغانستان، بما في ذلك بديل دعم تغيير النظام .
(43) وفي 29 مايو 2001 عقدت رايس اجتماعاً مع تنت وعددٍ من كبار المسؤولين المتصلين بمكافحة القاعدة. وتساءلت رايس: "ألا يمكن أن نبادر بالهجوم؟". وهل من طريق يمكن سلوكه للتأثير على بن لادن أو الطالبان؟ ورد كلارك وبلاك بأن إجراءات تمزيق القاعدة "تبادر بالهجوم"، ولكن بن لادن لا يمكن ردعه. ودار نقاش موسع حول (قصم ظهر منظمة بن لادن)، وأكد تنت على الخطط الطموحة للعمل السري التي طورتها السي آي إيه منذ عام 2000.
وقد طُلِب من كلارك وبلاك أن يطورا بدائل متراوحة من الأقل للأكثر طموحاً. وقد طلبت رايس وهادلي من كلارك وفريقه أن يكتبوا مسودة توجيه رئاسي جديد. وفي 7 يونيو وزع هادلي المسودة الأولى التي تهدف إلى: "التخلص من شبكة مجموعات القاعدة كتهديد للولايات المتحدة والحكومات الصديقة". وقد طالبت بمجهود متعدد السنوات يشمل الدبلوماسية والعمل السري والإجراءات الاقتصادية وتطبيق القانون والدبلوماسية الشعبية والمجهودات العسكرية عند اللزوم.
وكان على وزارة الخارجية أن تعمل مع الحكومات الأخرى لتقضي على كل ملاذات القاعدة، وأن تعمل مع وزارة الخزانة للقضاء على تمويل الإرهاب. وكان على السي آي إيه أن تطور برنامجاً موسعاً للعمل السري يتضمن تمويلاً إضافياً قيماً ودعماً للمجموعات المناوئة للطالبان.
وكلفت المسودة أيضاً (مكتب الإدارة والميزانية) أن يتأكد من توفير الاعتمادات اللازمة لهذا البرنامج في ميزانيات الأعوام المالية من 2002 إلى 2006.
وقد رأت رايس في مسودة هذا التوجيه تجسيداً لاستراتيجية جديدة شاملة تستخدم كل أدوات القوة الوطنية للتخلص من تهديد القاعدة .
(44) وفي 18 يونيو 2001 قابلت رايس وزير خارجية باكستان الزائر عبد الستار، ووبخته بقسوة، ونصح عبد الستار المسؤولين الأمريكيين بأن يتعاملوا مع الطالبان، وأن هذا المسار -وإن كان سيستغرق وقتاً- ولكنه قد يثمر .
(45) وفي يونيو 2001 أعادت الحكومة الأمريكية الضغط على الإمارة الإسلامية لتسلم ابن لادن لأية دولة، يمكن أن يواجه فيها العدالة، وأعادت تهديدها بأن الطالبان سيكونون مسؤولين عن أية هجمات على مصالح الولايات المتحدة.
وفي أوائل يوليو 2001 قابل السفير الأمريكي ميلام نائب وزير خارجية الإمارة الإسلامية ملا عبد الجليل في إسلام آباد، وأكد له أن ابن لادن لابد أن يطرد .
(46) وفي ا أغسطس 2001 اجتمعت لجنة مندوبي الأجهزة الأمنية لتبحث مجدداً البريديتور المسلحة، واستنتجت اللجنة أن من حق أمريكا أن تقتل ابن لادن أو أحد نوابه دفاعاً عن نفسها .
(47) وفي 4 أغسطس 2001 كتب بوش لمشرف يسأله المساعدة في التصدي للإرهاب، وليحث باكستان على أن تعمل جاهدة ضد القاعدة .
(48) ويقول تومي فرانكس:
"في أول أسبوع من سبتمبر عملت مع جورج تنت ومع مساعدة وزيرة الخارجية كريستيانا روكا لترتيب لقاء مع الجنرال محمود أحمد مدير الاستخبارات الباكستاني خلال رحلة مقرر أن يقوم بها إلى واشنطن. كنت تواقاً للنظر بعمق إلى العلاقات التي تجمع باكستان بطالبان، ولتقييم إمكانية أن تقوم باكستان بمساعدتنا في الوصول إلى أسامة بن لادن والقاعدة عن طريق زيادة التعاون بين وكالاتنا. وتقرر أن يكون اللقاء به يوم 10 سبتمبر 2001" .
(49) وفي 10 سبتمبر 2001 اجتمع مندوبو الأجهزة الأمنية الأمريكية وقرروا الاتفاق على خطة من ثلاثة مراحل.
المرحلة الأولى: يرسل وفد لطالبان لمنحهم الفرصة الأخيرة.
المرحلة الثانية: لو فشلت المرحلة الأولى يضاف للضغط الدبلوماسي المتواصل برنامج عمل سري مخطط، يشجع الأفغان المناوئين لطالبان من كل المجموعات العرقية الأساسية على تضييق الخناق على الطالبان في الحرب الأهلية وعلى مهاجمة قواعد القاعدة، في الوقت الذي تشكل فيه الولايات المتحدة تحالفاً دولياً لتخلع النظام.
المرحلة الثالثة: لو لم تتغير سياسة الطالبان تقوم الولايات المتحدة بعمل سري لقلب نظام الطالبان من داخله.
وقد وافق المجتمعون على مراجعة توجيه القاعدة الرئاسي، الذي كان يجهز لتصديق الرئيس، لكي تضاف له هذه الخطة .
وقد كان هذا الاستنفار في أعلى دوائر صنع القرار الأمريكي يوم 10 سبتمبر 2001 رد فعل لمقتل أحمد شاه مسعود يوم 9 سبتمبر، لأن الإدارة الأمريكية اعتبرت أن قتل أحمد شاه مسعود إعلان حرب من الإمارة الإسلامية على المصالح الأمريكية. ورغم أن مقتل أحمد شاه مسعود في ميزان القانون الدولي شأن داخلي أفغاني، إلا أنه في ميزان أكابر المجرمين في الدنيا إعلان حرب من القوى الإسلامية المجاهدة ضدها.
والآن بعد هذا السرد الذي ربما يكون القارئ قد مل منه، أود أن أبين أني قد تعمدته، لأوضح للقارئ السعي الأمريكي الحثيث العدواني المتواصل في الهجوم والاعتداء على القاعدة والطالبان. وقد سردت هذه الخطوات والمساعي مما تيسر لي من المصادر، رغم قلة ما يتوفر لي، ورغم أن الأيام قد تكشف أكثر، أقول تعمدت أن أسرد هذه المساعي من المصادر الأمريكية الرسمية ومن مذكرات أحد كبار قادتهم. حتى أستدل بمصادر لا يتطرق لها الشك. وقراءة هذه المساعي تبين الآتي:
(أ) أن الحكومة الأمريكية منذ صيف عام 1997 وهي تحاول خطف أو قتل الشيخ أسامة بن لادن، كما بينت مذكرة السي آي إيه، التي استشهدت بها . أي قبل إعلان (الجبهة الإسلامية العالمية لجهاد اليهود والصليبيين) ، وقبل تفجير السفارتين في نيروبي ودار السلام .
(ب) أي أن أمريكا تسعى لقتل أو خطف كل من تحس منه جدية في مقاومتها، أما الذين يعارضونها بشقشقة اللسان فهي تعرف قدرهم. وفي هذا رد على المنهزمين، الذين اتهموا أسامة بن لادن والقاعدة بأنهم سبب حرب أمريكا على العالم الإسلامي.
(ج) وإذا كانت أمريكا لا تتساهل مع كل من تلمس منه جدية في مقاومتها، فليس لنا معها إلا طريقان، الأول هو أن نستسلم لعدوانها المستمر علينا منذ أربعينيات هذا القرن، وقد نخدع أنفسنا بالثرثرة حول جرائمها، أو أن نتصدى لعدوانها، حتى نعيش مسلمين أعزة شرفاء أحرار، وهنا ستندلع الحرب بيننا وبينها بكل ما تحمله هذه الحرب من صعاب ومشاق وتضحيات.
(د) أن أمريكا كانت تسعى لقتل أو القبض على أسامة بن لادن وترويض الطالبان حتى تتحول لحكومة خانعة مثل بقية الدول التي تزعم أنها إسلامية، وكانت مستعدة لممارسة كل أنواع العنف والأعمال السرية والقذرة في سبيل ذلك.
(هـ) أن أمريكا لم تنفذ كثيراً من خططها بسبب تردد قادتها في تحمل المسؤولية والخسائر في أرواح جنودهم، وهذا يظهر ضعف عدونا.
(و) أن أمريكا قررت قبل الحادي عشر من سبتمبر أن تخضع الإمارة الإسلامية لمخططاتها وأن تحاول الظفر بأسامة بن لادن بكل ما تملكه من (كل أدوات القوة الوطنية)، وقد بلغت ذروة هذه المخططات بالخطة التي أقرت يوم 10 سبتمبر 2001. لأن الإدارة الأمريكية اعتبرت أن مقتل أحمد شاه مسعود قبل ذلك التاريخ بيوم واحد عمل لا يمكن السكوت عليه، وأن الإمارة الإسلامية بهذا العمل قد وصلت لدرجة لا يمكن الصبر عليها.
﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.
وأود أن ألفت انتباه القارئ إلى أني لم أذكر المعلومات المتكررة التي كانت تصلنا عن الخطط الأمريكية وعن الحشود على حدود أفغانستان الشمالية، والتحركات الأمريكية في آسيا الوسطى، والدعم الإيراني المتواصل لتحالف الشمال، بل والجهد والضغط الإيراني لتجميع ذلك التحالف المهترئ. وإنما اقتصرت على ما نقلته عن مصادر الأمريكان الرسمية وشبه الرسمية.
ب- وأعود لما قاله الكاتب عن النكث والغدر ونحوه، فأذكر القارئ بأن الإمارة الإسلامية أعلنت قبل الغزو وبعده أنها تقف مع إخوانها المجاهدين في القاعدة في صف واحد ضد أعداء الإسلام. وأنقل للقارئ هنا مثالاً رائعاً على القيم الأخلاقية التي يتمتع بها قادة طالبان، الذين يستحقون بحق أن يكونوا مرشدين للمجاهدين.
يقول الشهيد -كما نحسبه- الملا داد الله –رحمه الله- المسؤول العسكري السابق لقوات طالبان ردا على أسئلة وجهها له الصحفي أحمد زيدان مراسل قناة الجزيرة، ثم أثبتها في كتابه (عودة الرايات السود).
يسأله الأستاذ أحمد زيدان: ما هي طبيعة علاقتكم مع تنظيم القاعدة؟ وهل لديكم صلات بهم الآن؟
فيجيب الملا داد الله رحمه الله: العالم كله يعرف أننا ضحينا بحكومتنا من أجل مجاهدي (القاعدة)، وهذه كانت فريضة إسلامية علينا، فكيف نفقد الصلة بهم، والآن نحن وإياهم في جبهة واحدة وساحة واحدة ضد العدو المشترك، وسنبقى في هذه المعركة حتى النصر أو الشهادة بإذن الله، فهدفنا مواصلة الجهاد، فديننا واحد وهدفنا واحد وعدونا واحد أيضا، وإن شاء الله سنبقى مع الإخوة في (القاعدة) شيئا واحدا حتى نلحق الهزيمة بعدونا الصليبي المشترك.
ويسأله الأستاذ أحمد زيدان: هل أنتم نادمون على مساندتكم لتنظيم (القاعدة) بعد أن خسرتم حكومتكم؟
فيجيب الملا داد الله رحمه الله: كلامنا هو كلام الشهيد حين يوضع في القبر فيقول: تمنيت أن أحيا ثم أقتل مرة ثانية، وذلك للمشاركة في الجهاد ليستشهد مرة ثانية، لما يرى من المكانة السامية التي يراها بسبب جهاده واستشهاده، ونحن نقول: ليتنا نستولي على الحكومة مائة مرة ثم نفقدها، ونضحي بأنفسنا من أجل هؤلاء المجاهدين من تنظيم (القاعدة).
والآن هل اتضح الفارق أيها القارئُ الكربم؟
ج- ثم أقول للكاتب: إن أمير المؤمنين الملا عمر حفظه الله قائد شجاع شهم عفيف اللسان قوي الشكيمة، ولا أظنه يحتاج لنصيحة أحد في أن يكافئ أسامة بن لادن أو يعاقبه، فهو جنديه، وتحت رايته، وهذا أمر من شؤونه. فهون على نفسك.
د- وأقول للكاتب: إذا كنت مهتماً بأمر الإمارة الإسلامية في أفغانستان وأصابك الحزن على ما نزل بها، فإن أمير المؤمنين الملا محمد عمر حفظه الله قد استنفر المسلمين في كل مكان فقال:
خطاب استنصار أمير المؤمنين الملا محمد عمر مجاهد حفظه الله بالمسلمين وبالعلماء في كل مكان
في تاريخ: 16/7/1422هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله القائل في محكم كتابه :  انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون والقائل: يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل. إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم ولا تضروه شيئاً والله على كل شيء قدير .
والصلاة والسلام على إمام المجاهدين، وقائد الغر المحجلين نبينا محمد القائل: (بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله تعالى وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم) رواه أحمد وأبو داود.
أما بعد :
فيا أمة الإسلام العظيمة يا خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله.
أيها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها :
يا من آمنتم بالله، رباً وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً
أيها المسلمون جميعاً :
لا شك أنكم تتابعون بكل عناية واهتمام الحملة الصليبية السافرة التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية بدعم دولي من بريطانيا ودول أوروبا النصرانية ، وحلف شمال الأطلسي وروسيا والدول الشيوعية السابقة ومن انضم إليهم من ملل الكفر والمرتدين وخبالة المسلمين، يجيشون الجيوش ، ويحزبون الأحزاب ضد الإمارة الإسلامية في أفغانستان لتحقيق أهداف أعلنوا عنها، في مقدمتها الإطاحة بالحكومة الإسلامية في أفغانستان، والقضاء على ما يسمونه (قواعد الإرهاب( .
ولا شك أنكم تدركون أن الأسباب التي يدعي هؤلاء أنها وراء حملتهم الصليبية هذه ليست إلا مجرد ذريعة لتحقيق أهداف مبيته عندهم ، أخبرنا الله سبحانه وتعالى عنها في كتابه العزيز حيث قال:  ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا، ومن يرتد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون ، إنهم يريدون أن يقضوا على هذه الدولة الإسلامية ، لأنها إسلامية ، وإلا ففي أي شرع أو قانون تجوز معاقبة شخص لمجرد شبهة اتهام لم تثبت ، فضلاً عن معاقبة أمة بسبب ذلك الشخص؟! .
إن مما اتفقت عليه الشرائع السماوية والقوانين الوضعية أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته ، ولكنهم يقاتلوننا لأننا أقمنا نظام حكم إسلامي مستقل ، وهذا في الحقيقة أشد عليهم من الهجمات التي تعرضت لها نيويورك وواشنطن
أيها المسلمون في العالم :
إن السؤال الآن لم يعد حول ما إذا كانت العمليات التي تمت ضد أمريكا صواباً أم خطأ ، فالذي حصل حصل ، أيده من أيده وعارضه من عارضه.
إن السؤال المطروح الآن هو: ما هو واجب الأمة الإسلامية تجاه هذه الحملة الصليبية الجديدة على أفغانستان؟!!.
وما هو حكم من يتولى هؤلاء الصليبيين ويقف إلى جانبهم بأي نوع من أنواع الدعم والمساندة ؟ .
إن مما أجمعت عليه الأمة الإسلامية واتفق عليه الأئمة أنه في مثل هذه الحال التي نحن فيها اليوم يصبح الجهاد ضد هؤلاء الغزاة فرض عين على كل مسلم ، لا إذن لوالد على ولده ، ولا لسيد على عبد ، ولا لزوج على زوجه ، ولا لدائن على مدينه ، لا خلاف في هذا بين العلماء .
هذا عن حكم الجهاد ضد هؤلاء الغزاة ، وواجب المسلمين في ذلك .
أما حكم من تعاون مع هؤلاء ، فقد بينه الله سبحانه أكمل بيان.
يقول الله تعالى في محكم كتابه :  يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض، ومن يتولهم منكم فإنه منهم، إن الله لا يهدي القوم الظالمين ، فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة ، فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين  .
لقد بين الله سبحانه في هذه الآيات عدة أمور، منها :
1 - النهي عن موالاة اليهود والنصارى ودعمهم ومظاهرتهم .
2 - أن من يتولاهم ويعينهم ويظاهرهم حكمه حكمهم .
3 - أن موالاتهم من خصال المنافقين وأخلاقهم .
وقد بين سبحانه أن موالاة المشركين تنافي الإيمان بالله ورسوله ، فقال تعالى:  ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون. ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء 
ومن هذه الآيات وغيرها أخذ العلماء أن مظاهرة المشركين على المسلمين ناقض من نواقض الإسلام يحكم على صاحبه بالردة والخروج من الملة .
يا علماء الإسلام الكرام ، ويا أيها الدعاة إلى الله في كل مكان :
إن واجبكم الأول هو الصدع بهذه الحقائق ، لا تخافون في الله لومة لائم ، فذلك مقتضى الميثاق الذي أخذه الله تعالى على أهل العلم، قال تعالى  وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه ، فبينوا للناس دينهم ، وحرضوهم على الجهاد في سبيله ، قال تعالى:  يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال .
ويا أيها التجار وأصحاب الأموال :
إن واجبكم الأول هو الإنفاق في سبيل الله تعالى، قال تعالى:  إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة وقال:  مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم .
ويا شباب الإسلام :
إن واجبكم الأول هو الجهاد والاستعداد والضغط على الزناد، فقد قال تعالى : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد  .
ويا أيها المسلمون في كل مكان :
إن رسول الله  يقول:( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ( وفي لفظ: يقاتلون على الحق ) لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى قيام الساعة) رواه مسلم .
فهذا الحديث قسم الناس إلى ثلاث طوائف :
1- الطائفة المنصورة : وهم أهل الإسلام القائمون به المقاتلون عليه.
2 - الطائفة المخالفة : وهم اليهود والنصارى وأهل الكفر والردة وخبالة المسلمين.
3 - الطائفة المخذلة : وهم من قعد عن نصرة الطائفة المسلمة وزين ذلك للناس .
وليس هنالك طائفة أخرى ، فلينظر كل مسلم من أي هذه الطوائف هو.
وفي هذا الحديث أيضاً أن هذه الطائفة المنصورة لا يضرها من خالفها من المشركين، ولا من خذلها ممن ينتسبون للإسلام ، فهي منصورة لا محالة.
ونحن على يقين من هذا النصر الذي وعدنا الله به في كتابه ، وعلى لسان رسوله  ، ولكن هذا النصر الموعود مشروط بنصرتنا لدين الله والإخلاص في ذلك ، قال تعالى: ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز وقال:  إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم .
وعندما ينصرنا الله تعالى فلا تستطيع أمريكا وحلفاؤها وأنصارها الوقوف أمامنا ، قال تعالى:  إن ينصركم الله فلا غالب لكم .
إن أمريكا وحزبها مهما أوتوا من قوة فإن قوتهم لا تساوي شيئاً بالنسبة لقوة القوي الجبار، فالله تعالى يقول ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون ، وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة  وقال تعالى:  فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفاً  .
إن جنود أمريكا لا تخيفنا أعدادها ولا عددها ؛ لأننا من جند الله القائل  ولله جنود السموات والأرض وكان الله عزيزاً حكيماً .
والقوة الاقتصادية الأمريكية لا ترهبنا ، فالله تعالى يقول:  ولله خزائن السموات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون .
وميزانياتها الدفاعية لا تفزعنا ، فالله يقول:  إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون .
وأنظمة الدفاع الأمريكية المتطورة لا تفت في عضدنا ،فالله سبحانه يقول:  وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار وقال: وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقاً تقتلون وتأسرون فريقاً ، وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضاً لم تطؤوها، وكان الله على كل شيء قديراً .
فيا أيها المسلمون :
ثقوا بنصر الله تعالى الذي وعدكم به .. إن الله لا يخلف الميعاد.  ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
خادم الإسلام والمسلمين
أمير المؤمنين
ملا محمد عمر (مجاهد(

والآن ما هو موقف الكاتب والموقعين معه وكل مسلم في الدنيا من هذا الاستنفار. يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
برهنوا على صدقكم بأن تحرضوا المسلمين على الاستجابة لنفير أمير المؤمنين الملا محمد عمر حفظه الله، دعوكم من أسامة بن لادن ومن معه الذين وصفتموهم بما يحلو لكم من أوصاف، أرسلوا إخوانكم مباشرة إلى الطالبان، والوصول إليهم يسير لمن أراد، وخاصة أنهم يسيطرون على مساحات شاسعة من المناطق القبلية في باكستان.
2- ثم بعد سيل من السباب والشتائم تكلم الكاتب عن ديات القتلى، وسأتعرض لها في حديثي عن عمليات جماعة الجهاد إن شاء الله.


























الفصل السادس عشر
ملاحظات على ما ورد بالحلقة الثانية عشرة
1- يقول كاتب الوثيقة: "ومما يجوز شرعاً أن من التزم وتعهد بعدم الصدام مع السلطات الحاكمة وقواتها في بلده وجب عليه الوفاء بذلك، ولا ينبغي أن يعتبر تعهده من باب "الحرب خدعة"".
أقول: هذا الكلام لا يلزم، لأن الأسير مكره، ولأن جهادهم فرض عين، أرأيت إن عاهدوه على ترك فرض عيني كالصلاة أو الصيام؟
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال:
" مَا مَنَعَنِي أَنْ أَشْهَدَ بَدْرًا إِلَّا أَنِّي خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي حُسَيْلٌ قَالَ فَأَخَذَنَا كُفَّارُ قُرَيْشٍ قَالُوا إِنَّكُمْ تُرِيدُونَ مُحَمَّدًا فَقُلْنَا مَا نُرِيدُهُ مَا نُرِيدُ إِلَّا الْمَدِينَةَ فَأَخَذُوا مِنَّا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ لَنَنْصَرِفَنَّ إِلَى الْمَدِينَةِ وَلَا نُقَاتِلُ مَعَهُ فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْنَاهُ الْخَبَرَ فَقَالَ: "انْصَرِفَا نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَنَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ".
قال الإمام النووي في شرح الحديث:
"فِي هَذَا الْحَدِيث : جَوَاز الْكَذِب فِي الْحَرْب ، وَإِذَا أَمْكَنَ التَّعْرِيض فِي الْحَرْب فَهُوَ أَوْلَى ، وَمَعَ هَذَا يَجُوز الْكَذِب فِي الْحَرْب وَفِي الْإِصْلَاح بَيْن النَّاس ، وَكَذِب الزَّوْج لِامْرَأَتِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَدِيث الصَّحِيح .
وَفِيهِ : الْوَفَاء بِالْعَهْدِ ، وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْأَسِير يُعَاهِد الْكُفَّار أَلَّا يَهْرَب مِنْهُمْ ، فَقَالَ الشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة وَالْكُوفِيُّونَ : لَا يَلْزَمهُ ذَلِكَ ، بَلْ مَتَى أَمْكَنَهُ الْهَرَب هَرَبَ ، وَقَالَ مَالِك : يَلْزَمهُ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَكْرَهُوهُ فَحَلَفَ لَا يَهْرَب لَا يَمِين عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مُكْرَه . وَأَمَّا قَضِيَّة حُذَيْفَة وَأَبِيهِ فَإِنَّ الْكُفَّار اِسْتَحْلَفُوهُمَا لَا يُقَاتِلَانِ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزَاةِ بَدْر ، فَأَمَرَهُمَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْوَفَاءِ ، وَهَذَا لَيْسَ لِلْإِيجَابِ ، فَإِنَّهُ لَا يَجِب الْوَفَاء بِتَرْكِ الْجِهَاد مَعَ الْإِمَام وَنَائِبه ، وَلَكِنْ أَرَادَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا يَشِيع عَنْ أَصْحَابه نَقْض الْعَهْد ، وَإِنْ كَانَ لَا يَلْزَمهُمْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْمُشِيع عَلَيْهِمْ لَا يَذْكُر تَأْوِيلًا" .
قلت: والله أعلم لأن استنفار الإمام يجعل الجهاد فرض عين، فلا يمنعه العقد المعيب بالإكراه.
ونفى الإمام البيهقي وجوب الوفاء بالعهد إذا أدى لترك الفرض، قال:
".... ثنا حذيفة بن اليمان رضى الله عنه قال: ما منعنى أن أشهد بدرا إلا أنى خرجت أنا وأبى حسيل. قال فأخذنا كفار قريش فقالوا إنكم تريدون محمدا فقلنا ما نريده ما نريد إلا المدينة فأخذوا علينا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرناه الخبر فقال انصرفا نفى لهم بعهدهم ونستعين بالله عليهم - رواه مسلم في الصحيح عن أبى بكر عبد الله بن محمد بن أبى شيبة. وهذا لأنه لم يؤد انصرافهما إلى ترك فرض إذ لم يكن خروجهما واجبا عليهما ولا إلى ارتكاب محظور والعود إليهم والإقامة بين أظهرهم مما لا يجوز إذا كان يخاف الفتنة على نفسه في العود والله اعلم" .
قلت: ولا شك أن الجهاد اليوم فرض عين.
وقال العبدري المالكي رحمه الله:
"وَمِنْ النَّوَادِرِ : وَلَوْ أَطْلَقُوهُ عَلَى أَنْ لَا يُجَاهِدَهُمْ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يَغْزُوَهُمْ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ تَنْزِلُ بِالْإِسْلَامِ" .
قلت: وإذا كان هذا في جهاد الطلب، فما بالك بحالنا في جهاد الدفع المتعين؟ وهل هناك ضرورة أشد من دفع الكفار وأعدائهم عن المسلمين وبلادهم وحرماتهم؟ وقد مر بنا قول شيخ الإسلام رحمه الله:
" وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعاً فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه" .
وقيد ابن القيم إمضاء العهود مع المشركين -إذا تمت بغير رضا المسلم- بعدم وجود الضرر على المسلمين، وضرب مثلاً بهذه الواقعة، فقال:
"وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ أَنّ أَعْدَاءَهُ إذَا عَاهَدُوا وَاحِدًا مِنْ أَصْحَابِهِ عَلَى عَهْدٍ لَا يَضُرّ بِالْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ أَمْضَاهُ لَهُمْ كَمَا عَاهَدُوا حُذَيْفَةَ وَأَبَاهُ الْحُسَيْلَ أَنْ لَا يُقَاتِلَاهُمْ مَعَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَمْضَى لَهُمْ ذَلِكَ وَقَالَ لَهُمَا : انْصَرِفَا نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ ، وَنَسْتَعِينُ اللّهَ عَلَيْهِمْ" .
فيفهم من قيد ابن القيم أن العهد الذي يتعهد به المسلم بغير رضاه ويكون فيه ضرر على المسلمين، فإنه لا يقع، وأي ضرر أكبر من ترك الجهاد المتعين ضد العدو الذي يفسد الدين والدنيا كما نقلنا عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
2- وأيضاً لم ينس كاتب الوثيقة أن يعطي هذه الحلقة نصيبها من السباب والشتم، وكأنها ضريبة النشر!


















الفصل السابع عشر
ملاحظات على الحلقة الثالثة عشرة
يقول كاتب الوثيقة: "ولقد رأيت في زماننا المعاصر بعض من ينادي بالحكم بالشريعة الإسلامية ويرفع راية الجهاد من أجل ذلك لا يطبق الشريعة في خاصة نفسه ولا في جماعته الإسلامية إذا جاءت خلاف هواه، وكنت أقول إذا كان هؤلاء المطالبون بتطبيق الشريعة لا يطبقونها على أنفسهم وهم مستضعفون فكيف سيفعلون إذا تمكنوا وحكموا البلاد؟ وقد أشرت إليهم في كتابي (الجامع في طلب العلم الشريف) منذ عام 1993م، وقد كان هذا دأب اليهود كما وصفهم الله في قوله تعالى: ﴿..يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا..﴾ (المائدة: 41)، كما أن هذا هو دأب المنافقين الذين وصفهم الله بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ {48} وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ {49} أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (النور: 48- 50)، ولا خير في هؤلاء وأمثالهم مع عصيانهم للشريعة كما قال الحق سبحانه: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ﴾ (الأنفال: 23). وما ينكره هؤلاء على الحكام من عدم تطبيق الشريعة يفعلونه وهم مستضعفون.
..................
وهذا أحد أسباب خذلان الله لبعض الجماعات الإسلامية، ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي، وأصبحت المرجعية العليا لديهم للرأي والهوى لا للشرع".
أقول: للأسف الشديد أن هذا نفس كلام الكاتب في كتابه (الجامع) مع زيادة ونقصان قليلين، ونص كلامه في (الجامع):
"وقد رأيت جماعات إسلامية ترفض أن تحتكم في خلافاتها إلى الشرع، مع أنهم يدعون إلى تحكيم الشرع وأن جماعاتهم ما قامت إلا لمحاربة من يحكم بغير ما أنزل الله، فإذا ما دُعوا إلى حكم الله أعرضوا، فهُم أولى بالجهاد من حكامهم، وهذا صريح النفاق كما قال تعالى (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ماأنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً) النساء 61. وقد شاء الله أن أكون حَكَماً في خصومات بعض أطرافها من الدعاة المشهورين وحين وجب الحق عليه تملّص منه وأبى أن يؤدي ماوجب عليه، فقلت: والله لا يَمُنّ الله علينا بحكم إسلامي حتى نرضى بحكم الله فيما بيننا، فقد قال تعالى (إن الله لايغير مابقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)" .
وقصة الواقعة التي أشار إليها الكاتب؛ أن الشهيدين أبا عبد الرحمن الكندي والشيخ عبد الله عزام -رحمهما الله- كان بينهما مشروع إغاثي مشترك، ثم حصل خلاف بينهما، فقررا أن يحيلاه للتحكيم، فاختارا حكمين، كان أحدهما كاتب الوثيقة، ولم أشهد التحكيم, ولكن كاتب الوثيقة قال لي: إن الحكم خرج لصالح أبي عبد الرحمن الكندي ضد الشيخ عبد الله عزام رحمهما الله، وأن الشيخ عبد الله -على قول كاتب الوثيقة- قد تملص من تنفيذ الحكم. وأنا لم أسمع القصة من الشيخ عبد الله عزام ولا من الشيخ أبي عبد الرحمن الكندي رحمهما الله.
المهم أن كاتب الوثيقة اعتبر ما تصوره تملصاً من الشيخ عبد الله عزام من تنفيذ ما حكم به رفضاً لتحكيم الشريعة. تأمل!! ولذلك وصفه بهذه الأوصاف الشديدة (دأب اليهود)، (دأب المنافقين)، (وما ينكره هؤلاء على الحكام من عدم تطبيق الشريعة يفعلونه)، (المرجعية العليا لديهم للرأي والهوى لا للشرع)، (فهُم أولى بالجهاد من حكامهم)، (صريح النفاق)، وهذا المنهج المتعنت كان أحد أسباب الخلاف بينه وبين إخوانه.
ولعل للشيخ عبد الله -رحمه الله- وجهة نظرٍ، ولم نسأله ولم نسمع منه.....فما عرفناه إلا العالم الرباني العابدَ الزاهد التقيّ الورع، من أهل العزائم والصبر والقيام بهذا الدين حق القيام، نحسبه كذلك والله حسيبه، وهب أنه أخطأ في تأويل ووجهة نظر هل لنا أن نقول عنه مثل هذا الكلام الذي قاله كاتب الوثيقة؟!
والعجيب أن كاتب الوثيقة بعد استشهاد الشيخ عبد الله عزام كتب رسالته (تعقيب على تعقيب، أو رد على سفر الحوالي وتعليقه على كتاب الشيخ المجاهد عبد الله عزام"الدفاع عن أراضي المسلمين أهم فروض الأعيان")، وطلب مني أن أحملها لتلاميذ الشيخ، وأبلغهم أن هذه الرسالة تحية وفاء من جماعة الجهاد للشيخ عبد الله عزام.
ولكن لما بدأ كاتب الوثيقة يأخذ طريقه بعيداً عن إخوانه المجاهدين بدأ يظهر هذه الأفكار التي سجلها في كتاب (الجامع)، ثم كررها وللأسف الشديد في هذه الوثيقة، وهي تبين التناقض الشديد لدى كاتب الرسالة، فهذه الغلظة والجفوة والظلم لأهل الجهاد تقابلها الاستكانة والملاينة والاستسلام لأكابر المجرمين. وقد أشرت لهذا الأسلوب في الملاحظة السادسة عشرة من ملاحظاتي على منهج الرسالة.


























الفصل الثامن عشر
عمليات جماعة الجهاد في مصر
1- وعدت القارئ بأني سأؤجل الكلام على عمليات جماعة الجهاد في مصر إلى آخر هذا الباب، وهذا أوان الوفاء بالوعد، فأقول مستعيناً بالله: لقد صور كاتب الوثيقة عمليات جماعة الجهاد، بصورة مجموعة من الحمقى والعملاء -على حسب زعمه- استيقظوا من النوم فجأة، فقرروا أن يفجروا ويضربوا، فقتلوا الأبرياء، ومنهم الطفلة شيماء رحمها الله، وأدخلوا الآلاف إلى السجون، ثم فروا هاربين. وبناء على ذلك فهو يكتب وثيقة الاستسلام للنظام لترشيد (أو لتهشيم) العمل الجهادي. هذه الصورة المبتسرة المحبوسة في هوس الخروج بأية طريقة من السجن لا يمكن أن تعبر عن الحقيقة، ولا أن تحوز حتى على احترام أي باحث يبغي الإنصاف مخالفاً كان أو موافقاً. ولذلك أجدني مضطراً لأن أتناول بالتفصيل أمراً كان كاتب الوثيقة في يوم من الأيام من أكثر المطلعين على الكثير من حقائقه.
2- وحتى لا أطيل على القارئ فسأبدأ حديثي من تولي حسني مبارك للسلطة، فأقول؛ استولى حسني مبارك على السلطة بعد السادات عن طريق مجلس الشعب المزور يحميه الجيش وأجهزة الأمن، وأكمل حسني مبارك السير في طريق الفساد السابق:
أ- تغييب للشريعة عن الحكم والمجتمع، ومحاربة لقيم الإسلام وآدابه.
ب- استسلام كامل للأمريكان، وفتح البلاد لقواتهم من قواعد وخبراء وتسهيلات.
ج- الاستمرار في نفس سياسة التطبيع مع إسرائيل.
د- التعاون مع الأمريكان واليهود في ضرب العراق ثم حصاره.
هـ- قهر الشعب واستخدام وسائل القمع والتعذيب والتعدي على الحرمات ضد أي معارض جاد.
و- الفساد الاقتصادي، واقتصاد الشلل والأصدقاء والطبقة الفاسدة المنتفعة التي دمرت القاعدة الصناعية لمصر وخربت زراعتها.
ز- سد أي أفق للتغيير السلمي، أو حتى لمعارضة سلمية فعالة منتجة مؤثرة.
ح- التخطيط للتوريث من يوم أن تولى السلطة، فهو الرئيس الوحيد في الدنيا الذي ليس له نائب. ولو حتى نائب صوري، فاختيار نائب مغامرة، فقد كان حسني نائباً ثم أصبح رئيساً.
ط- السماح ببعض الألعاب السياسية من أحزاب رسمية وصحف مع بعض الانتخابات المزورة، لا تؤثر في سياسة النظام ولا تمس منافعه ومكاسبه، ولا تمنعه من استمرار جرائمه، وأهم من ذلك كله لا تمس المخطط الأمريكي الصهيوني، بل هي في الحقيقة أحد لوازمه. مثل المجرم الذي يشجعك على تناول الفيتامينات من أجل الحفاظ على صحتك وسلامتك، ثم يقدم لك في قارورة الفيتامينات سماً، فإن تناولته بنفسك فهو ما أراد، وإذا تشككت أو امتنعت، أحاط بك زبانيته وجرعوه لك كرهاً. لكن في أي من الحالين لن تكون سليماً معافاً.
هذا هو الواقع الذي كان ومازال أمام كل حر شريف. ثم كلما اعترض معترض صاح فيه الصائحون: البلد فيها تحول نحو الحريات والتقدم، ألم تر للصحف الجريئة؟ ألا تنظر للانتخابات التي كانوا يحصلون فيها على 15 مقعداً، ثم حصلوا على 80؟ ألا ترى للمفرج عنهم من السجون؟ ألا ترى القنوات الفضائية والضجة الإعلامية؟
كل هذا ومخطط تخريب البلاد والعباد ماض في طريقه؛ عدوان على عقيدة الأمة وحريتها وكرامتها وثرواتها وأرضها واعتداءات على العراق وأفغانستان وحصار لغزة. مع بعض العطور المؤقتة لمحاولة تغطية العفن الذي يزكم الأنوف الذي انتهى بمصر من بلد قائد للعالم الإسلامي والعربي، ومدافع عن الإسلام ضد الصليبيين والتتار إلى ذيل تابع للأمريكان.
3- المهم أعود للسنوات الأولى من حكم مبارك حتى لا أطيل فأقول كان واضحاً أنه إزاء هذا الفساد والإفساد المركب المستشري لا حل إلا الرفض، والصورة الشرعية التي تعلمها المسلمون من دينهم وأعزهم الله بها هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذروته الجهاد. فقد كان واضحاً ولا زال لكل منصف ذي عينين أن هذا الواقع الفاسد لن يتغير باللين والمسالمة، ولن يتغير إلا بالقوة. وحتى هذه الوثيقة التي يروجون لها تحمل في طياتها إقراراً بهذا، فالفكرة الرئيسية في الوثيقة تقول إننا ضعفاء غير قادرين على التغيير فلنرفع أيدينا ولنهرب.
4- فبدأنا بعد خروجنا من السجن نعد لهذا التغيير الجهادي. كنا موقنين أن الأمر يتطلب إعداداً طويلاً، وحشداً وأعواناً ووعياً. ولذلك بدأنا في حملة من التوعية العقائدية والفكرية والسياسية، شارك فيها بقوة كاتب الوثيقة، ولا زال متمسكاً بكثير من معتقداته، وإن كان يخفيها أو يواري في إظهارها. وبدأنا بحشد الأنصار وتنظيمهم، وبدأنا بإعداد نواة عسكرية بذلنا في تدريبها أقصى ما نستطيع. وكان اجتهادنا أن هذه النواة العسكرية أو الجهادية ليست هي وسيلتنا لقلب النظام، ولكنها وسيلتنا لتوعية الأمة وإيقاظها، وهو ما نجحت فيه قاعدة الجهاد اليوم، فعبر العمليات على أعداء الأمة من اليهود والأمريكان أساساً، تستعيد الأمة أملها في العزة وثقتها في نفسها وتبدأ في المشاركة في التصدي للظلم والظالمين، وكنا نتوقع، وهو ما حدث اليوم بالضبط، أننا بتصدينا للأمريكان واليهود ستهب هذه الأنظمة الفاسدة المفسدة لتدافع عنهم، وهنا تنكشف عملياً أمام شعوبها.
5- وفي بداية التسعينيات حدث تطوران هامان:
أ- الأول بدء حملة المطاردة الأمريكية للتيارات الجهادية عموماً، بدأت بطردهم من أفغانستان ثم بعد ذلك وصلت لكل مكان، دون أي اشتباك منا مع الأمريكان.
ب- الأمر الثاني هو القبض على عدد كبير من إخواننا في جماعة الجهاد وتقديم ثمانمائة منهم إلى المحاكم العسكرية فيما عرف بقضايا طلائع الفتح، وحكمت المحكمة على أربعة منهم بالإعدام. وخرجت الصحف الحكومية مزهوة متفاخرة بالقبض على ثمانمائة عضو في جماعة الجهاد بدون إطلاق طلقة واحدة.
وقررنا أن ندخل معركة المواجهة مع الحكومة، بعد أن كان خطنا السابق هو الصبر والتربص والانتشار وتجنيد العناصر استعداداً لمعركة التغيير.
لماذا قررنا أن ندخل معركة المواجهة مع الحكومة؟
قررنا أن ندخل المعركة حتى نبقى أحياءً، وتبقى الفكرة الجهادية حية، ولا تنكسر معنوياتنا ومعنويات الأمة من بعدنا. قررنا أن ندخل المعركة حتى نحافظ على إرادة القتال ونفشل حملة التيئيس الحكومية، قررنا أن ندخل المواجهة حتى لا نتحول إلى مطاردين كل أملنا هو اللجوء السياسي أو المحافظة على أسرنا أو الاستسلام والمراجعات، قررنا المواجهة حتى لا تنطفئ شعلة الجهاد حتى وإن خبت في مرحلة ما، لكي ننقلها من جيل لجيل حتى تصل لجيل النصر عسى الله أن يجعلنا منهم، قررنا المواجهة حتى تبقى بذورنا في التربة تنتظر موسم الربيع بدلاً من أن نقتلعها بأيدينا، قررنا المواجهة حتى نكون فئة لكل مجاهد ينضم للمسيرة، وحتى نطور جهادنا مع إخواننا المجاهدين في ديار الإسلام.
لقد هدفت حملة البطش منذ اغتيال أنور السادات إلى كسر إرادة الحركة الإسلامية وخاصة نواتها الصلبة المتمثلة في الجماعات الجهادية، وقد اتخذت هذه السياسة منحى تصاعدياً خطيراً منذ تسلم زكي بدر لوزارة الداخلية، حيث بدأ يتبجح علناً بأن علاج الجماعات الإسلامية هو الضرب في سويداء القلب.
وكان هدف حملة البطش واضحاً ألا وهو زرع اليأس في قلوب الشباب المسلم، وإيهامهم بأن أية مقاومة لا جدوى منها، ولن تؤدي بأصحابها إلا إلى الكوارث والنكبات، وأن السبيل الوحيد هو الاستسلام. كما تحاول أمثال هذه الوثائق أن توهمهم.
وكان السكوت عن الرد على هذه الحملة نتيجته المؤكدة هو فقدان الحركة الإسلامية لثقتها في نفسها، وتراجعها إلى الخلف والانزواء والصمت والعودة إلى عهد الرعب الناصري، وكان هذا التيئيس من جدوى أية مقاومة هو حجر الزاوية في سياسة التوسع اليهودي في المنطقة. فقد أدرك اليهود أن قمع المقاومة المضادة لهم لن ينجح ألا إذا زرعوا روح اليأس في نفوس المسلمين.
والرد على هذه الحملة الباطشة بالعمليات الجهادية لن يقي الشباب المسلم فقط من اليأس ولكنه أيضاً سيملأ نفوسهم بالأمل والثقة بالنفس بعد الثقة بالله تعالى. فقد اكتشف الشباب المسلم أن عدوه ليس أسطورة لا تقهر، بل هم بشر متكالبون على الدنيا، وأن النيل منهم ليس بالأمر الصعب.
ولا تتوقف ثمرة المقاومة الجهادية على بث الامل في نفوس الشباب المسلم فقط، بل إنها أيضاً توجه نفس السلاح إلى أعوان النظام، فتنال منهم الحرب النفسية، وتتحطم معنوياتهم، وهم يرون زملاءهم يتساقطون من حولهم.
كما أن تصعيد العمل الجهادي للنيل من الأهداف الأمريكية واليهودية يبعث روح المقاومة بين أفراد الشعب الذي يعتبر اليهود والأمريكان رمزاً بشعاً على التكبر والطغيان. من أجل كل هذا كان لا بد من المقاومة، بل ولا بد من استمرار المقاومة.
واليوم وأنا أنظر للواقع وللماضي القريب أشعر بفضل الله علينا، فقد نجحت سياستنا في المقاومة والصمود وعدم الاستسلام. فقد تحقق لنا بفضل الله أكثر مما كنا نتوقع في هذه السنوات المعدودات.
إن أي محلل منصف للوضع يستطيع أن يدرك مدى الكوارث التي كان يمكن أن تقع لو لم يقتل أنور السادات، ولو لم تستمر المقاومة ضد الحكومة المصرية.
وأستطيع أن أقول بقوة أنه لو لم يقتل أنور السادات ولو لم تقاوم الحركة الإسلامية لكانت مصر الآن مقسمة هي وغيرها من دول المنطقة تحت النفوذ الأمريكي والتوسع الصهيوني.
بل حتى على صعيد الحريات التي يخادع بها المستسلمون والعلمانيون في مصر، فيقولون إن في مصر تحولاً ديمقراطياً، واتجاه متزايد نحو الحريات، إلى غير ذلك من الخدع، فلولا قتل أنور السادات تصدي المجاهدين للحكومة العميلة، لكان العلمانيون والتيارات الإسلامية المهادنة بل حتى رؤساء الأقباط في السجن إلى ما شاء الله، ألم يجمعهم السادات في قرار التحفظ في سجن استقبال طرة؟ ولم يخرجهم إلا خالد الإسلامبولي وصحبه الأبرار رحمة الله عليهم وعلى شهداء المسلمين.
ثم خرج الإخوان من السجن، فبدلاً من أن يشكروا من أخرجهم قال التلمساني إن مقتل السادات كمقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، ثم لم يستريحوا حتى خرجوا في مظاهرة النفاق التي خرجت من مجلس الشعب للقصر الجمهوري فبايعوا حسني مبارك -قاتل كمال السنانيري رحمه الله- رئيساً لفترة ثانية. ثم يقولون إن جماعات (العنف) قد تراجعت إلى منهج الإخوان، وأظن أن الذين خرج مرشدهم الثاني من لقاء قاتل مرشدهم الأول فقال: مقابلة كريمة لملك كريم، والذين ذهب مكتب إرشادهم الجديد ليوقع في سجل تشريفات قصر عابدين معلنين الولاء لقاتل شيخهم، ليس من حقهم أن يتحدثوا عن تراجعات.
ويذكرني هذا بما سجلته في الطبعة الثانية من كتابي (فرسان تحت راية النبي صلى الله عليه وسلم) عن الأستاذ فتحي رضوان المحامي رحمه الله، عندما ذهبت إليه في مكتبه لأشكره على ترافعه عني متطوعاً، بعد أن من الله علي بالإفراج من السجن، فاستقبلني بكرم وحفاوة، وقال لي: إنه يشكرني على هديتي التي أرسلتها له، وإنه يعتبر أن مجرد شكري وامتناني له تقدير كبير له، وأنه هو في الحقيقة المدين لنا بالشكر، فقد أعد السادات سجن الاستقبال لمعارضيه، وكان ينوي أن يحبسهم فيه، ولا يخرجهم منه، وأنكم أنتم (يقصد خالد الإسلامبولي ورفاقه -رحمهم الله- والشباب المجاهد) الذين أخرجتمونا من السجن.
فتأثرت جداً من هذا العرفان من هذا السياسي المناضل المحنك، وقارنته -بمزيد من الأسف- بقادة حركات إسلامية أخرجهم خالد الإسلامبولي ورفاقه الأبرار -رحمهم الله- من السجن، ثم زعموا أن قتل السادات جريمة، وأن السادات قتل شهيداً. ثم أقارنه الآن بمن تسول الإفراج من الحكومة بإظهار تأسفه على قتل السادات.
تَعالى اللَهُ يا سَـلمَ اِبنَ عَمرٍ أَذَلَّ الحِرصُ أَعناقَ الرِجالِ
هَبِ الدُنيا تُساقُ إِلَيكِ عَفواً أَلَـيسَ مَصيرُ ذاكَ إِلى زَوالِ
فَما تَرجـو بِشَيءٍ لَيسَ يَبقى وَشـيكاً ما تُغَيِّرُهُ اللَـيالي
وأعتذر للقارئ الكريم عن هذا الاستطراد، ولكني كما قال متمم بن نويرة في رثاء أخيه مالك:
لقد لامني عند القبور على البكا رفيقي لتذراف الدموع السوافك
فقال أتبكي كل قبر رأيته لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك
فقلت له إن الشجى يبعث الشجى فدعني فهذا كله قبر مالك
6- شرعنا في المواجهة، التي سبقنا فيها إخواننا الكرام في الجماعة الإسلامية، ولكن إخواننا في الجماعة الإسلامية كانت لديهم مشكلة أساسية في نظري، ألا وهي تبجيلهم الزائد لقيادة السجن، التي كانت تفرض نفسها على قيادات الخارج، وكانت النتيجة أن دفعوهم مبكراً للمواجهة حتى يخففوا من ضغط الحكومة عليهم في السجون، ثم كانت الطامة حينما قتلوا الجماعة باستسلامهم في السجون من أجل الإفراج عنهم حتى وإن أدى بهم ذلك للاعتراف بحسني مبارك رئيساً وبالسادات شهيداً، فخنقوا الجماعة وأزهقوا روحها.
لقد كانت أحد المشاكل الأساسية لدى إخواننا في الجماعة الإسلامية؛ هي تبجيلهم الزائد لإخوة الصف الأول، أو من كانوا يسمونهم (بالإخوة الكبار)، وابتلع الصف الثاني هذا التبجيل، وسوقه لمن بعدهم، وقامت الجماعة على ذلك، بل لقد أعطوا لهؤلاء الإخوة الكبار في لائحة الجماعة حق اتخاذ القرارات المصيرية في الجماعة، ولم يبق للذين في الخارج إلا تنفيذ الخطوط العامة التي يرسلها لهم الإخوة الكبار، وقد كانت هذه مشكلة بيننا وبين إخواننا في الجماعة الإسلامية، وتحطمت عليها العديد من محاولات الوحدة، فكان علينا أن نعرض كل ما توصلنا عليه على الإخوة الكبار، فيقروا منه ما يشاءون، وكان علينا أن نقبل بقيادتهم الحقيقية، ولما كان هذا التصور منافياً للعقل فقد تحطمت على صخرته العديد من محاولات الوحدة. تلك الوحدة التي لو قدر لها أن تقوم، فما يدري أحد كيف كانت ستسير الأمور؟ وسامح الله الإخوة الكبار.
ورغم اقتناع الكثير من القيادات في الخارج بمنطقنا إلا أنهم كانوا يصرحون لنا أن هذا أمر قد بنيت عليه الجماعة، ولا يمكن نقضه، وأن علينا أن نتعامل معه كأمر واقع، وأن نجد من الحلول العملية ما نتكيف به معه، وكان ردنا أن هذا غير جائز وغير ممكن.
المهم تلاعبت قوى الشر والمباحث بالإخوة الكبار، وبدأوا في إصدار مبادراتهم، وأصيب من في الخارج بالارتكاب والاختلاط، ولكن كان الجميع يحرصون ويطالبون الإخوة بالحرص على وحدة الجماعة، ولم يدركوا أن هذه الوحدة ستجرهم مع الإخوة الكبار لهوة المباحث.
وكنا إذا طالبناهم بالتصدي لهذه التنازلات يتذرعون بحجج ضعيفة، مثل أننا لا ندري حقيقة ما يجري، وأننا لا نريد أن نصعد المواجهة معهم حتى لا يوغلوا أكثر في التنازل، وأننا أرسلنا لهم عبر وسطاء، وننتظر الرد، وأننا نحاول أن نصل معهم لحل وسط ... إلى آخر هذه التعلات، وللأسف كان الوسطاء جزء من مؤامرة المباحث، واستمر المخطط المباحثي في النخر في عظام الجماعة الإسلامية مستغلين تلهف من بالداخل على الخروج من السجن وارتباك من بالخارج، واستمرارهم في العيش في وهم (الإخوة الكبار) الذين يعلمون أكثر مما نعلم والذين لا يمكن أن يتنازلوا. وفي محاولة لاحتواء الموقف أصدر من بالخارج بياناً للموافقة على المبادرة باعتبارها هدنة مع الحكومة، وكانت تلك خطوة على طريق تمزيق الجماعة وخنقها. فبينما وافق من بالخارج على وقف العمل العسكري والتحريض عليه، استمر الإخوة الكبار في التنازل حتى وصلوا للاعتراف بشرعية حسني مبارك بل والثناء عليه لحرصه على قضية فلسطين.. (تأمل) واعتبار السادات شهيداً، وأن الطالبان حمقى لأنهم لم يقبلوا عرض أمريكا بتسليم ابن لادن، وأننا نحن الذين استفززنا أمريكا التي لم تكن تسعى لعداء المسلمين، وأنهم سيتطوعون للإبلاغ عن أي شخص يشتبهون في عمله ضد الحكومة.
وهنا صرخ بعض من قيادات الخارج؛ بأننا لم نوافق على ذلك ولم نقر به، ولكن كان الوقت قد فات، وتم القضاء على الجماعة.
ولما جاءت أحداث سبتمبر انطلق الإخوة الكبار ضد القاعدة، ليجنوا المكاسب الحقيقية!!
كل هذا لأن إخواننا في الجماعة أسلموا قيادهم لإخوتهم الكبار الذين تتحكم بهم المباحث حتى اليوم، ولا زالوا بعد الإفراج عنهم تحت مراقبتها الدقيقة، ولا يسمح لهم بلقاء وسائل الإعلام ولا حضور اللقاءات العامة إلا بموافقة الباشوات والبكوات في أمن الدولة، بل ويعاقبون على أي خروج عن الطاعة أو تمرد عليها، وما حدث لصلاح هاشم من تعذيب واعتقال لقرابة عام -رغم أنه أحد آباء التنازلات- دليل صارخ على ذلك.
المهم أن الذي يعنينا في هذا السياق؛ هو الحذر كل الحذر من قيادة الأسرى، وأن ما يصدر عنهم يجب أن يراجع بميزان الشرع، وبميزان الواقع ومصلحة الجهاد، وأن آراءهم وتوجيهاتهم يشوبها ما يشوبها، وأن الانزلاق الأعمى وراءها يؤدي لكوارث وخيمة.
7- وعودة لسياق العمل الجهاد في مصر، فأقول: بعد عدة جولات بدأ النظام يترنح، ولم يجد النظام بداً من أن يسعى لتحويل المعركة ضد الحركة الإسلامية المجاهدة إلى معركة دولية، فقد أضحى النظام عاجزاً عن مواجهة المد الجهادي المتصاعد، الذي هدد كيانه، ووجه الضربات المتتالية لرأس نظامه.
8- والنظام في مصر يتكون من فرعون واحد، وطائفة من المنتفعين المنافقين عباد الراتب والمنافع يدورون في فلكه، وبلغ من أنانية هذا الفرعون وتشبثه بالكرسي، أنه لم يختر نائباً له طوال ستة وعشرين عاماً أمضاها في حكم مصر، فإذا سقط الفرعون قتيلاً فسيصبح النظام كله في تيه وضياع.
وقد استفاد المجاهدون من التجارب السابقة في صراعهم مع هذا الفرعون ونظامه، حيث كان ما سبق من مجموعات مجاهدة توجد بجميع مكوناتها في الداخل، فبمجرد وصول أجهزة الأمن لأحد أطرافها تبدأ في التعذيب الوحشي حتى تصل للقيادة، فإذا وصلت للقيادة عصرتها بالتعذيب الوحشي، حتى تحصل على كل المعلومات. لذا قرر المجاهدون أن تكون القيادة والأفرع المعاونة لها في الخارج، وبهذا يكون رأس التنظيم وعقله ومراكز التحكم فيه بعيدين عن بطش النظام، بينما تنتشر أذرعه في الداخل، فإذا تمكنت أجهزة الأمن من مجموعة، نشأت مجموعة غيرها، وبذلك يتواصل الجهاد. وبسبب هذه السياسة تصاعدت حملات المجاهدين بفضل الله، حتى وصلت لتوجيه ضربات عديدة لرأس النظام، أنجاه منها قدر الله وحده.
9- ولأن النظام تأكد من عجزه عن مواجهة المد الجهادي المتصاعد فقد استغاث بالقياصرة الجدد في واشنطن وسعى حثيثاً لإقناعهم بأن سقوطه سيعني ضياع مصالحهم في الشرق الأوسط، وتهديدها في سائر العالم الإسلامي.
وبعد أن اقتنعت أمريكا أن النظام لا يستطيع أن يصمد وحده أمام هذه الحملة الجهادية، واقتنعت أيضاً أن هذه الروح الجهادية ستقلب -على الأرجح- الأمور في المنطقة رأساً على عقب، وتطرد أمريكا منها، وحينئذ سيقع الزلزال الذي يرتجف الغرب من احتمال حدوثه ألا وهو؛ قيام دولة الخلافة الإسلامية في مصر، تلك الدولة التي إن قدر لها -إن شاء الله- أن تقوم فستصبح -بما تمثله مصر من ثقل في قلب العالم الإسلامي- قادرة على أن تقود العالم الإسلامي جميعه في جهاده ضد الغرب، ومرشحة لأن يلتف حولها مسلمو العالم كله، وحينئذ سيدور التاريخ -إن شاء الله- دورة جديدة في الاتجاه المعاكس ضد إمبراطورية أمريكا وهيمنة الغرب.
10- وبعد أن اقتنعت أمريكا بهذا بدأت حملة المطاردة للمجاهدين من مصر في أنحاء العالم، بعد أن عجزت الحكومة المصرية عن التصدي لهم، وعن إيقاف مدهم المتصاعد.
كانت هذه الحملة قد بدأت بطردهم من أفغانستان، أما الآن فقد تصاعدت بأضعاف ما كانت، فبدأ الضغط الأمريكي على معظم الدول لتسليم المجاهدين أو طردهم.
11- ومرت بالمجاهدين فترة عصيبة، ولكنها كانت منحة في ثوب محنة، فقد قرر المجاهدون أن يوجهوا ضرباتهم لرأس الكفر العالمي وللشيطان الأكبر، وبزغ فجر جهاد الأمة المسلمة ضد أعدائها الصليبيين واليهود، وكان فتحاً عظيماً ساق المولى بحكمته المجاهدين له سوقاً. قال الحق تبارك وتعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾.
12- لذا فإن القول بأن النظام المصري قد استطاع قمع الحركة الجهادية في مصر قول يجافي الحقيقة، أما الواقع فهو أن النظام المصري قد عانى من ضربات المجاهدين المتصاعدة، التي كادت أن تصل لرأسه وتهزمه، فاستغاث بالأمريكان لمطاردة المجاهدين، فتحالف المجاهدون مع إخوانهم، وكونوا الجبهة الإسلامية العالمية لجهاد اليهود والصليبيين ثم جماعة قاعدة الجهاد، وشنوا حملة عالمية ضد رأس الكفر أمريكا، ونشروا الجهاد ضدها في أنحاء الدنيا، وخاضوا ضدها حربين جهاديتين في العراق وأفغانستان، ثم عادت العمليات الجهادية مرة أخرى لمصر. هذه هي الحقيقة التي يلتف حولها النظام والأمريكان.
13- ثم هؤلاء الذين يتفاخرون بمهارة النظام المصري في قمع الحركة الجهادية يتناسون ويتغاضون عن الثمن الفادح الذي دفعته مصر من أجل ذلك، يتناسون تلك الحملة الوحشية من التعذيب والاعتداء على الأعراض بل على كل قيمة ومبدأ والمحاكم العسكرية الجاهزة الأحكام، وقرابة مائة وثلاثين حكماً بالإعدام وأحكام السجن الطويلة بل والاعتقال بدون توجيه تهم إلى آخر هذه السلسلة القذرة. هذه الحملة التي تمت وتتم تحت الإشراف الأمريكي المباشر.
ويتناسى هؤلاء أيضاً أنهم والأمريكان كانوا يشنعون على الاتحاد السوفيتي ودول حلف وارسو نفس هذه الأساليب في قمع شعوبهم، وفي النهاية سقط الاتحاد السوفيتي وانهار حلف وارسو.
14- والدرس الهام الذي يجب أن نتعلمه من هذه الفترة؛ هو أن المعركة بين الإسلام والكفر لا يمكن أن تنحصر في قطر أو إقليم، لأن أعداء الإسلام يتحالفون ضده من كل مكان وفي كل مكان.
ولذا على المسلمين أن يواجهوا هذا التحالف على جبهتين:
أ- الأولى ضرب المصالح اليهودية والصليبية التي تشارك دولها في العدوان على المسلمين، كي تنهض الأمة وتشارك في الجهاد ضد أمريكا وإسرائيل.
ب- والثانية العمل الدؤوب على تغيير تلك الأنظمة الفاسدة المفسدة.
15- وقد يتساءل متسائل فيقول ألا ترى أن الثمن كان باهظاً؟
وجوابي نعم ثمن باهظ لهدف غال يستحق ذلك الثمن. يقول الحق تبارك وتعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ).
ومن يخطب الحسناء لم يغلها المهر
وأوضح مقصدي فأقول:
أ- لقد كان الثمن غالياً ولكن الإنجازات كانت أيضاً كبيرة بفضل الله، ومن هذه الإنجازات:
(1) تصاعد قوة الحركة الجهادية: تظهر المقارنة بين سعي مجموعة الشهيد -كما نحسبه- الأستاذ سيد قطب في الستينيات لإعداد قوة للرد على حملات بطش عبد الناصر وبين ما وصلت إليه الحركة الجهادية اليوم مدى النمو المتصاعد للحركة المجاهدة، ولم تبلغ الحركة المجاهدة هذا المستوى المتفوق، الذي جعلها طليعة الأمة المسلمة في وجه الحملة الصليبية الصهيونية المعاصرة بالتراجع والانهزام وتزلف الحكام والتنكر لأحكام الإسلام وأصول عقائده والمراجعات ووثائق الترشيد، ولم تبلغ هذا المستوى بالتنكر لحاكمية الشريعة ومحاولة تسول بضع مقاعد في المجالس التشريعية، بل بلغت ذلك بالثبات على أصول التوحيد وأحكام الشريعة والعطاء والبذل المتواصل بالنفس والمال ومئات الشهداء وآلاف الأسرى والجرحى والمعاقين والأرامل والأيتام، بلغت ذلك بالهجرة والمطاردة وترك الأهل والأوطان وحياة الدعة والراحة والمناصب والوظائف والربح والتجارة والمغانم. يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ {146} وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ الْكَافِرِينَ {147} فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
قال السموأل:
إِذا المَرءُ لَم يدنَـس مِنَ اللُؤمِ عِرضُهُ فَـكُلُّ رِداءٍ يَرتَديهِ جَـميلُ
وَإِن هُوَ لَم يَحمِل عَلى النَفسِ ضَيمَها لَيسَ إِلى حُسنِ الثَناءِ سَبيلُ
(2) ومن هذه الإنجازات إيضاح الفكر والمنهج: استطاعت الحركة الإسلامية أن توضح -إلى حد كبير- المعالم الأساسية لمنهجها مستندة إلى أصول قوية من أدلة القرآن والسنة وإجماعات الفقهاء المعتبرين، مما وفر لها قاعدة متينة رفعت فوقها رايتها التي تجتذب كل يوم -بفضل الله تعالى- أنصاراً جدداً.
(3) ومن هذه الإنجازات التواصل الإعلامي الواسع بين الطليعة المجاهدة وأمتها. يقول مايكل شوير :

"لقد بذل ومعاونوه قدراً طائلاً من المال والوقت والفكر حتى يبنوا إعلاماً عالمياً وجهازاً للدعاية. ويعمل اليوم هذا الجهاز بكامل طاقته، ويطل ابن لادن والظواهري، ويستحوذان على الإعلام الدولي وقت ما يشاءان، وبنفس الأهمية فإن الوجود المتعدد المواقع للقاعدة على الإنترنت يعرض باستمرار تعليقاتها السياسية والدينية وتقاريرها الإخبارية أمام أهم أنصارها؛ طبقات العالم الإسلامي الوسطى والعليا الوسطى الملمة بالإنترنت" .
(4) ومن هذه الإنجازات الانتشار: لا شك أن الحركة الإسلامية المجاهدة قد حققت خلال تلك الفترة انتشاراً واسعاً متزايداً متنامياً وخاصة بين صفوف الشباب.
بل كسبت الحركة الجهادية -بضربها لأمريكا ولإسرائيل ثم بخوضها لحربين جهاديتين في العراق وأفغانستان- محبة وتأييد وتعاطف جماهير واسعة من الأمة المسلمة. وأصبحت هي رمز المقاومة الشعبية للحملة الصليبية الصهيونية على الأمة المسلمة.
ب- ثم إن هذا هو الطريق. يكفي أن أضرب مثالاً بالفتوحات الإسلامية التي أنشأت في قرن واحد دولة علمت الدنيا التوحيد ومكارم الأخلاق من الأندلس لأطراف الصين، كم كان ثمن هذا التحول التاريخي في مسيرة البشرية؟ عشرات الآلاف من شهداء الصحابة والتابعين وتابعيهم رضي الله عنهم، الذين قدموا أرواحهم في سبيل الله.
16- ثم بعد هذه المقدمة أنتقل لما ذكره كاتب الوثيقة عن عمليات جماعة الجهاد في مصر:
أ- فبداية لا بد أن يجيب الكاتب عن سؤال هام وهو: هل رئيس الوزراء عاطف صدقي ووزير الداخلية حسن الألفي مجرمان خارجان عن الإسلام مستسلمان لأمريكا ومضيعان لفلسطين ومعترفان بشرعية إسرائيل ومستحقان للقتل؟ أم هما من أطهر الناس وأنقاهم ومن أولياء الله الصالحين؟ هذا سؤال في غاية الخطورة، والجواب عنه يغير وصف العمليتين تماماً من جهاد في سبيل الله إلى جنايتي قتل.
ب- واضح من أسلوب سرد الكاتب لحادثي الهجوم على وزير الداخلية ورئيس الوزراء أنه أسلوب التقارير المباحثية، ويتضح ذلك من التدقيق في كلمات وعبارات السرد، فمثلاً:
(1) ذكر الكاتب عبارة (أصدر الظواهري تكليفاً لعناصر التنظيم)، وذكر كلمة (القيادي) وهي مصطلحات تستخدمها المباحث وتنقلها عنها الصحف، ولا يستخدمها المنتمون للحركات الإسلامية. فالمنتمون للحركات الإسلامية يستخدمون عبارات (الجماعة) و(الأخ) فلان.
(2) الأسماء التي ذكرها ثلاثية كاملة. فإذا افترضنا أن اسم نزيه نصحي راشد معروف له، فمن أين له بالاسم الكامل لضياء الدين حافظ محمود؟ أنا لا أعرف اسمه الكامل، وأعرف فقط أن اسمه ضياء، رحمة الله عليه وعلى جميع شهداء المسلمين، بل من أين له بالأسماء الكاملة للقتلى الثلاثة في حادث وزير الداخلية، واضح أن هناك من يقدم له التقارير عن حادثة تمت من أربعة عشر عاماً، ويملي عليه شيئاً.
ج- أهمل الكاتب تماماً رواية جماعة الجهاد للحادثين، وهو كان يعلمها من معايشته للجماعة، بل كان يستطيع أن يطلع عليها من الصحف، فقد ذكرت الصحف مقتطفات من تحقيقات النيابة مع الإخوة في وقتها، أو من كتابي (فرسان تحت راية النبي صلى الله عليه وسلم)، الذي نشرت الشرق الأوسط أجزاء منه، فإن قال إنه كان في السجن وقت نشر الشرق الأوسط للكتاب، فهل كان في السجن لما كان معايشاً للجماعة، ثم هو لما كتب هذه الوثيقة كتبها في السجن، فمن الذي أمده بالمعلومات؟ إن قال إنه يتذكرها من ذاكرته، فلماذا لم تسعفه ذاكرته برواية إخوانه؟ وللأسف سيرى القارئ أن مركز مقاومة الإرهاب في الجيش الأمريكي كان أكثر إنصافاً من داعية الترشيد، فقد أورد روايتي من كتابي (فرسان تحت راية النبي صلى الله عليه وسلم) عن حادث عاطف صدقي.
د- المهم كيف وقع الحادثان؟
(1) حادث وزير الداخلية تم عبر عملية استشهادية قام بها الأخ الشهيد -كما نحسبه- ضياء الدين رحمه الله، ولم يشارك في الهجوم الأخ الشهيد -كما نحسبه- نزيه نصحي رحمه الله، وإنما كان متابعاً للحادث، وأصيب فيه، ولم يقتل وزير الداخلية في الحادث وأنما كسرت ذراعه بشظية، ووقاه من باقي الشظايا كومة من الملفات كانت بينه وبين التفجير، فقد كان يراجع ملفات الضباط المرشح ترقيتهم في حركة ترقيات متوقعة. وعقب الحادث أطلق حراس الوزير وابلاً كثيفاً من النيران، كما أن حراس الباب الجانبي للجامعة الأمريكية المواجه للحادث أطلقوا أيضاً وابلاً من الرصاص.
وأصيب نزيه نصحي رحمه الله إصابة بالغة، بينما نجا وزير الداخلية، ونقل نزيه لمستشفى القصر العيني وحاولوا إنقاذه ولكن فاضت روحه لبارئها، نسأل الله له الرحمة والقبول، ومن جثته تعرفوا عليه. فقد كان رحمه الله مطلوباً لهم منذ وقت طويل.
ونزيه نصحي راشد بطل من أبطال الإسلام في مصر، الذين لم يوفوا حقهم من التعريف، ضحى بنفسه وماله، وهاجر هو وأسرته، وأعد وخطط وقاتل بنفسه، في قصة طويلة من آلاف قصص التضحية والفداء في سبيل الله التي يتنكر لها اليوم أصحاب وثائق الترشيد.
وكان السؤال المثير للاستغراب إذا كانت العبوة غير كافية لأن تقتل وزير الداخلية، فكيف قتلت نزيه نصحي الذي كان يقف بعيداً على الرصيف؟ ثم جاءتنا رواية من إخواننا في مصر، أن نزيه -رحمه الله- شاهد امرأة تدخل في دائرة التفجير وقت الحادث فاندفع إليها يحذرها فنجت وأصيب هو إصابة بالغة.
أما الذين قتلوا في الحادث، فلا نعرف من هم؟ هل هم من حراسة الوزير أو من الشرطة أو من غيرهما؟ وهل قتلوا بشظايا الانفجار أم برصاص حراس وزير الداخلية والشرطة؟ فمن قتل من؟
للأسف إن الرواية الوحيدة المتوفرة هي الرواية المباحثية، وهي رواية من لا عدالة لهم، بلا من لا دين لهم، حتى عند كاتب الترشيد.
أما من ناحيتنا فإن كان هؤلاء من عوام المسلمين الذين قتلوا بغير قصد فنحن نتحمل دياتهم، وهو ما سأوضحه بتفصيل أكثر عند الحديث عن حادث رئيس الوزراء.
(2) كيف تم حادث الهجوم على رئيس الوزراء؟
(أ) كانت الأوامر لإخواننا المجاهدين داخل مصر باستطلاع الأهداف الأمريكية والإسرائيلية ورصدها، وبالفعل رصد الإخوة عدداً من تلك الأهداف. ثم أرسلوا لنا بأنهم قد رصدوا موكب رئيس الوزراء عاطف صدقي، وأنه يمكنهم تنفيذ الهجوم بسهولة، ثم يواصلون حملتهم على الأهداف الإسرائيلية والأمريكية، فوافقنا باعتباره يمثل الرجل الثاني في الحكومة العميلة لأمريكا وإسرائيل.
(ب) وقام إخواننا المنفذون للهجوم باستطلاع مكان الهجوم فوجدوا مدرسة تحت الإنشاء، فظنوها خالية من التلاميذ، فوضعوا أمامها السيارة الملغومة في مساحة لانتظار السيارات باعتبار أن هذا المكان لن يصاب من تفجير السيارة فيه إلا موكب رئيس الوزراء، ولكن تبين -فيما بعد- أن الجزء الخارجي من المدرسة فقط هو الذي كان تحت التجديد، أما بقية المدرسة فكانت تعمل.
ونجا رئيس الوزراء من الهجوم بخروج سيارته من دائرة الانفجار بأجزاء من الثانية، بعد أن أصابتها شظايا الانفجار. ولكن أصيبت فيه طفلة تدعى شيماء، كانت تلميذة في المدرسة المجاورة، وكانت تقف قريباً من موقع الحادث. وقد استغلت الحكومة مقتل الطفلة شيماء رحمها الله، وصورت الحادث على أنه هجوم من جماعة الجهاد على الطفلة شيماء وليس على رئيس الوزراء عاطف صدقي. وأظهرت الصحف صور والدي شيماء وهما ينتحبان على ابنتهما، وصور شيماء في طفولتها المبكرة. وحاولت تهييج مشاعر الجمهور بهذه الأساليب، لتبعد أنظار الناس عن القضية الأساسية في الصراع بين المجاهدين والحكومة العميلة لأمريكا وإسرائيل.
وقد آلمنا جميعاً مقتل هذه الطفلة البريئة بدون قصد. ولكن ما حيلتنا ولا بد لنا من جهاد الحكومة المحاربة لشرع الله والموالية لأعدائه. وقد بذلنا الجهد في الأخذ بالأسباب والحذر من إصابة أي مسلمٍ، وأنذرنا أفراد الشعب من قبل عدة مرات -وخاصة بعد الهجوم على وزير الداخلية حسن الألفي- أن يبتعدوا عن مقار أركان النظام ومساكنهم وطرق تحركهم. وأركان النظام لا يتميزون في مساكن ومكاتب ومواكب بعيدة عن الجمهور، ولكنهم يختلطون بهم ويحتمون بزحامهم، فليس لنا بد من ضربهم مع إنذارنا لعامة الناس. وقد لخص أخونا السيد صلاح –رحمه الله- هذا الموقف -عندما سئل في تحقيق النيابة عن قتل الطفلة شيماء- بقوله: إنه يأسف لمقتل هذه الطفلة، ولكن الجهاد لا يجب أن يتوقف.
وفي ما يتعلق بالآثار المترتبة على إصابة المسلمين -دون قصد- من هذا الرمي فقد اخترنا أداء الدية إلى أولياء القتيل أخذاً بأشد الآراء في المسألة، وإن كان هناك كثير من الفقهاء يرون أنه لا دية ولا كفارة في مثل هذه الواقعة، ولكننا اخترنا التحوط في الدين فأخذنا بأشد الآراء، وقد شرحت المسألة تفصيلاً في الفصل الثامن عن التترس.
كما شرحت هذه المسألة تفصيلاً من قبل في رسالتي المسماة (شفاء صدور المؤمنين)
الصادرة في مارس 1996م .
وكررت هذا التعهد في كتابي (فرسان تحت راية النبي صلى الله عليه وسلم)، الذي سرقته صحيفة الشرق الأوسط، ونشرت منه أجزاء في أواخر عام 2001.
وكان وكيلي الأستاذ محفوظ عزام المحامي قد رفع قضية أمام القضاء المصري بموجب التوكيل العام الممنوح مني له، طالب فيها بتعويض عن التعذيب الذي وقع علي في السجن، وحكمت له المحكمة بتعويض قدره 3000 جنيه مصري، وأخبرته وزارة الداخلية أن التعويض موجود في مقر إدارة مباحث أمن الدولة، وإذا كان أيمن الظواهري يريده فليأت لاستلامه!!
وما كان لي أن أقبل هذا التعويض لأمرين: الأول أنه قد صدر عن محكمة علمانية تحكم بغير ما أنزل الله، والثاني أني لا أبيع ما لقيته من هؤلاء المجرمين، فإما أن يتوبوا إلى الله ويعودوا للإسلام، فأنا حينئذ متنازل عن كل حق لي قبلهم، وإما أن يظلوا على إجرامهم فأطالبهم بحقي وحقوق كل المسلمين في الدنيا والآخرة. لأنهم لم يعذبوني لخلاف شخصي بيني وبينهم، ولكنهم عذبوني محاربة للإسلام.
وأنا أطلب من وكيلي الأستاذ محفوظ عزام المحامي أن يطالب إدارة أمن الدولة بتحويل هذا المبلغ لوالد شيماء، كمقدم للدية وبادرة حسن نية مني تجاهه، وأسأل الله أن يعيننا على أداء الباقي.
وإذا أردنا أن نضع قضية شيماء في الميزان الصحيح فعلينا أن نضع في الكفة الأخرى للميزان بناتنا ونساءنا اللاتي تيتمن وترملن بلا ذنب، بل بسبب قيام آبائهن وأزواجهن بفريضة شريفة؛ فريضة الجهاد في سبيل الله.
لقد اقتادني النظام ومعي 280 أخاً إلى المحاكمة، وطالبت النيابة بإعدامنا جميعاً، أي طالبت بالحكم على ابنتي الصغيرة -التي كانت تبلغ عامين من عمرها- وعلى بنات إخواني بالتيتم، فلماذا لم تبك الحكومة وإعلامها على بناتنا وتهتم بهن؟ ولماذا لم تبك على بنت الأخ سيد قرني؟ التي أردتها الشرطة قتيلة لما جرت فزعة من إطلاق الرصاص عند اقتحام الشرطة لمنزله؟ ولماذا لم تبك على آلاف النساء المسلمات العفيفات اللاتي اعتقلن أو أوذين أو هددن في مباحث أمن الدولة؟ ولماذا لم تبك على عشرات الآلاف من نسائنا وأخواتنا وأمهاتنا اللاتي يقفن على أبواب السجون على أمل زيارة أبنائهن وإخوانهن أزواجهن؟ ولماذا لم تبك لمأساتهن؟
لقد كسرت ذراع سناء عبد الرحمن حين ضربتها الشرطة –بوحشية- هي وابنتها خديجة البالغة من العمر ثلاث سنوات أمام سجن استقبال طرة، لأن الأمهات المنتظرات أخذن في البكاء والعويل، لما خرج أحد المعتقلين في طريقه إلى المحكمة، وقال لهن: "المعتقلون بيموتوا، افعلوا أي شيء، اذهبوا للنائب العام"، ونشرت جريدة الشعب صورة سناء وذراعها في الجبيرة وبجانبها ابنتها خديجة .
من الذي يمنع الحجاب في المدارس والنقاب في الجامعات محاربة لآداب الاسلام، ولإكراه بناتنا على زي الغرب وتبرجه؟ من الذي ينشر الفاحشة في الإعلام ويشجع الرذيلة؟
ومن الذي عذب النساء من أهالي سيناء ونزع عنهن الحجاب والنقاب وسب أبائهن وأمهاتهن ودينهن؟ وقد أشرت لطرف من تلك الجرائم في الفصل السادس.
لقد قاتلنا هذا النظام المحارب للإسلام حفاظاً على بناتنا وبنات المسلمين وعلى شيماء وكل شيماء.
وللأسف فإن أسلوب الكاتب يتفق مع التوصيات، التي نصح بها مركز مكافحة الإرهاب في الجيش الأمريكي، حيث نقلوا مقتطفات من كتابي (فرسان تحت راية النبي صلى الله عليه وسلم) عن مقتل شيماء رحمها الله، واخترعوا مصطلحاً أسموه (أثر شيماء)، ثم قالوا ما ترجمته:
"لا بد أن تمول حكومة الولايات المتحدة حملات الدعاية التي تركز على تحويل الرأي العام المسلم ضد الجهاديين، ولكن بصورة خفية جداً وبأسلوب غير مباشر.
ولا بد للولايات المتحدة أن تستثمر قوة (أثر شيماء) خاصة، في نشر صور الهجمات الجهادية التي قتلت أطفالاً مسلمين.
وفي ضوء النقاط الآنفة التي أوضحت الآثار الوخيمة لعمل الولايات المتحدة المباشر في المنطقة، فمن الضروري أن تعمل الولايات المتحدة من خلف الستار.
ولذلك فإن حملات الدعاية مثل تلك التي أشرنا إليها سابقاً، لابد أن تدار بعناية من قبل محترفين يستخدمون نفس استراتيجيات المعلومات والمنظمات الممتازة التي استعملتها الولايات المتحدة بكفاءة في الحرب الباردة".
ولكن الفارق بين أسلوب الكاتب وبين أسلوب مركز مكافحة الإرهاب في الجيش الأمريكي، أن الأخير كان أكثر أمانة في النقل فنقل نص كلامي من كتابي.








































الفصل التاسع عشر
ملاحظات على ما ورد بالحلقتين الرابعة عشرة والخامسة عشرة
1- ذكر كاتب الوثيقة قصة سيدنا عبد الله بن حذافة السهمي -رضي الله عنه- مع ملك الروم وأنه قبل رأسه، فأطلقه الملك بهذه القبلة مع ثمانين من أسرى المسلمين. فهل يريد كاتب الوثيقة من إيراده لهذه القصة أن يرسل رسالة ما؟ هل يريد أن يقول أني لا أعبر عن حقيقة ما في قلبي؟ وإن كل همي هو تخليص أكبر عدد من الأسرى، حتى وإن ظهر مني تعظيم لأكابر المجرمين واحترام لهم، وإرضاؤهم ببعض ما يريدون. وبالتالي فلا تأخذوا كل ما في وثيقتي على محمل الجد!
هل يمكن أن يكون هذا التفسير صحيحاً أم هو ضرب من الخيال المحض؟
ولكن سيدنا عبد الله بن حذافة السهمي -رضي الله عنه- لم يسب إخوانه المسلمين، ولم يغير ثوابت الفقه، ولم يضع قيوداً على الجهاد يعسر قيامه بها. كما أن بعضاً مما ذكره الكاتب في وثيقته قد ذكره في كتابه (الجامع) من قبل. إذن هل هذا الفرض إغراق في حسن الظن؟
ثم إن سيدنا عبد الله بن حذافة -رضي الله عنه- قد عقد اتفاقاً مع ملك الروم لإطلاق سراح الأسرى، فهل يمكن أن يفهم أن هناك اتفاق ما للإفراج عن الأسرى؟ وإذ كان أليس من حق الأمة أن تعرف؟ وهل من ضمن الاتفاق إصدار هذه الوثيقة؟
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ويأتيك بالأنباء من لم تزودِ
2- ثم ذكر الكاتب فلسطين والعراق فقال: "فلولا الجهاد في فلسطين لزحف اليهود منذ زمن على الدول المجاورة، ولولا الجهاد في العراق لزحفت أميركا على سورية منذ زمن ولا ستعبدت شعوب المنطقة".
وأنا أتساءل:
أ- أي جهاد يمكن أن يقوم في فلسطين والعراق بناء على هذه الوثيقة؟ يكفي أن يسلط على الجهاد في أي بلد المقومات الست والمحظورات الست والخيارات الست والموانع الستة ليتبخر كما يتبخر الكحول.
ب- فلينظر الكاتب إلى الجهاد في العراق، وليسأل نفسه؛ هذه البطولة التاريخية هل كان يمكن أن تقوم بناء على نظرياته؟ فليطبق عليها المقومات الست؛ التمويل متعذر، دار النصرة مفقودة، العيال والنساء يقصفون، الدار التي يتحيزون لها غير موجودة، التكافوء غائب، تميز الصفوف معدوم، إذن كيف قاموا بجهاد غير شرعي (عند الكاتب)، ومع ذلك يهزمون أمريكا، التي قررت الرحيل. لا بد أنهم مخطئون!
ج- ثم من هم هؤلاء الذين يجاهدون في العراق؟ أليس أغلبهم حلفاء القاعدة، القاعدة التي تضم من كال لهم الكاتب ما شاء من قاموس أوصافه، ومع ذلك يهزمون –بفضل الله- الأمريكان! لا بد أنهم مخطئون!
د- أما في فلسطين، فلا يمكن أن تفكر في المقومات الست ناهيك عن أن تتكلم عنها، هناك تطاردهم الطائرات والدبابات الإسرائيلية في داخل سياراتهم وبيوتهم. وعدو داخلي وآخر خارجي، وحصار اقتصادي، وتوغلات مستمرة، وأسرى بعشرات الآلاف. وتنسحب من أمامهم إسرائيل. كيف؟ لا بد أنهم يحتاجون لوثيقة جديدة!
أرجو من الأخ الكريم كاتب الوثيقة أن يعيد قراءتها مرة أخرى، أو أسهل من ذلك أن يغير العنوان.
هـ - ثم سؤال بسيط؛ ذكر الكاتب فلسطين والعراق، فلماذا لم يذكر أفغانستان؟
3- ثم قال الكاتب "وقد قام بالتوقيع بالموافقة على ما ورد في هذه الوثيقة المئات من الأفراد المنتسبين إلى الفصائل الجهادية المختلفة بمصر، وأسماؤهم وتوقيعاتهم مودعة لدى الجهات المختصة".
وأنا أتساءل:
أ- المئات وقعوا، فماذا فعل الآلاف المعتقلون؟
وعلى ذكر المئات الذين وقعوا فقد نشرت صحيفة الحقيقة الدولية الخبر التالي:
"معتقلو الجهاد يرفضون مراجعات سيد إمام الفكرية
الدكتور سيد إمام مؤسس التنظيم وأميره السابق
أكد أعضاء تنظيم الجهاد المعتقلين في سجون الوادي الجديد والمرج وليمان وأبي زعبل شديد الحراسة، رفضهم للمراجعات التي يقودها سيد أمام ووصفوها بأنها من منتجات مباحث أمن الدولة وصنعت في هذا التوقيت تحديدا لقرب صدور قانون مكافحة الإرهاب واضطرار الدولة لإغلاق ملف المعتقلين المحتجزين لقانون الطوارئ والذين يشكل أعضاء الجهاد معظمهم وأكد أهالي المعتقلين أن أمن الدولة منعت الزيارة عن ذويهم في سجون الوادي الجديد والمرج وأبي زعبل لتكميم أفواهم وعدم وصول رأيهم وحقيقة موقفهم للرأي العام في ظل المساندة الإعلامية من قبل الدولة لمراجعات سيد إمام .
وصرح مصدر جهادي أن الجهاديين بالسجون مضيق عليهم ويعيشون ظروفا قاسية هذه الأيام حيث تم منعهم من التريض ووضع بعضهم في زنازين تأديبية منهم توفيق الفقي وسامي أمين مرزوق الذي يعاني أزمات صدرية حادة وطه منصور إضافة إلي تجريدهم من كل متعلقاتهم الشخصية من أدوات كتابية وأوراق وكتب وتركت إدارة السجن لكل معتقل بطانيتين ميري فقط في ظل البرد القارس.
ومن أشهر الرافضين للمبادرة محمد الظواهري شقيق أيمن الظواهري وأحمد سلامة مبروك ومجدي سالم ومحمد الأسواني وأحمد عشوش وتوفيق الفقي وأشرف حجازي وسامي أمين بجانب مجموعة من الضباط الذين تم القبض عليهم بعد أحداث 11 سبتمبر بتهمة ممارسة أنشطة مناهضة للوجود الأمريكي.
ومن ناحية أخرى قال أحمد حلمي ممثل مركز الحرية للحقوق السياسية محامي المعتقلين من أبناء سيناء إن ١٥ منهم بدأوا إضراباً عن الطعام بعد محاولات الأمن الحصول على توقيعاتهم بالموافقة على المراجعات الفقهية لتنظيم الجهاد التي أعدها الدكتور سيد إمام مؤسس التنظيم وأميره السابق. وأضاف حلمي الموكل بالدفاع عن ٤٦ من المعتقلين على خلفية تفجيرات شرم الشيخ ودهب، أن معتقلي سيناء كشفوا له في شهر يونيو الماضي عن محاولات المسؤولين في السجن إقناعهم بإعداد وثيقة مراجعات خاصة بهم مشيراً إلى أن هؤلاء المعتقلين غير تنظيميين ولن يتمكنوا من إعداد هذه الوثيقة وإنهم "أصلاً مش فاهمين يعني إيه مراجعات".
وأكد أنه بعد "فشل المسئولين في إقناع أبناء سيناء بإصدار وثيقة خاصة بهم يحاولون الآن إلحاقهم بمراجعات الجهاد" مؤكداً أن معتقلي سيناء ليست لديهم أي خلفية سياسية أو تنظيمية.
وأضاف: أن هيئة الدفاع لا تمانع في دراستهم المراجعات التي يريدها المسئولون ولكن علي شرط أن يتم ذلك من خلال محاميهم موضحاً أنه "تحت الضغط يمكن أن يوقع المعتقلون علي إقرارات خاطئة تسيء إلي موقفهم في القضية".
وقال أحمد السويركي أحد أبناء سيناء إن الإضراب عن الطعام بدأ السبت الماضي لـ ١٥ من معتقلي سيناء علي خلفية تفجيرات دهب منهم جمال سلمان زريعي وأحمد عبد الله أبو الفيتة وعبد الله السالم أبو سرور وأحمد مصلح نصير اعتراضاً علي منع الزيارة عنهم نهائياً بعد رفضهم التوقيع علي المراجعات الفقهية الأخيرة للدكتور سيد إمام" .
ب- وأسماؤهم لدى الجهات المختصة. هل يمكن أن أسأل المختصة بماذا. المختصة بقتل المسلمين وتعذيبهم وترسيخ الظلم والفساد والدفاع عن العمالة والعملاء.
قال المتنبي:
وكم ذا بمصر من المضحكات ولكنه ضحك كالبكا
وحسبنا الله ونعم الوكيل.




































خاتمة
---
وفي ختام هذه الرسالة أتوجه بأربع رسائل:
الأولى: لجميع المسلمين فأقول لهم إن ما تقدمه (وثيقة الترشيد) هو الإسلام الذي تريده أمريكا والغرب ويرضون عنه؛ إسلام بلا جهاد ولا أمر بمعروف ولا نهي عن منكر ولا إعداد ولا صدع بالحق في وجه الظالمين ولا نصرة للمجاهدين.
والأمة المسلمة التي تصورها تلك الوثيقة هي الأمة التي تريدها أمريكا والغرب ويرضون عنها؛ أمة عاجزة مستكينة خائفة هاربة منزوية منسحبة منشغلة بتحصيل الرزق ورعاية العيال.
ولذا فإني أعد هذه الوثيقة إهانة للأمة المسلمة المجاهدة الصابرة المحتسبة، التي قدمت ولا زالت تقدم آلاف الشهداء وأضعافهم من الجرحى والأسرى والأيتام والأرامل، دون تراجع ولا توان ولا نكوص، وتنزل بأعدائها -بفضل الله- أنكى الضربات.
ولأني اعتبرت هذه الوثيقة إهانة للأمة المسلمة، فقد اخترت للرد عليها اسم (التبرئة)، لأعبر عن براءة الأمة من هذه الإهانة التي وجهت لها، وقد يسأل سائل؛ وما العيب أن تكون الأمة في مرحلة من المراحل ضعيفة مغلوبة مقهورة؟ فجوابي أن هذا ليس عيباً، ولكن العيب أن تكون الأمة قادرة على التصدي للعدوان بما وفره الله لها من إيمان وعزيمة ورجال وطاقات وأموال، ثم تركن إلى الضعف أو تتهم به.
كما قال المتنبي:
ولم أر في عيوب الناس عيباً كنقص القادرين عن التمام
ومن قبله قال الأفوه الأودي:
ولم أر في عيوب الناس عيباً كعجر القادرين عن الكمال
هذا هو العيب الذي يجب أن نبرأ منه، وتلك هي الإهانة التي يجب أن نردها.
إن الأمة التي تنزل النكايات بالتحالف الصليبي في العراق وأفغانستان والجزائر والصومال ليست أمة ضعيفة، والأمة التي صمدت لروسيا المتوحشة منذ أربع قرون ونصف في القوقاز ليست أمة عاجزة، والأمة التي طردت اليهود من غزة ليست أمة مشلولة، والأمة التي أنجبت الإمام شامل وعمر المختار وحسن البنا وعز الدين القسام وسيد قطب وخالد الإسلامبولي وعصام القمري وعبد الله عزام وأبا عبيدة البنشيري وأبا حفص القائد ومحمد عطا وخطاب وشامل بساييف وأصلان مساخادوف وزليم خان يندربييف وأحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي وأبا الوليد الغامدي وأبا عمر السيف وعبد الله الرشود وأبا مصعب الزرقاوي وملا داد الله ليست أمة عقيمة.
والأمة التي يصمد أبناؤها المهاجرون والمجاهدون لأعتى حملة صليبية في تاريخ الإسلام ليست أمة مستكينة.
الرسالة الثانية: لضباط المباحث الذين أخرجوا هذه الوثيقة، أقول لهم تمثيليتكم سيئة الإخراج، ولو أخرجتم ألف وثيقة، فإن الحق أعلى وأجلى وأظهر من أن تحجبوه. ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون﴾.
هذا حديث النفس حين تشف عن بشريتي وتمور بعد ثوان
وتقول لي إن الحياة لغاية أسمى من التصفيق للطغيان
أنفاسك الحرى وإن هي أخمدت ستظل تحجب أفقهم بدخان
وقروح جسمك تحت كي سياطهم قسمات صبح يتقيه الجاني
دمع السجين هناك في أغلاله ودم الشهيد هنا سيلتقيان
حتى إذا ما أفعمت بهما الربى لم يبق غير تمرد الفيضان
والرسالة الثالثة: لإخواننا الصامدين في السجون، أقول لهم اصبروا وتحملوا واعفوا واصفحوا عن إخوانكم الذين شاركوا أو يشاركون في أمثال هذه الدعايات، فلعل الله أن يجمع بين المسلمين على ما يحب ويرضى.
والرسالة الرابعة: لإخواننا الذين كتبوا ووافقوا وأيدوا هذه الدعايات، فأقول لهم عفا الله عنكم، وهداكم لصراطه المستقيم، أبعد كل هذا الصمود والصبر تقعون في هذا الشرك؟
إن المجرمين لن يرضوا منكم بما كتبتم، وأحسبهم سيواصلون الضغط عليكم حتى تصلوا لما وصل له أسلافكم في التراجعات، الذين أعلنوا أسفهم وندمهم على ما ارتكبوا، واعترفو بحسني مبارك رئيساً، وبالسادات شهيداً.
وأقول لهم إننا نمد إليكم أيدينا ونفتح لكم قلوبنا، فلا تكونوا عوناً لأكابر المجرمين -الذين بدأت هزيمتهم- على يد إخوانكم المجاهدين والمرابطين.
وأقول لهم لماذا سمحتم لأنفسكم أن تكتبوا وتوافقوا وتوقعوا على هذا الفقه المغلوط وعلى هذا السب والشتم لإخوانكم؟
أما عما لحق شخصي من سباب وافتراء، فأقول لكم: إن كان سبي وشتمي وتجريحي سيخرجكم من السجن، فدونكم عرضي فارتعوا فيه، ولن أسامحكم فقط بل يسعدني أن أكون سبباً في خلاصكم. أما إن اتخذتم سبي وشتمي وسيلة لإعانة الطواغيت على المجاهدين، ولبث القعود والتخذيل لصالح أعداء الأمة اليهود والصليبيين، فهذا ما لا أملك فيه عفواً، لأن الأمر قد خرج من شخصي إلى إعانة أعداء الإسلام.
يقول محمد إقبال رحمه الله:
پُہول کي پّتی سے کٹ سکتا ہے ہیرے کا جگر
مردِ ناداں پر کلامِ نرم ونازک بي ا ثر
وترجمته:
وأوراق ورد قطعن برفق من اللؤلؤ الكبد المنفطر
ولين الكلام بقلب الجهول مضى دون ذكر ودون أثر

إذا نسى إخواننا أو تناسوا بإرادتهم أو رغماً عنهم الأخوة والأيام التي أمضيناها سوياً بشدتها ورخائها ويسرها وعسرها، فإننا لن ننساها، ولن ننسى سابقتهم. نسأل الله أن يجمع بيننا وبينهم على الخير.
وَإِن الَّذي بَيني وَبَين بَني أَبي وَبَينَ بَني عَمّي لَمُختَلِفٌ جِدّا
فَإِن يَأكُلوا لَحمي وَفَرتُ لحومَهُم وَإِن يَهدِموا مَجدي بنيتُ لَهُم مَجدا
وَإِن بادَؤوني بِالعَداوَةِ لَم أَكُن أَبادِؤهُم إِلّا بِما يَنعَتُ الرُشدا
وَإِن قَطَعوا مِنّي الأَواصِرَ ضَلَّةً وَصَلتُ لَهُم مُنّي المَحَبَّةَ وَالوُدّا

وما بدر مني في هذه الرسالة من لفظ خشن أو شديد، فما قصدت به تجريحاً شخصياً، وإنما قصدت نصرة الحق، فلينصحني إخواني إن رأوا فيه خروجاً عن الإنصاف والعدل.
وما تحملت مشقة كتابة هذه الصفحات إلا لنصرة الحق الذي أعتقده، وأنا متنازل عن أي حق شخصي لي تجاه إخواني، وأصبر وأعفو عن كل إساءة وجهت لي. فإن صدرت مني لهم إساءة أو تعد على أشخاصهم فليعفوا وليصفحوا، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.








































الفهرس

مقدمة ..................................................... م/1 إلى م/17
1- الباعث على كتابة الرسالة ............................. م/1
2- ثلاثة أسئلة حول الوثيقة ............................... م/3
أ- لماذا خرجت الآن هذه الوثيقة؟ ......................... م/3
ب- لصالح من نشرت ووزعت هذه الوثيقة؟ ............... م/4
ج- كيف كتبت هذه الوثيقة؟ ............................ م/12
3- أثر الوثيقة على المجاهدين .............................. م/15
4- الأغلبية المسحوقة داخل السجون ....................... م/15
5- تكرار التأكيد على التقدير لإخواننا الأسرى ............. م/16
الباب الأول: تعليقات على منهج الرسالة .................... 1/1 إلى 1/7
الباب الثاني: مناقشة موضوعات الوثيقة ……………… 2/..
الفصل الأول: مناقشة ما ورد في في الحلقة الأولى من تنبيهات . 2/1/1 إلى 2/1/2
الفصل الثاني: مناقشة ما ورد في الحلقة الأولى عن دوافع الوثيقة 2/2/1 إلى 2/2/7
1- مناقشة واقع العالم الإسلامي عبر طرح 35 سؤالاً على كاتب أو كاتبي الوثيقة .....................................
2/2/1
2- اتهامات غير مسبوقة .................................. 2/2/7
الفصل الثالث: مناقشة ما ورد في الحلقة الثانية عن الأهلية
وولاية الأسير .............................................
2/3/1 إلى 2/3/71
1- التعليق على أن كتب السلف كتبت لزمان غير زماننا ... 2/3/1
2- العلماء الذين استعان بهم المجاهدون أو الذين أيدوهم أو الذين جاهدوا من العلماء وطلبة العلم ........................
2/3/5
3- كلام الكاتب بعدم جواز تنزيل ما في كتب العلم على الواقع ينطبق عليه ..........................................
2/3/66
4- تناقض الكاتب في تحذيره مما ينشر على شبكة المعلومات . 2/3/66
5- من الذي يمارس فقه التبرير؟ 2/3/68
6- تلبيس الكاتب في كلامه عن ولاية الأسير .............. 2/3/69
الفصل الرابع: مناقشة ما ورد بالحلقة الثالثة عن الجهاد والأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر ................................
2/4/1 إلى 2/4/40
1- مناقشة كلام الكاتب عن شرط القدرة في الجهاد ........ 2/4/1
2- مناقشة تعريف الكاتب للتمكين ....................... 2/4/5
3- مناقشة شرط دار الهجرة والنصرة للجهاد .............. 2/4/23
4- لب الوثيقة وثمرتها التي يريدها الأمريكان واليهود وعملائهم من منع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الحكومات المرتدة ..........................................

2/4/24
5- مناقشة كلام الكاتب عن شرط النفقة في الجهاد العيني ... 2/4/28
6- مناقشة كلام الكاتب عن المسالك المحرمة للتجهز للجهاد 2/4/34
7- الخلاصة ……………………………….. 2/4/40
الفصل الخامس: مناقشة ما ورد بالحلقة الرابعة عن إذن الوالدين
والدائن ...................................................
2/5/1 إلى 2/5/9
1- هذه الحلقة تمثل غاية التدهور العلمي للكاتب ........... 2/5/1
2- تأييد الكاتب سابقاً لرسالة الشيخ عبد الله عزام رحمه الله (الدفاع عن أراضي المسلمين أهم فروض الأعيان) ............
2/5/2
3- موجز اتفاق علماء المذاهب الأربعة بلا خلاف على إسقاط إذن الوالدين والمدين في الجهاد العيني ..................
2/5/2
الفصل السادس: مناقشة ما ورد في الحلقة الخامسة عن
الخروج على الحاكم ........................................
2/6/1 إلى 2/6/16
1- كلام الكاتب عن موقف علماء السلف من حكام الجور . 2/6/1
2- تخبط الكاتب في شروطه عن الجهاد .................... 2/6/1
3- مناقشة المحظور الرابع من محظورات الكاتب؛ العجز عن تأمين ذراري المسلمين ......................................
2/6/2
4- مناقشة المحظور الخامس من محظورات الكاتب؛ العمالة والارتزاق .................................................
2/6/2
5- مناقشة المحظور السادس من محظورات الكاتب؛ اللجوء السياسي ..................................................
2/6/8
6- مناقشة استعمال الكاتب لتقسيم الناس لمدنيين وعسكريين 2/6/9
7- تأجيل الكلام عن عمليات الجهاد لآخر الباب .......... 2/6/9
8- مناقشة تنبيه الكاتب عن الأسباب الشرعية والواقعية التي تدعو لعدم الصدام مع السلطات بمصر .......................
2/6/9
الفصل السابع: التأشيرة والأمان ............................ 2/7/1 إلى 2/7/46
1- تمهيد 2/7/1
2- هل التأشيرة أمان؟ .................................... 2/7/2
3- إذا سلمنا بأن التأشيرة أمان، فهل أمان الكافر للمسلم يترتب عليه تأمين المسلم للكافر؟ ............................
2/7/16
4- إذا سلمنا أن أمان الكافر للمسلم يترتب عليه أمان من المسلم للكافر، فهل يسري ذلك في حالات الحرب والعدوان على المسلمين؟ .............................................

2/7/19
5- مناقشة أدلة الكاتب في أن التأشيرة أمان، وأن أحداث نيويورك وواشنطن من باب الغدر............................
2/7/39
6- الخلاصة ............................................. 2/7/44
7- كلمة أخيرة .......................................... 2/7/45
الفصل الثامن: حكم رمي الكفار إذا اختلط بهم مسلمون
أو من لا يجوز قتله ........................................
2/8/1 إلى 2/8/13
1- عرض أقوال العلماء في المسألة ......................... 2/8/1
2- الخلاصة ............................................. 2/8/12
الفصل التاسع: البيات والقتال بما يعم إتلافه ................. 2/9/1 إلى 2/9/6
1- شرعية البيات ........................................ 2/9/1
2- القتال بما يعم إتلافه .................................. 2/9/4
3- الخلاصة ............................................. 2/9/6
الفصل العاشر: المعاملة بالمثل ............................... 2/10/1 إلى 2/10/9
1- شرعية قاعدة التعامل بالمثل في استيفاء الحقوق ومعاملة الأعداء ....................................................
2/10/1
2- جواز المعاملة بالمثل بطريق الأولى فيما أجازته الشريعة دون مماثلة .................................................
2/10/8
الفصل الحادي عشر: ملاحظات على ما ورد بالحلقة السادسة عن السياح ................................................
2/11/1 إلى 2/11/29
1- ملاحظات قبل التعرض للموانع الستة .................. 2/11/1
2- مناقشة الموانع الستة .................................. 2/11/4
الفصل الثاني عشر: ملاحظات على ما ورد بالحلقة السابعة عن العمليات الجهادية من داخل دار الحرب ......................
2/12/1 إلى 2/12/16
1- مناقشة قول الكاتب أن جهاد النبي –صلى الله عليه وسلم- وأصحابه -رضوان الله عليهم- كان جهاداً من الخارج، دون القيام بعمليات جهادية داخل أرض العدو قبل فتحها .....

2/12/1
2- مناقشة شبهة انتشار المسلمين في معظم بلاد العالم ....... 2/12/3
3- مناقشة شبهة ألا ضرورة للعمليات داخل بلاد العدو .... 2/12/3
4- مناقشة قول الكاتب أن العلماء لم يجيزوا رمي الترس إلا في جهاد الدفع وللضرورة عند الخوف على مجموع المسلمين من الاستئصال ................................................

2/12/5
5- مناقشة أمان التأشيرة والاستدلال بقاعدة (المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً) ..........................................
2/12/15
6- لماذا هاجم المجاهدون الغرب في عقر داره؟ .............. 2/12/15
الفصل الثالث عشر: ملاحظات على ما ورد بالحلقة الثامنة ... 2/13/1 إلى 2/13/2
1- مناقشة شبهة أنه ليس من المروءة أن يهاجم المسلم المقيم في الغرب من أكرمه ........................................
2/13/1
2- مناقشة كلام الكاتب عن قتل الشيعة ................... 2/13/2
الفصل الرابع عشر: ملاحظات على ما ورد بالحلقة العاشرة ... 2/14/1 إلى 2/14/10
1- مناقشة قول الكاتب أن الشريعة لم تبح للأفراد إقامة الحدود ....................................................
2/14/1
2- كلمة حول النصارى ................................. 2/14/3
3- تنبيه الكاتب لغمزه في الجبهة الإسلامية العالمية لجهاد اليهود والصليبيين ..........................................
2/14/10
الفصل الخامس عشر: ملاحظات على ماورد بالحلقة الحادية عشرة .....................................................
2/15/1 إلى 2/15/28
1- الرد على تشهير الكاتب بالشيخ أسامة بن لادن حفظه الله 2/15/1
أ- مساعي أمريكا لضرب القاعدة والطالبان من قبل قيام الجبهة الإسلامية وحتى 10/9/2001 .......................
2/15/1
ب- تصريحات الملا داد الله –رحمه الله- كمثال على موقف الطالبان من القاعدة ........................................
2/15/21
ج- أمير المؤمنين لا يحتاج مشورة الكاتب في معاملة جنوده . 2/15/22
د- ما موقف الكاتب من استنفار أمير المؤمنين للمسلمين ... 2/15/22
الفصل السادس عشر: ملاحظات على ما ورد بالحلقة الثانية عشرة من زعم الكاتب وجوب وفاء الأسير بتعهده للسلطات بعدم الصدام معها ..........................................

2/16/1 إلى 2/16/3
الفصل السابع عشر: ملاحظات على ما ورد بالحلقة الثالثة عشرة من تكرار هجوم الكاتب على الشيخ عبد الله عزام رحمه الله ........................................................

2/17/1 إلى 2/17/3
الفصل الثامن عشر: عمليات جماعة الجهاد في مصر .......... 2/18/1 إلى 2/18/21
1- عرض الكاتب لعمليات جماعة الجهاد في صورة لا تعبر عن الحقيقة ................................................
2/18/1
2- حالة مصر قبل بدء عمليات جماعة الجهاد .............. 2/18/1
3- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد يمثلان الحل الشرعي لمواجهة الفساد والإفساد المستشري ..................
2/18/3
4- بدء الإعداد للتغيير الجهادي ........................... 2/18/3
5- حدوث تطورين هامين في بداية التسعينيات ............ 2/18/3
6- الشروع في المواجهة .................................. 2/18/7
7- ترنح النظام بعد الجولات الأولى ....................... 2/18/9
8- فهم المجاهدين لتركيبة النظام الفرعوني .................. 2/18/9
9- استغاثة النظام المصري بالقياصرة الجدد في واشنطن ...... 2/18/10
10- بدء حملة المطاردة الدولية ............................ 2/18/10
11- بزوغ فجر جهاد الأمة المسلمة ضد الصليبيين واليهود .. 2/18/10
12- هل قمع النظام ا لمصري الحركة الجهادية؟ ............ 2/18/11
13- المتفاخرون بقمع النظام للحركة الجهادية يتغاضون عن الثمن الباهظ الذي دفعته مصر ..............................
2/18/11
14- الدرس الهام من هذه الفترة .......................... 2/18/11
15- هل كان الثمن باهظاً؟ .............................. 2/18/12
16- مناقشة ما ذكره الكاتب عن عمليات الجهاد في مصر .. 2/18/14
الفصل التاسع عشر: ملاحظات على ما ورد بالحلقتين الرابعة عشرة والخامسة عشرة ......................................
2/19/1 إلى 2/19/4
1- ما مغزى ذكر الكاتب لقصة سيدنا عبد الله بن حذافة السهي رضي الله عنه؟ ......................................
2/19/1
2- مناقشة ما ذكره الكاتب عن الجهاد في فلسطين والعراق . 2/19/1
3- مناقشة ما ذكره الكاتب من توقيع المئات لدى الجهات المختصة ...................................................
2/19/2
خاتمة ..................................................... خ/1 إلى خ/4
الرسالة الأولى: لجميع المسلمين ............................. خ/1
الرسالة الثانية: لضباط المباحث الذين أخرجوا هذه الوثيقة .... خ/2
الرسالة الثالثة: لإخواننا الصامدين في السجون ............... خ/3
الرسالة الرابعة: لإخواننا الذين كتبوا ووافقوا وأيدوا هذه الدعايات ..................................................
خ/3


Collection iraq_middleeast; iraq_war; newsandpublicaffairs

comment
Reviews

There are no reviews yet. Be the first one to write a review.